ولا سيما أئمة الكفر منهم ، واللاغي من الاستغفار لا أثر له ، ولو لم يكن استغفارهم لاغيا وارتفع به ما أجرموه بقولهم : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية لم يكن وجه لذمهم وتأنيبهم بقوله تعالى : « وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَ » في سياق هذه الآيات المسوقة لذمهم ولومهم وعد جرائمهم ومظالمهم على النبي صلىاللهعليهوآله والمؤمنين.
على أن قوله تعالى بعد الآيتين : « وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » الآية لا يلائم نفي العذاب في هاتين الآيتين فإن ظاهر الآية أن العذاب المهدد به هو عذاب القتل بأيدي المؤمنين كما يدل عليه قوله بعده : « فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » وحينئذ فلو كان القائلون : « اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَ » الآية مشركي قريش أو بعضهم وكان المراد من العذاب المنفي العذاب السماوي لم يستقم إنكار وقوع العذاب عليهم بالقتل ونحوه فإن الكلام حينئذ يئول إلى معنى التشديد :
ومحصله : أنهم كانوا أحق بالعذاب ولهم جرم آخر وراء ما أجرموه وهو الصد عن المسجد الحرام ، وهذا النوع من الترقي أنسب بإثبات العذاب لهم لا لنفيه عنهم.
وإن كان المراد بالعذاب المنفي هو القتل ونحوه كان عدم الملاءمة بين قوله : « وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ » وقوله : « فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » وبين قوله : « وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ » إلخ ، أوضح وأظهر.
وربما وجه الآية بهذا المعنى بعضهم بأن المراد بقوله : « وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » عذاب أهل مكة قبل الهجرة ، وبقوله : « وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » عذاب الناس كافة بعد هجرته صلىاللهعليهوآله إلى المدينة وإيمان جمع واستغفارهم ولذا قيل : إن صدر الآية نزلت قبل الهجرة ، وذيلها بعد الهجرة!.
وهو ظاهر الفساد فإن النبي صلىاللهعليهوآله لما كان فيهم بمكة قبل الهجرة كان معه جمع ممن يؤمن بالله ويستغفره ، وهو صلىاللهعليهوآله بعد الهجرة كان في الناس فما معنى تخصيص صدر الآية بقوله : « وَأَنْتَ فِيهِمْ » وذيلها بقوله : « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ».
ولو فرض أن معنى الآية أن الله لا يعذب هذه الأمة ما دمت فيهم ببركة وجودك ، ولا يعذبهم بعدك ببركة استغفارهم لله والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال لم يلائم الآيتين التاليتين : « وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ » إلخ مع ما تقدم من الإشكال عليه.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٩ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1438_al-mizan-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

