محذوفة والتقدير إنهم كاذبون في قولهم. « بِهِ جِنَّةٌ » واعتذارهم عن عدم إيمانهم به بذلك بل إنما كرهوا الإيمان به لأنه جاء بالحق وأكثرهم للحق كارهون.
ولازمه رد قولهم بحجة يلوح إليها هذا الإضراب ، وهي أن قولهم : « بِهِ جِنَّةٌ » لو كان حقا كان كلامه مختل النظم غير مستقيم المعنى مدخولا فيه كما هو مدخول في عقله ، غير رام إلى مرمى صحيح ، لكن كلامه ليس كذلك فلا يدعو إلا إلى حق ، ولا يأتي إلا بحق ، وأين ذلك من كلام مجنون لا يدري ما يريد ولا يشعر بما يقول.
وإنما نسب الكراهة إلى أكثرهم لأن فيهم مستضعفين لا يعبأ بهم أرادوا أو كرهوا.
قوله تعالى : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ » لما ذكر أن أكثرهم للحق كارهون وإنما يكرهون الحق لمخالفته هواهم فهم يريدون من الحق أي الدعوة الحقة أن يتبع أهواءهم وهذا مما لا يكون البتة.
إذ لو اتبع الحق أهواءهم فتركوا وما يهوونه من الاعتقاد والعمل فعبدوا الأصنام واتخذوا الأرباب ونفوا الرسالة والمعاد واقترفوا ما أرادوه من الفحشاء والمنكر والفساد جاز أن يتبعهم الحق في غير ذلك من الخليقة والنظام الذي يجري فيها بالحق إذ ليس بين الحق والحق فرق فأعطي كل منهم ما يشتهيه من جريان النظام وفيه فساد السماوات والأرض ومن فيهن واختلال النظام وانتقاض القوانين الكلية الجارية في الكون فمن البين أن الهوى لا يقف على حد ولا يستقر على قرار.
وبتقرير آخر أدق وأوفق لما يعطيه القرآن من حقيقة الدين القيم أن الإنسان حقيقة كونية مرتبطة في وجودها بالكون العام وله في نوعيته غاية هي سعادته وقد خط له طريق إلى سعادته وكماله ينالها بطي الطريق المنصوب إليها نظير غيره من الأنواع الموجودة ، وقد جهزه الكون العام وخلقته الخاصة به من القوى والآلات بما يناسب سعادته والطريق المنصوب إليها وهي الاعتقاد والعمل اللذان ينتهيان به إلى سعادته.
فالطريق التي تنتهي بالإنسان إلى سعادته أعني الاعتقادات والأعمال الخاصة المتوسطة بينه وبين سعادته وهي التي تسمى الدين وسنة الحياة متعينة حسب
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٥ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1448_al-mizan-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

