المألوفة سترا فإن في الاطلاع على حقيقة مثل هذه الأمور مظنة الهلاك والشقاء كمن تفحص عن يوم وفاته أو سبب هلاكه أو عمر أحبته وأعزته أو زوال ملكه وعزته ، وربما كان ما يطلع عليه هو السبب الذي يخترمه بالفناء أو يهدده بالشقاء.
فنظام الحياة الذي نظمه الله سبحانه ووضعه جاريا في الكون فأبدا أشياء وحجب أشياء لم يظهر ما أظهره إلا لحكمة ، ولم يخف ما أخفاه إلا لحكمة أي إن التسبب إلى خفاء ما ظهر منها والتوسل إلى ظهور ما خفي منها يورث اختلال النظام المبسوط على الكون كالحياة الإنسانية المبنية على نظام بدني مؤلف من قوى وأعضاء وأركان لو نقص واحد منها أو زيد شيء عليها أوجب ذلك فقدان أجزاء هامة من الحياة ثم يعتبر ذلك مجرى القوى والأعضاء الباقية ، وربما أدى ذلك إلى بطلان الحياة بحقيقتها أو معناها.
ثم إن الآية أبهمت ثانيا أمر هذه الأشياء التي نهت عن السؤال عنها ، ولم توضح من أمرها إلا أنها بحيث إن تبد لهم تسؤهم « إلخ » ، ومما لا يرتاب فيه أن قوله : « إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » نعت للأشياء ، وهي جملة شرطية تدل على تحقق وقوع الجزاء على تقدير وقوع الشرط ، ولازمه أن تكون هذه أشياء تسؤهم إن أبدئت لهم فطلب إبدائها وإظهارها بالمسألة طلب للمساءة.
فيستشكل بأن الإنسان العاقل لا يطلب ما يسؤه ، ولو قيل : لا تسألوا عن أشياء فيها ما إن تبد لكم تسؤكم ، أو لا تسألوا عن أشياء لا تأمنون أن تسوءكم إن تبد لكم لم يلزم محذور.
ومن عجيب ما أجيب به عن الإشكال أن من المقرر في قوانين العربية أن شرط « إن » مما لا يقطع بوقوعه ، والجزاء تابع للشرط في الوقوع وعدمه فكان التعبير بقوله « إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » دون « إذا أبديت لكم تسؤكم » دالا على أن احتمال إبدائها وكونها تسوء كاف في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها ، انتهى موضع الحاجة.
وقد أخطأ في ذلك ، وليت شعري أي قانون من قوانين العربية يقرر أن يكون الشرط غير مقطوع الوقوع؟ ثم الجزاء بما هو جزاء متعلق الوجود بالشرط غير مقطوع الوقوع؟ وهل يفيد قولنا : إن جئتني أكرمتك إلا القطع بوقوع الإكرام على تقدير وقوع المجيء؟ فقوله : إن التعبير بالشرط يدل على أن احتمال إبدائها وكونه يسوء كاف
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1435_al-mizan-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

