النبي إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع ، وقد رأى رضي الله عنه ، أن ترك إحضار الدواة والبياض أولى ، وربما خشي أن يكتب النبي أمورا يعجز عنها الناس ، فيستحقون العقوبة بسبب ذلك لانها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها ، ولعله خاف من المنافقين ان يقدحوا في صحة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سببا للفتنة ؛ فقال : حسبنا كتاب الله لقوله تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقوله : (اليوم أكملت لكم دينكم) وكأنه رضي الله عنه أمن من ضلال الامة حيث أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة.
هذا جوابهم وهو كما ترى ، لان قوله عليهالسلام : لا تضلوا ، يفيد أن الامر أمر عزيمة وإيجاب ، لان السعي فيما يوجب الامن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب ، واستياؤه منهم وقوله لهم قوموا ، حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على ان الامر إنما كان للايجاب لا للمشورة.
فإن قلت لو كان واجبا ما تركه النبي عليهالسلام ، بمجرد مخالفتهم ، كما انه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين ، قلنا : هذا الكلام لو تم ، فإنما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي عليهالسلام ، وهذا لا ينافي وجوب الاتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبي به ، وبين لهم أن فائدته الامن من الضلال ودوام الهداية لهم ، إذ الاصل في الامر انما هو الوجوب على المأمور لا على الآمر ، ولا سيما إذا كانت فائدته إلى المأمور خاصة ، والوجوب عليهم هو محل الكلام لا الوجوب عليه.
على أنه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا ، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم ، وقولهم : هجر ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة كما أفدت.
