وكذا ما ذكره بعضهم أن المجادلة بالتي هي أحسن ليست من الدعوة في شيء بل الغرض منها شيء آخر مغاير لها وهو الإلزام والإفحام. قال : ولذلك لم يعطف الجدال في الآية على ما تقدمه بل غير السياق وقيل : ( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ). وفيه غفلة عن حقيقة القياس الجدلي فالإفحام وإن كان غاية للقياس الجدلي لكنه ليس غاية دائمية فكثيرا ما يتألف قياس من مقدمات مقبولة أو مسلمة وخاصة في الأمور العملية والعلوم غير اليقينية كالفقه والأصول والأخلاق والفنون الأدبية ولا يراد به الإلزام والإفحام.
على أن في الإلزام والإفحام دعوة كما أن في الموعظة دعوة وإن اختلفت صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة والمغالبة.
قوله تعالى : ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) قال في المفردات ، العقوبة والعقاب والمعاقبة تختص بالعذاب ، انتهى.
والأصل في معناه العقب وهو مؤخر الرجل وعقيب الشيء وعاقبة الأمر ما يليه من ورائه أو آخره ، والتعقيب الإتيان بشيء عقيب شيء ومعاقبتك غيرك أن تأتي بما يسوءه عقيب إتيانه بما يسوءك فينطبق على المجازاة والمكافأة بالعذاب.
فقوله : ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ) الخطاب فيه للمسلمين ـ على ما يفيده السياق ـ ولازمه أن يكون المراد بالمعاقبة مجازاة المشركين والكفار ، وبقوله : ( عُوقِبْتُمْ بِهِ ) عقاب الكفار إياهم ومجازاتهم لهم بما آمنوا بالله ورفضوا آلهتهم.
والمعنى : وإن أردتم مجازاة الكفار وعذابهم فجازوهم على ما فعلوا بكم بمثل ما عذبوكم به مجازاة لكم على إيمانكم وجهادكم في الله.
وقوله : ( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) أي صبرتم على مر ما عوقبتم به ولم تعاقبوا ولم تكافئوا لهو خير لكم بما أنكم صابرون لما فيه من إيثار رضا الله وثوابه فيما أصابكم من المحنة والمصيبة على رضا أنفسكم بالتشفي بالانتقام فيكون العمل خالصا لوجهه الكريم ، ولما في الصفح والعفو من إعمال الفتوة ولها آثارها الجميلة.
قوله تعالى : ( وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ) إلى آخر الآية أمر للنبي صلىاللهعليهوآله بالصبر وبشرى له أن الله قواه على الصبر على مر ما يلقاه في سبيله فإنه تعالى يذكر أن
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1444_al-mizan-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

