ومماتهم أي تكون حياة هؤلاء كحياة أولئك وموتهم كموتهم فيكون الإيمان والتشرع بالدين لغوا لا أثر له في حياة ولا موت ويستوي وجوده وعدمه.
وقوله : « ساءَ ما يَحْكُمُونَ » رد لحسبانهم المذكور وحكمهم بالمماثلة بين مجترحي السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات ومساءة الحكم كناية عن بطلانه.
فالفريقان لا يتساويان في الحياة ولا في الممات.
أما أنهما لا يتساويان في الحياة فلأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في سلوكهم مسلك الحياة على بصيرة من أمرهم وهدى ورحمة من ربهم كما ذكره سبحانه في الآية السابقة والمسيء صفر الكف ، من ذلك وقال تعالى في موضع آخر : « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً » طه : ١٢٤ ، وقال في موضع آخر : « أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها » الأنعام : ١٢٢.
وأما أنهما لا يتساويان في الممات فلأن الموت كما ينطق به البراهين الساطعة ليس انعداما للشيء وبطلانا للنفس الإنسانية كما يحسبه المبطلون بل هو رجوع إلى الله سبحانه وانتقال من نشأة الدنيا إلى نشأة الآخرة التي هي دار البقاء وعالم الخلود يعيش فيها المؤمن الصالح في سعادة ونعمة وغيره في شقاء وعذاب.
وقد أشار سبحانه إليه فيما تقدم من كلامه بقوله : « كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى » وقوله : « ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » وغير ذلك ، وسيتعرض له بقوله : « وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ » إلخ.
والآية من حيث تركيب ألفاظها والمعنى المتحصل منها من معارك الآراء بين المفسرين وقد ذكروا لها محامل كثيرة والذي يعطيه السياق ويساعد عليه هو ما قدمناه ولا كثير فائدة في التعرض لوجوه أخر ذكروها فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات.
قوله تعالى : « وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » الظاهر أن المراد بالسماوات والأرض مجموع العالم المشهود والباء في « بِالْحَقِ » للملابسة فكون خلق العالم بالحق كونه حقا لا باطلا ولعبا وهو أن يكون لهذا العالم الكائن الفاسد غاية ثابتة باقية وراءه.
وقوله : « وَلِتُجْزى » إلخ ، عطف على « بِالْحَقِ » والباء في قوله : « بِما كَسَبَتْ »
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٨ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1451_al-mizan-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

