نفوسهم بأن عملهم لا يضيع وأجرهم لا يتخلف والمراد بنطق الكتاب إعرابه عما أثبت فيه إعرابا لا لبس فيه وذلك لأن أعمالهم مثبتة في كتاب لا ينطق إلا بما هو حق فهو مصون عن الزيادة والنقيصة والتحريف ، والحساب مبني على ما أثبت فيه كما يشير إليه قوله : « يَنْطِقُ » والجزاء مبني على ما يستنتج من الحساب كما يشير إليه قوله : « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » فهم في أمن من الظلم بنسيان أجرهم أو بترك إعطائه أو بنقصه أو تغييره كما أنهم في أمن من أن لا يحفظ أعمالهم أو تنسى بعد الحفظ أو تتغير بوجه من وجوه التغير.
قال الرازي في التفسير الكبير ، فإن قيل : هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد ، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب.
قلنا : يفعل الله ما يشاء ، وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. انتهى.
أقول : والذي أجاب به مبني على مسلكه من نفي الغرض عن فعله تعالى وتجويز الإرادة الجزافية تعالى عن ذلك ، والإشكال مطرد في سائر شئون يوم القيامة التي أخبر الله سبحانه بها كالحشر والجمع وإشهاد الشهود ونشر الكتب والدواوين والصراط والميزان والحساب.
والجواب عن ذلك كله : أنه تعالى مثل لنا ما يجري على الإنسان يوم القيامة في صورة القضاء والحكم الفصل ، ولا غنى للقضاء بما أنه قضاء عن الاستناد إلى الحجج والبينات كالكتب والشهود والأمارات والجمع بين المتخاصمين ولا يتم دون ذلك البتة.
نعم لو أغمضنا النظر عن ذلك كان ظهور أعمال الإنسان له في مراحل رجوعه إلى الله سبحانه بإذنه ، فافهمه.
قوله تعالى : « بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ » المناسب لسياق الآيات أن يكون « هذا » إشارة إلى ما وصفته الآيات السابقة من حال المؤمنين ومسارعتهم في الخيرات ، ويمكن أن يكون إشارة إلى القرآن كما يؤيده
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٥ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1448_al-mizan-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

