كان رسول الله صلى الله عليه وآله ، يقول : المرء يحفظ في ولده ، سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ، الآن مات رسول الله صلى الله عليه وآله أمتم دينه ، ها إن موته لعمري خطب جليل استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، أضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، واذيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وانبأكم بها قبل وفاته ، فقال : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقبلتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزي الله الشاكرين (١).
أيها بني قيلة ، اهتضم تراثي أبي ، وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ، وفيكم العدة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة الله التي انتخب ، وخيرته التي اختار ، باديتم العرب وبادتهم الأمور ، وكافحتهم البهم حتى دارت بكم رحى الاسلام ، ودر حلبه ، وخبت نيران لحرب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخرتم بعد الأقدام ، ونكصتم بعد الشدة ، وجبنتم بعد الشجاعة ، عن قوم نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ، فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون (٢).
ألا وقد أرى ان قد أخلدتم الى الخفض ، وركنتم الى الدعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، وسغتم الذي سوغتم ، وان تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (٣) ألا وقد قلت لكم ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم ، وهور القناة ، وضعف اليقين ، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ، ناقبة الخف ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٤٤.
(٢) سورة التوبة : ١٢.
(٣) سورة ابراهيم : ٨.
