باطلة وإنما هو عن قضاء من الله وسلطان بتسليطه وإنما ملكه إغواء من اتبعه وكان غاويا في نفسه وبسوء اختياره.
فلم يأت إبليس بشيء من نفسه ولم يفسد أمرا على ربه لا في إغوائه أهل الغواية فإنه بقضاء من الله سبحانه أن يستقر لأهل الغواية غيهم بسببه ـ وقد اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله : ( رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي ) ـ ولا في استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من الله نافذ فلا حكم إلا لله.
وهذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الذين هم في أنفسهم غاوون وتخليص المخلصين وهم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك بقضاء من الله ، مبني على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال قوله تعالى : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) يوسف : ٦٧ وقوله : ( وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ ) القصص : ٧٠ وقوله : ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) آل عمران : ٦٠ وقوله : ( وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ) يونس : ٨٢ وغير ذلك من الآيات الدالة على أن كل حكم إيجابي أو سلبي فهو مملوك لله نافذ بقضائه.
ومن هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله : ( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) من المسامحة فإنهم قالوا : إنه إذا قبل من إبليس واتبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغي وظاهره أنه سلطان قهري يحصل لإبليس عن سوء اختيارهم ليس من عند نفسه ولا بجعل من الله سبحانه.
وجه الفساد : أن فيه أخذ الاستقلال والحول الذاتي من إبليس وإعطاؤه ذوات الأشياء ولو كان إبليس لا يملك شيئا من عند نفسه وبغير إذن ربه فالأشياء والأمور أيضا لا تملك لنفسها شيئا ولا حكما حتى الضروريات ولوازم الذوات إلا بإذن من الله وتمليك فافهمه.
والثالثة : أن سلطانه على إغواء من يغويه وإن كان بجعل وتسليط من الله سبحانه إلا أنه ليس بتسليط على الإغواء والإضلال الابتدائي غير الجائز إسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الإغواء بنحو المجازاة المسبوق بغوايتهم من عندهم وفي أنفسهم.
والدليل على ذلك قوله تعالى : ( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) فإبليس إنما يغوي
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1444_al-mizan-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

