الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها ـ حق كما أن البعث حق والجنة حق والنار حق ، وفي معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها والتعرض لها.
وفي قوله : « ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع وذلك أن الله سبحانه زين الحياة الدنيا والتعلق بزخارفها للإنسان ابتلاء وامتحانا ، قال تعالى : « إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً » الكهف : ٨.
قوله تعالى : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ » هذه نقلة ثانية إلى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى ، والمراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ.
والمراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز الله تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده.
قوله تعالى : « وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ » السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها.
فقوله : « وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ » أي جاءت إلى الله وحضرت عنده لفصل القضاء ، والدليل عليه قوله تعالى : « إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ » القيامة : ٣٠.
والمعنى : وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها ولم يصرح تعالى بكونهما من الملائكة أو بكونهما هما الكاتبين أو من غير الملائكة ، غير أن السابق إلى الذهن من سياق الآيات أنهما من الملائكة ، وسيجيء الروايات في ذلك.
وكذا لا تصريح بكون الشهادة منحصرة في هذا الشاهد المذكور في الآية بل الآيات الواردة في شهداء يوم القيامة تقضي بعدم الانحصار ، وكذا الآيات التالية الذاكرة لاختصام الإنسان وقرينة دالة على أن مع الإنسان يومئذ غير السائق والشهيد.
قوله تعالى : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » وقوع الآية في سياق آيات القيامة واحتفافها بها يقضي بكونها من خطابات يوم القيامة ، والمخاطب بها هو الله سبحانه ، والذي خوطب بها هو الإنسان المذكور
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٨ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1451_al-mizan-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

