( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) القصص ـ ٦.
ففيه أن المجتمع الإسرائيلي المنعقد بعد نجاتهم من فرعون وجنوده لم يصف من الكفر والنفاق والفسق ولم يخلص للذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا حينا على ما ينص عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة ولا وجه لتشبيه استخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات باستخلافهم وفيهم الكافر والمنافق والطالح والصالح.
ولو كان المراد تشبيه أصل استخلافهم بأصل استخلاف الذين من قبلهم وهم بنو إسرائيل كيفما كان لم يحتج إلى إشخاص المجتمع الإسرائيلي للتشبيه به وفي زمن نزول الآية وقبل ذلك أمم أشد قوة وأكثر جمعا منهم كالروم والفرس وكلدة وغيرهم وقد قال تعالى في عاد الأولى وثمود : ( إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) الأعراف ـ ٦٩ وقال : ( إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ ) الأعراف ـ ٧٤ وقد خاطب بذلك الكفار من هذه الأمة فقال : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) الأنعام ـ ١٦٥ وقال : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) فاطر ـ ٣٩.
فإن قلت لم لا يجوز أن يكون التشبيه ببني إسرائيل ثم يؤدى حق هذا المجتمع الصالح بما يعقبه من قوله ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ) إلى آخر الوعد؟
قلت نعم ولكن لا موجب حينئذ لاختصاص استخلاف بني إسرائيل لأن يشبه به وأن يكون المراد بالذين من قبلهم بني إسرائيل فقط كما تقدم.
وقوله ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ) تمكين الشيء إقراره في مكان وهو كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل بحيث يؤثر أثره من غير مانع ولا حاجز فتمكن الدين هو كونه معمولا به في المجتمع من غير كفر به واستهانة بأمره ومأخوذا بأصول معارفه من غير اختلاف وتخاصم وقد حكم الله سبحانه في مواضع من كلامه أن الاختلاف في الدين من بغي المختلفين كقوله : ( وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) البقرة ـ ٢١٣.
والمراد بدينهم الذي ارتضى لهم دين الإسلام وأضاف الدين إليهم تشريفا لهم ولكونه من مقتضى فطرتهم.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٥ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1448_al-mizan-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

