الطرفين ثم إضافة الهجرة إلى ذلك عند ما أعيد ثانيا ، وقد ذكر تعالى السقاية والعمارة في الجانب الآخر ولم يزد على ذلك شيئا لا أولا ولا ثانيا فما هذه القيود بلاغية في قوله الفصل.
وهذا كله يؤيد ما ورد في سبب نزول الآية أن الآيات نزلت في العباس وشيبة وعلي عليهالسلام حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج ، وشيبة عمارة المسجد الحرام ، وعلى الإيمان والجهاد في سبيل الله فنزلت الآيات وستجيء الرواية في البحث الروائي المتعلق بالآيات.
وكيف كان فالآية وما يتلوها من الآيات تبين أن الزنة والقيمة إنما هو للعمل إذا كان حيا بولوج روح الإيمان فيه وأما الجسد الخالي الذي لا روح فيه ولا حياة له فلا وزن له في ميزان الدين ولا قيمة له في سوق الحقائق فليس للمؤمنين أن يعتبروا مجرد هياكل الأعمال ، ويجعلوها ملاكات للفضل وأسبابا للقرب منه تعالى إلا بعد اعتبار حياتها بالإيمان والخلوص.
ومن هذه الجهة ترتبط الآية : « أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » وما بعدها من الآيات بالآيتين اللتين قبلها : « ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ » إلى آخر الآيتين.
وبذلك كله يظهر أولا أن قوله : « وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » جملة حالية تبين وجه الإنكار لحكمهم بالمساواة في قوله : « أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ » الآية.
وثانيا : أن المراد بالظلم هو ما كانوا عليه من الشرك في حال السقاية والعمارة لا حكمهم بالمساواة بين السقاية والعمارة وبين الجهاد عن إيمان.
وثالثا : أن المراد نفي أن ينفعهم العمل ويهديهم إلى السعادة التي هي عظم الدرجة والفوز والرحمة والرضوان والجنة الخالدة.
قوله تعالى : « الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ » إلى آخر الآية بيان لحق الحكم الذي عند الله في المسألة بعد إنكار المساواة ، وهو أن الذي آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله ما استطاع ببذل ما عنده من مال ونفس ، أعظم درجة عند الله وإنما عبر في صورة الجمع ـ الذين آمنوا إلخ ـ إشارة إلى أن ملاك الفصل هو الوصف دون الشخص.
وما تقدم من دلالة الكلام على أن الأعمال من غير إيمان بالله لا فضل لها ولا درجة
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٩ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1438_al-mizan-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

