عائشة أحب إلي من أن تفتقري ، أتراني أعطي الأحمر والأبيض حقه وأظلمك حقك ، وأنت بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما كان مالا من أموال المسلمين (١) يحمل النبي به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليته كما كان يليه ، قالت : والله لا كلمتك أبدا ، قال : والله لا هجرتك أبدا ، قالت : والله لأدعون الله عليك ، قال : والله لأدعون الله لك ، فلما حضرتها الوفاة أوصت ألا يصلى عليها ، فدفنت ليلا ، وصلى عليها عباس بن عبد المطلب ، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة (٢).
حدثني محمد بن زكريا. قال : حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة ، بالأسناد الأول ، قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر ، وقال : أيها الناس ما هذه الرعة الى كل قالة ، أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ألا من سمع فليقل ، ومن شهد فليتكلم ، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مرب لكل فتنة ، هو الذي يقول : كروها جذعة بعدما هرمت ، يستعينون بالضعفه ، ويستنصرون بالنساء ، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي ، ألا اني لو أشاء أن أقول لقلت : ولو قلت لبحت ، إني ساكت ما تركت. ثم التفت الى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنتم ، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ، ألا إني لست باسطا يدا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك منا.
ثم نزل ، فانصرفت فاطمة عليها السلام إلى منزلها (٣).
__________________
(١) اتفقت كلمة المحدثين على ان ـ فدك ـ كانت خالصة لرسول الله (ص) فقط ، وانه منحها في السنة السابعة من الهجرة الى الصديقة الطاهرة ، فتصبح فدك خارجة من الأرث ، فضلا عن أن الزهراء (ع) تصرفت بها الى حين وفاة النبي (ص).
وهذه الجملة من أبي بكر ان دلت على شيء فانما تدل على كذبه الصريح ، وانه كسائر كلماته لم تكن منبعثة عن صدق وايمان.
(٢) ابن أبي الحديد ١٦ : ٢١٤ تفسير الرازي ٨ : ١٢٥. فدك : ٤٦.
(٣) ابن أبي الحديد ١٦ : ٢١٤.
