فذلك كله من درء السيئة بالحسنة ولا دليل من جانب اللفظ يدل على التخصيص ببعض هذه الوجوه البتة.
وقد اختلف التعبير في هذه الصفات المذكورة لأولي الألباب : « الذين يوفون ، ولا ينقضون ، ويصلون ، ويخشون ، ويخافون ، وصبروا ، وأقاموا ، وأنفقوا ، ويدرءون » فأتي في بعضها ـ وهي ستة بلفظ المضارع ، وفي بعضها ـ وهي ثلاثة ـ بلفظ الماضي.
وقد نقل عن بعضهم في وجه ذلك أن التعبير في قوله : « وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ » إلخ بلفظ الماضي وفيما تقدم بلفظ المضارع على سبيل التفنن في الفصاحة لأن هذه الأفعال وقعت صلة للموصول يعني « الَّذِينَ » والموصول وصلته في معنى اسم الشرط مع الجملة الشرطية ، والماضي والمضارع يستويان معنى في الجملة الشرطية نحو إن ضربت ضربت وإن تضرب أضرب فكذا فيما بمعناه.
ولذا قال النحويون : إذا وقع الماضي صلة أو صفة لنكرة عامة احتمل أن يراد به المضي وأن يراد به الاستقبال فمن الأول « الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ » ومن الثاني « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ».
وفيه أن إلغاء خصوصية زمان الفعل من المضي والاستقبال في الشرط وما في معناه لا يستوجب إلغاء لوازم الأزمنة كالتحقق في الماضي والجريان والاستمرار ونحوهما في المضارع فإن في الماضي مثلا عناية بالتحقق وإن كان ملغى الزمان فصحة السؤال عن نكتة اختلاف التعبير في محله بعد.
ويستفاد من كلام بعض آخر في وجهه أن المراد بالأوصاف المتقدمة أعني الوفاء بالعهد والصلة والخشية والخوف الاستصحاب والاستمرار لكن الصبر لما كان مما يتوقف على تحققه التلبس بتلك الأوصاف اعتنى بشأنه فعبر بلفظ الماضي الدال على التحقق وكذا في الصلاة والإنفاق اعتناء بشأنهما.
وفيه أن بعض الصفات السابقة لا يقصر في الأهمية عن الصبر والصلاة والإنفاق كالوفاء بعهد الله الذي أريد به الإيمان بالله بإجابة دعوة الفطرة فلو كان الاعتناء بالشأن هو الوجه كان من الواجب أن يعبر عنه بلفظ الماضي كغيره من الصبر والصلاة والإنفاق.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1440_al-mizan-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

