وذهب الأكثر إلى أنها باقية (١) ، ومرادهم بالجواز : هو التخيير بين الفعل والترك ، وهو الّذي صرح الغزالي بعدم بقائه ، وحينئذ فيكون الخلاف بينهما معنويا ، خلاف ما ادعاه بعضهم (٢) ؛ ويكون الجواز الّذي كان في الواجب جنسا ، وفصلة المنع من الترك ، قد صار فصله بعد النسخ هو التخيير بين الفعل والترك ، فإن الناسخ أثبت رفع الحرج (٣) عن الترك ، فالماهية الحاصلة بعد النسخ مركبة من قيدين :
أحدهما : زوال الحرج عن الفعل ، وهو مستفاد من الأمر.
والثاني : زواله عن الترك ، وهو مستفاد من الناسخ. وهذه الماهية هي المندوب أو المباح.
وقد تلخص من ذلك أنه إذا نسخ الوجوب بقي الندب أو الإباحة من الأمر مع ناسخه ، لا من الأمر فقط.
وموضع الإشكال ، ما إذا قال الشارع : نسخت الوجوب ، أو نسخت تحريم الترك ، أو رفعت ذلك.
فأما إذا نسخ الوجوب بالتحريم ، أو قال : رفعت جميع ما دل عليه الأمر السابق ، من جواز الفعل وامتناع الترك ، فيثبت التحريم قطعا.
ونحو هذا الخلاف ، ما يعبر عنه الفقهاء كثيرا بقولهم : إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم؟.
إذا علمت ذلك ففروع مسألة النسخ حقيقة قليلة. ومما فرعه عليه بعض الأصحاب :
__________________
(١) كما في مسلم الثبوت ( فواتح الرحموت ) ١ : ١٠٣ ، والمحصول ١ : ٢٩٦. وتهذيب الوصول : ٢٨.
(٢) نقله عن ابن التلمساني في التمهيد : ١٠٠.
(٣) في « م » : الحجر.
