الرجيم أو ما يشابهه من اللفظ فهو سبب لإيجاد معنى الاستعاذة في النفس وليس بنفسها إلا بنوع من المجاز ، وقد قال سبحانه : استعذ بالله ، ولم يقل : قل أعوذ بالله.
وبذلك يظهر أن قول بعضهم : إن المراد بالقراءة إرادتها فهي مجاز مرسل من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب لا يخلو عن تساهل.
قوله تعالى : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) في مقام التعليل للأمر الوارد في الآية السابقة أي استعذ بالله حين القراءة ليعيذك منه لأنه ليس له سلطان على من آمن بالله وتوكل عليه.
ويظهر من الآية أولا : أن الاستعاذة بالله توكل عليه فإنه سبحانه بدل الاستعاذة في التعليل من التوكل ونفى سلطانه عن المتوكلين.
وثانيا : أن الإيمان والتوكل ملاك صدق العبودية كقوله تعالى لإبليس : ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) الحجر : ٤٢ ، فنفى سلطانه عن عباده وقد بدل العباد في هذه الآية من الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، والاعتبار يساعد عليه فإن التوكل وهو إلقاء زمام التصرف في أمور نفسه إلى غيره والتسليم لما يؤثره له منها أخص آثار العبودية.
قوله تعالى : ( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) ضمائر الإفراد الثلاثة للشيطان أي ينحصر سلطان الشيطان في الذين يتخذونه وليا لهم يدبر أمورهم كما يريد ، وهم يطيعونه ، وفي الذين يشركون به إذ يتخذونه وليا من دون الله وربا مطاعا غيره فإن الطاعة عبادة كما يشير إليه قوله : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي ) : يس : ٦١.
وبذلك يظهر أولا : أن ذيل الآية يفسر صدرها ، وأن تولي من لم يأذن الله في توليه شرك بالله وعبادة لغيره.
وثانيا : أن لا واسطة بين التوكل على الله ، وتولي الشيطان وعبادته ، فمن لم يتوكل على الله فهو من أولياء الشيطان.
وربما قيل : إن ضمير الإفراد في قوله : ( وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) راجع إليه
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1444_al-mizan-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

