النبي صلىاللهعليهوآله وقد اشتمل القرآن على دعوة اليهود والنصارى وغيرهم وقبول إيمان من آمن منهم بالنبي صلىاللهعليهوآله وكذا ما يستفاد من عموم دعوة نوح عليهالسلام. وعلى هذا فالمراد بقوله : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) و ـ الله أعلم ـ أن الله لم يبن إرسال الرسل والدعوة الدينية على أساس معجز خارق للعادة الجارية ولا فوض إلى رسله من الأمر شيئا بل أرسلهم باللسان العادي الذي كانوا يكالمون قومهم ويحاورونهم به ليبينوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلا البيان ، وأما ما وراء ذلك من الهداية والإضلال فإلى الله سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره.
فتعود الآية كالبيان والإيضاح لقوله تعالى قبل : ( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) وإن معنى إخراجك الناس من الظلمات إلى النور أن تبين لهم ما أنزل الله لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله : ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) النحل : ٤٤.
وأما قوله : ( فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) فإشارة إلى ما أومأنا إليه أن أمر الهدى والضلال إلى الله لا يتحقق شيء منهما إلا عن مشية منه تعالى غير أنه سبحانه أخبرنا أن هذه المشية منه ليست جزافية غير منتظمة بل لها نظم ثابت فمن اتبع الحق ولم يعانده هداه الله ، ومن جاحده واتبع هواه أضله الله فهو إضلال مجازاة غير الإضلال الابتدائي المذموم.
وقد قدم سبحانه الإضلال على الهداية إذ قال : ( فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) لأن ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أن الكلام مبني على عزته المطلقة فكان من الواجب أن يبين أن ضلال من يضل عن السبيل كهدى من اهتدى إليها إنما هو بمشية منه تعالى ولم يغلب في إرادته ولم يزاحم في ملكه حتى لا يخيل إلى كل مغفل من الناس أن الله يصف نفسه بالعزة المطلقة وأنه غالب غير مغلوب وقاهر غير مقهور ثم يدعو الناس فلا يستجيبون دعوته ويأمرهم وينهاهم فيعصون ولا يطيعون وهل هذا إلا غلبة منهم وقهر وهو مغلوب مقهور؟
فكأنه تعالى أجاب عن ذلك بأن معنى دعوته تعالى أن يرسل رسولا بلسان
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1444_al-mizan-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

