عن الزلل والخطأ ، قد أحاطوا بمحكم القرآن ومتشابهه ، ومجمله ، ومفصله وناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه ، ومطلقة ومقيده ، بل بدلالاته وتنبيهاته ، ورموزه وإشاراته التي لا يهتدى إليها الا من شملته العناية الإلهية ، وعمته الفيوض الربانية.
كما وأحاطوا بسنة نبيهم ، وشوارد أقواله ، ووجوه أفعاله. وألوان تقريره وإقراره.
فالتحق ـ صلىاللهعليهوآله ـ بالرفيق الأعلى والحال هذه ، أى أن العلم بحقائق الكتاب ومتون سنته مخزون عند جماعة خاصة ، قد عرفهم بصفاتهم وخصوصياتهم تارة ، وأسمائهم وأعدادهم تارة أخرى كما سيوافيك.
ولو أن الأمة الإسلامية رجعوا في مجال العقائد والمعارف ، وموارد الأحكام والوظائف الى هذه الثلاثة ، لأوقفوهم على كل غرة لائحة ، وحجة واضحة ، وقول مبين ، وبرهان متين ، واستغنوا بذلك عن كل قول ليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ، ولمسوا اكتمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة بأوضح شكل.
فحديث اكتمال الدين وكمال الشريعة في جميع مجالاتها أمر لا غبار عليه ، ولكن الخلاف والنقاش حدث في أسس الإسلام وفروعه لأجل الاستقلال في فهم الذكر الحكيم ، وجمع سنة الرسول من دون أن يرجعوا الى من عنده رموز الكتاب وإشاراته ، ودلائله وتنبيهاته ، فهم وراث الكتاب (١) وترجمان السنة ، فافترقوا ـ لأجل هذا الإعراض ـ إلى فرق كثيرة ومناهج متكثرة.
أن الاستقلال في فهم المعارف والأصول واستنباط الفروع ، ألجأ القوم الى القول بالقياس والاستحسان ، وتشييد قواعد ومقاييس ظنية كسد الذرائع والمصالح المرسلة ، وغيرها من الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وذلك لأنهم واجهوا من جانب اكتمال الدين من حيث الفروع والأصول ، بحيث لا يمكن إنكاره حسب
__________________
(١) إشارة إلى قوله سبحانه (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) الفاطر ـ ٣٢.
