به ، وكون الأموال والبنين فتنة إنما هو لكونهما زينة الحياة تنجذب إليهما النفس انجذابا فتفتتن وتلهو بهما عما يهمها من أمر آخرته وطاعة ربه ، قال تعالى : « الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا » الكهف : ٤٦.
والجملة كناية عن النهي عن التلهي بهما والتفريط في جنب الله باللي إليهما ويؤكده قوله : « وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ».
قوله تعالى : « فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » إلخ ، أي مبلغ استطاعتكم ـ على ما يفيده السياق فإن السياق سياق الدعوة والندب إلى السمع والطاعة والإنفاق والمجاهدة في الله ـ والجملة تفريع على قوله : « إِنَّما أَمْوالُكُمْ » إلخ ، فالمعنى : اتقوه مبلغ استطاعتكم ولا تدعوا من الاتقاء شيئا تسعه طاقتكم وجهدكم فتجري الآية مجرى قوله : « اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ » آل عمران : ١٠٢ ، وليست الآية ناظرة إلى نفي التكليف بالاتقاء فيما وراء الاستطاعة وفوق الطاقة كما في قوله : « وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » البقرة : ٢٨٦.
وقد بان مما مر :
أولا : أن لا منافاة بين الآيتين أعني قوله : « فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وقوله : « اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ » وأن الاختلاف بينهما كالاختلاف بالكمية والكيفية ، فقوله : « فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » أمر باستيعاب جميع الموارد التي تسعها الاستطاعة بالتقوى ، وقوله : « اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ » أمر بالتلبس في كل من موارد التقوى بحق التقوى دون شبحها وصورتها.
وثانيا : فساد قول بعضهم : إن قوله : « فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » ناسخ لقوله : « اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ » وهو ظاهر.
وقوله : « وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ » توضيح وتأكيد لقوله : « فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » والسمع الاستجابة والقبول وهو في مقام الالتزام القلبي ، والطاعة الانقياد وهو في مقام العمل ، والإنفاق المراد به بذل المال في سبيل الله.
و « خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ » منصوب بمحذوف ـ على ما في الكشاف ـ والتقدير آمنوا خيرا لأنفسكم ، ويحتمل أن يكون « أَنْفِقُوا » مضمنا معنى قدموا أو ما يقرب منه بقرينة المقام ، وفي قوله : « لِأَنْفُسِكُمْ » دون أن يقال : خيرا لكم زيادة تطييب لنفوسهم أي إن الإنفاق خير لكم لا ينتفع به إلا أنفسكم لما فيه من بسط أيديكم وسعة قدرتكم على رفع حوائج مجتمعكم.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٩ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1452_al-mizan-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

