صفاتهم التي تنشأ وتنمو فيهم من استجابتهم لربهم وعلمهم بحقية ما أنزل إليهم من ربهم لا كل صفة يمدحها الناس فيما بينهم وإن لم ترتبط بعبوديتهم وإيمانهم بربهم كالصبر عند الكريهة تمنعا وعجبا بالنفس أو طلبا لجميل الثناء ونحوه كما قيل :
|
وقولي كلما جشأت وجاشت |
|
مكانك تحمدي أو تستريحي |
والمراد بوجه الرب تعالى هو الجهة المنسوبة إليه تعالى من العمل ونحوه وهي الجهة التي عليها يظهر ويستقر العمل عنده تعالى أعني المثوبة التي له عنده الباقية ببقائه وقد قال تعالى : « وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ » : آل عمران : ١٩٥ ، وقال : « وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ » : النحل : ٩٦ وقال : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » : القصص : ٨٨.
وقوله : « وَأَقامُوا الصَّلاةَ » أي جعلوها قائمة غير ساقطة بالإخلال بأجزائها وشرائطها أو بالاستهانة بأمرها ، وعطف الصلاة وما بعدها على الصبر من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه وتعظيما لأمره. كما قيل.
وقوله : « وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً » المراد به مطلق الإنفاق أعم من الواجب وغيره ، والآية مكية لم ينزل وجوب الزكاة عند نزولها بعد ، وتقييد الإنفاق بقوله : « سِرًّا وَعَلانِيَةً » للدلالة على استيفائهم حقه فإن من الإنفاق ما يحسن فيه الإسرار ومنه ما يحسن فيه الإعلان فعلى من آمن بما أنزله الله بالحق أن يستوفي من كل حقه فيسر بالإنفاق إذا كان في إعلانه مظنة الرياء أو السمعة أو إهانة أو إذهاب ماء الوجه ، ويعلن فيه فيما كان في إعلانه تشويق الناس على البر والمعروف ودفع التهمة ونحو ذلك.
وقوله : « وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ » الدرء الدفع والمعنى إذا صادفوا سيئة جاءوا بحسنة تزيد عليها أو تعادلها فيدفعون بها السيئة ، وهذا أعم من أن يكون ذلك في سيئة صدرت من أنفسهم فدفعوها بحسنة جاءوا بها فإن الحسنات يذهبن السيئات أو دفعوها بتوبة إلى ربهم فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له أو في سيئة أتى بها غيرهم بالنسبة إليهم كمن ظلمهم فدفعوه بالعفو أو بالإحسان إليه أو من جفاهم فقابلوه بحسن الخلق والبشر كما إذا خاطبهم الجاهلون فقالوا. سلاما أو أتى بمنكر فنهوا عنه أو ترك معروف فأمروا به.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١١ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1440_al-mizan-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

