وضمَّنْتُ كتابي هذا ما سَنحَ من أُصُولِ عِبارَةِ (١) الأَحْلام ، المأْخُوذَةِ من الأَمثالِ المَضْروبَةِ في الكَلام ، من كلامِ اللهِ تعالى وكلامِ أنْبِيائِه عليهمُ السَّلام ، وما يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ العَوَام.
وأَودعْتُه ما لا بُدّ من تَفْسيرِه من عِلْم النجوم ، الذي هوَ أكبرُ دليلٍ على الحَيّ القَيُّوم. وهو العِلْمُ الإِلهي الذي أُنْزِلَ على النبيّ إِدْريس ، المحْروسِ من الغَلَطِ والتّلْبِيس. وهو معجزتُه ـ عليهِ السّلام ـ التي كانَ يأخُذُ بها قَوْمَه ، فيخبرُهم بالسّارق ، وخَفِيّ السِّرِّ والعَبْدِ الآبِق ، ويحكُم بهِ بينَ الخُصوم ، ويميّزُ ذا الرَّهَق (٢) منَ المَعْصوم. ومن عجائِبِه صَلى الله عَليه وسلم ومُعْجزاتِه : أنّ رجُلَيْن دخلا عليهِ ، فسألاه عن المَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ ومِيكائيل ، أينَ هُما؟ وأينَ مكانُهما في ذلكَ الحِين؟ فنظرَ في المسألَةِ ثم قال : « هُما في الأرض » ، فقالا : « في أيِّ الأرضِ؟ ». فقَسَم الأَرْضَ أَرْباعاً ، ثم قال : « هما في الرُّبْعِ الذي نحنُ فيه » ، ثم قَسَمَ الرُّبْعَ أَرْباعاً ، وكلَّ رُبْعٍ يجدُهما فيه أَرْباعاً ، حتّى انْتَهى إِلى دارِه فوجَدَهما فيها. ثم قَسَم دارَه أرْباعا حتى انتَهى ، فقال : « أنتُما المَسْؤولُ عنهما » ، فقالا : « أَصَبْت يا نبيَّ الله » ، ثم نَظَر إِليهما فلم يَرَهُما.
إِلا أَنَّ هذا العلمَ دَقَّ علَى أكثرِ النَّاس. فَخَلَطُوا جَلِيَّه بالالباس (٣). فكانت معجزتُه ـ عليهِ السَّلامُ ـ من جِنْسٍ ما كان يتنافَسُ فيه قومُه.
وكذلكَ مُعْجِزَةُ موسى التي فَلَج بها السَّحَرَةَ المقوِّمين للعِصِيِّ والحِبال ، هي عَصاهُ التي تلقف ما أَتَوْا به من السِّحرِ والمُحال ؛ لأنّهم كانوا يتنافَسُونَ في السِّحر ، ويَعُدُّون معرفَتَه من أَعْظَم الفَخْر.
__________________
(١) في اللسان والتاج ( عبر ) : « عَبَرَ الرؤيا يَعْبرُها عَبْرا وعِبارة بالكسر وعبَّرها تعبيراً : فسرها وأخبر بما يؤول إِليه أمرها ».
(٢) الرهق : الكذب والجهل.
(٣) في ( ت ) و ( ل ٢ ) و ( ل ٣ ) و ( صن ) : « بالتباس » ، وأثبتنا ما في الأصل ( س ).
![شمس العلوم [ ج ١ ] شمس العلوم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1366_shams-alolom-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
