وصرفتهم عن الآخرة قليلة لو كانوا يعلمون. ثم تختم السورة بأمره صلىاللهعليهوآله أن تسأله ما حكاه عن عباده المؤمنين الفائزين في الآخرة « رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ » وقد افتتحت السورة بأنهم مفلحون وارثون للجنة.
قوله تعالى : « حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ » « حَتَّى » متعلق بما تقدم من وصفهم له تعالى بما هو منزه منه وشركهم به ، والآيات المتخللة اعتراض في الكلام أي لا يزالون يشركون به ويصفونه بما هو منزه منه وهم مغترون بما نمدهم به من مال وبنين حتى إذا جاء أحدهم الموت.
وقوله : « قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ » الظاهر أن الخطاب للملائكة المتصدين لقبض روحه و « رَبِ » استغاثة معترضة بحذف حرف النداء والمعنى قال ـ وهو يستغيث بربه ـ ارجعون.
وقيل : إن الخطاب للرب تعالى والجمع للتعظيم كقول امرأة فرعون له على ما حكاه الله : « قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ ».
وقيل : هو من جمع الفعل ويفيد تعدد الخطاب ، والمعنى رب ارجعني ارجعني ارجعني كما قيل في قوله :
|
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل |
|
بسقط اللوى بين الدخول فحومل |
أي قف قف نبك.
وفي الوجهين أن الجمع للتعظيم إن صح ثبوته في اللغة العربية فهو شاذ لا يحمل عليه كلامه تعالى ، وأشذ منه جمع الفعل بالمعنى الذي ذكر.
قوله تعالى : « لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها » « لعل » للترجي وهو رجاء تعلقوا به بمعاينة العذاب المشرف عليهم كما ربما ذكروا الرجوع بوعد العمل الصالح كقولهم : « فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً » السجدة : ١٢ ، وربما ذكروه بلفظ التمني كقولهم : « يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا » الأنعام : ٢٧.
وقوله : « أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » أي أعمل عملا صالحا فيما تركت من المال بإنفاقه في البر والإحسان وكل ما فيه رضا الله سبحانه.
وقيل : المراد بما تركت الدنيا التي تركها بالموت والعمل الصالح أعم من العبادات المالية وغيرها من صلاة وصوم وحج ونحوها ، وهو حسن غير أن الأول هو الأظهر.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٥ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1448_al-mizan-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

