أَلف أَرْطَى بأَلف التأْنيث فمنعوه من الصرف في المعرفة ، ذكر هذا القول شيخُنا وأَيَّدَه وارْتضاه.
قلت : وتقدم النقلُ عن الزجّاج في تخطِئَة البَصرِيّيّن وأَكثرِ الكُوفيّين هذا القَول ، وتقدم الجوابُ أَيضاً في سِيَاق عِبارة المؤلّف ، وقال الجَاربَرْدِي في شرح الشَّافِية : ويلْزم الكسائيَّ مخالفةُ الظاهرِ من وجْهينِ : الأَول مَنْع الصرْفِ بغير عِلَّة ، الثاني أَنها جُمِعَت على أَشَاوَى. وأَفعال لا يُجْمَع على أَفاعل.
قلت : الإِيراد الثاني هو نصُّ كلام الجوهريّ ، وأَما الإِيراد الأَول فقد عرفتَ جوابَه.
وذكر الشّهاب الخَفاجي في طِراز المجالس أَن شِبْهَ العُجْمة وشِبْه العَلَمِيَّة وشِبْه الأَلِف مما نَصَّ النُّحاة على أَنه من العِلَل ، نقلَه شيخُنا وقال : المُقرَّر في عُلوم العربية أَن من جُمْلة موانع الصرْف أَلِفَ الإِلحاق ، لشَبَهِها بأَلف التأْنيث ، ولها شرطان : أَن تكون مَقصورةً ، وأَما أَلِفُ الإِلحاق الممدودةُ فلا تَمْنَع وإن ضُمَّت لِعِلَّةِ أُخْرى ، الثاني أَن تقع الكلمةُ التي فيها الأَلف المقصورةُ علماً ، فتكون فيها العَلَمِيّةُ وشِبْهُ أَلفِ التأْنيث ، فأَما الأَلف التي للتأْنيث فإنها تَمنعُ مطلقاً ، ممدودةً أَو مقصورةً ، في معرفةِ أَو نكرةِ ، على ما عُرِف. انتهى.
وقال أَبو إسحاق الزجّاج في كتابه الذي حَوَى أَقَاويلَهم واحتجَّ لأَصوبها عنده وعزاه للخليل فقال : قوله تعالى : (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ) في موضعِ الخَفْضِ إلَّا أَنّها فُتِحت لأَنها لا تَنْصرف.
ونص كلام الجوهريّ : قال الخليل : إنما تُرِك صَرْفُ أَشياءَ لأن أَصلَه فَعْلَاء ، جُمِعَ على غير واحدهِ ، كما أن الشُّعَراء جُمع على غير واحدِهِ ، لأَن الفاعِل لا يُجْمع على فُعَلَاء ، ثم استثْقَلُوا الهمزتَيْنِ في آخِره نَقَلُوا (١) الأُولى إلى أَوّل الكلِمة فقالوا أَشْياء ، كما قالوا أَيْنُق وقِسِيّ (٢) فصار تقديرُه لَفْعاء ، يدُلُّ على صِحّة ذلك أَنه لا يُصْرَف ، وأَنه يُصَغَّرُ على أَشيَاء ، وأَنه يُجْمَع على أَشَاوَى ، انتهى. قال الجاربردي بعد أَن نقل الأَقوال : مذهبُ سِيبويه أَوْلى ، إذ لا يَلزمه مخالَفةُ الظاهرِ إلَّا من وَجْهٍ واحدٍ ، وهو القَلْبُ ، مع أَنه ثابِتٌ في لُغتهم في أمثِلة كثيرةٍ.
وقال ابن بَرِّيّ عند حِكاية الجوهريّ عن الخليل إنّ أَشياءَ فَعْلَاءُ جُمِع على غير واحدِهِ كما أَنّ الشُّعَراءَ جُمِع على غير واحده : هذا وَهَمٌ منه ، بل واحدُها شيْءٌ ، قال : وليست أَشياءُ عِنده بجمْعٍ مكَسَّر ، وإِنما هي اسمٌ واحدٌ بمنزلةِ الطَّرْفَاءِ والقَصْباءِ والحلْفَاءِ ، ولكنه يجعلُها بدلاً من جَمْعٍ مُكَسَّرٍ بِدلالةِ إضافةِ العدَد القليل إليها ، كقولهم : ثَلاثَةُ أَشْياءَ ، فأَما جَمْعُها على غير واحِدِها فذلك مَذهبُ الأَخفشِ ، لأَنه يرى أَنَّ أَشياءَ وَزْنُهَا أَفْعِلاء ، وأَصلها أَشْيِئَاء فحُذِفت الهمزةُ تخفيفاً ، قال : وكان أَبو عَلِيٍّ يُجِيز قولَ أَبي الحسن على أَن يكون واحِدُها شَيْئاً ، ويكون أَفْعِلاء جَمْعاً لِفَعْلٍ في هذا ، كما جُمِع فَعْلٌ على فُعَلَاءُ في نَحْو سَمْحٍ وسُمَحَاء ، قال : وهو وَهَمٌ من أَبي علِيٍّ ، لأَن شَيْئاً اسمٌ ، وسَمْحاً (٣) صفة بمعنى سَمِيح ، لأَن اسم الفاعل (٤) من سَمُحَ قياسه سَمِيح ، وسَمِيح يُجمَع على سُمَحاءَ ، كَظرِيف وظُرفاء ، ومثله خَصْمٌ وخُصَمَاء ، لأَنه في معنى خَصِيم ، والخَليلُ وسيبويهِ يقولان أَصلها شيئاء ، فقُدِّمت الهمزة التي هي لامُ الكلمةِ إلى أَوَّلها فصارت أَشياءَ ، فوزنها لَفْعَاء ، قال : ويدُلُّ على صِحَّة قولهما أَن العرب قالت في تَصغيرها أُشَيَّاء ، قال : ولو كانت جَمْعاً مُكسَّراً كما ذهبَ إليه الأَخفش لَقِيل في تصغيرها شُيَيْئَات كما يُفْعل ذلك في الجُموع المُكَسَّرة ، كجِمَال وكِعَاب وكِلَاب ، تقول في تصغيرها : جُمَيْلَات وكُعَيْبَات وكُلَيْبَات ، فتَردّها إلى الواحد ثُمَّ تَجمعها بالأَلف والتاء.
قال فخر الدين أَبو الحسن الجابربردي : ويلزم الفرَّاء مخالفةُ الظاهرِ مِن وُجوهٍ : الأَول أَنه لو كان أَصلُ شَيْءٍ شَيِّئاً كَبيِّن ، لكان الأَصل شائعاً كثيراً ، أَلا تَرى أَن بَيِّناً أَكثَرُ مِن بَيْنٍ وَميِّتاً أَكثرُ من مَيْت ، والثاني أَن حذف الهمزة في مِثلها غيرُ جائزٍ إِذ لا قِياس يُؤَدِّي إلى جَواز حذف الهمزة إذا اجتمع هَمزتانِ بينهما أَلف. الثالث تصغيرُها على أُشَيَّاءَ ، فلو كانت أَفْعِلاءَ لكانت جَمْعَ كَثرةٍ ، ولو كانت جَمْعَ كثرةِ لوجبَ رَدُّها إلى المُفرد عند التصغير ، إذ ليس لها جَمْعُ
__________________
(١) كذا بالأصل ، وفي اللسان : فقلبوا الأولى أول الكلمة.
(٢) اللسان : كما قالوا عُقابٌ بفتقاة ، وأينق وقِسِيِّ.
(٣) عن اللسان ، وبالأصل «سمحاء».
(٤) عن اللسان ، وبالأصل «في».
![تاج العروس [ ج ١ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1464_taj-olarus-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
