عبدت بني إسرائيل ولم تعبدني هذا ، وأنت ترى أن فيه تقديرا لما لا دليل عليه من جهة اللفظ ولا إشارة.
ومنها : أنه إنكار لأصل النعمة عليه لمكان تعبيده بني إسرائيل كأنه يقول : إن تربيتك لي ليست نعمة يمن بها علي لأنك عبدت قومي فأحبطت به عملك فقوله : « أَنْ عَبَّدْتَ » إلخ في مقام التعليل للإنكار هذا ، وهذا الوجه وإن كان أقرب إلى الذهن من سابقه لكن هذا الجواب غير تام معنى فإن تعبيده لبني إسرائيل لا يغير حقيقة ما له من الصنيعة عند موسى في تربيته وليدا.
ومنها : أن المعنى أن هذه النعمة التي تمن بها علي من التربية إنما سببه ظلمك بني إسرائيل بتعبيدهم فاضطرت أمي لذلك أن ألقتني في اليم فأخذتني فربيتني فإذ كانت هذه التربية مسببة عن ظلمك بالتعبيد فليست بنعمة هذا والشأن في استفادة هذا المعنى من لفظ الآية.
ومنها : أن الذي رباني أمي وغيرها من بني إسرائيل حيث استعبدتهم فأمرتهم فربوني فليست هذه التربية نعمة منك تمنها علي لانتهائها إلى التعبيد ظلما هذا ، وهذا الوجه أبعد من سابقه من لفظ الآية.
ومنها : أن ذلك اعتراف منه عليهالسلام بنعمة فرعون عليه والمعنى وتلك التربية نعمة منك تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركت تعبيدي هذا وأنت خبير بأن لا دليل على ما قدره من قوله : وتركت تعبيدي.
قوله تعالى : « قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ـ إلى قوله ـ مِنَ الْمَسْجُونِينَ » لما كلم فرعون موسى عليهالسلام في معنى رسالته قادحا فيها فتلقى الجواب بما كان فيه إفحامه أخذ يكلمه في خصوص مرسلة وقد أخبره أن الذي أرسله هو رب العالمين فراجعه فيه واستوضحه بقوله : « وَما رَبُّ الْعالَمِينَ »؟ إلى تمام سبع آيات.
واتضاح المراد منها يتوقف على تذكر أصول مذاهب الوثنية في أمر الربوبية وقد تقدمت الإشارة إليها في خلال الأبحاث السابقة من هذا الكتاب كرارا.
فهؤلاء يرون أن وجود الأشياء ينتهي إلى موجد واجب الوجود هو واحد لا شريك له في وجوب وجوده هو أجل من أن يحده حد في وجوده وأعظم من أن يحيط
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٥ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1448_al-mizan-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

