ولا نريد أن نعيد هذا المعجم المشحون بنماذجه التطبيقية ، إذ أفردناه فيما مضى بعمل بلاغي مستقل تابعنا فيه من سبق ، فمن شاء فليرجع اليه ففيه الغنية والمزيد ، من هذه الأبعاد الشاقة (١).
والذي نريد أن نشير اليه هنا ، أن القرآن الكريم في نصه الإعجازي لم يكن ناظرا الى تلك التفصيلات لدى إيراده علاقة المجاز العقلي ، وإنما كان متنقلا بالذهن العربي الى آفاق جديدة من التعبير الموحي والبيان الطلق ، ومتحدثا الى الطبيعة الإنسانية بما يلائم فطرتها النقية ، دون تزيد في المراد ، أو عنت في الإداء ، وكان انتشار العلاقة تابعا لمذاق الباحث في الاستنتاج ، ولا تعنيه الأسماء والتقسيمات لأنها مع صنع البلاغيين ، لهذا نجده في هذا الملحظ ، وإن استخرج علماء البلاغة كل أصناف العلاقات من آياته الكريمة ، يدور في فلك النفس فيملأ فراغها ، ويسد نقصها ، بما يجعلها أهلة لتلقي النص بذائقة سليمة ، لهذا نجده يشيع الحس بالكائنات الصامتة ، ويضفي القدرة على ما لا حول له ولا قوة ، ويسند الفاعلية الى الجمادات ، وإذا بها متحركة بعد سكون ، ويستنطق المعالم المبهمة وإذا بها مبينة بعد سكوت ، وما ذلك إلا من مظاهر الاعتداد بظاهرة المجاز البيانية ، بعيدا عن التساؤلات المقحمة ، أو الهذر في التفصيلات الأعجمية ، وهو بهذا الملحظ يفجر روافد بلاغية جديدة ، ذات إطار تجدّدي سليم ، على مجموعة الممارسات البيانية الحسية والعقلية في اللغة العربية الكريمة ، والتي يمكن أن ننظر لها بمجموعة فياضة من شتى العلاقات في المجاز العقلي للقرآن الكريم ، دون اللجوء الى ظاهرة التعقيد أو التقعيد :
١ ـ في قوله تعالى : ( إنّما المؤمنون الّذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (٢) ) (٢) ، نسبت زيادة الإيمان الى آيات الله تعالى في قرآنه الكريم ، ولما كان الأصل في الإيمان وزيادته هو التوفيق الإلهي الصادر عن الله عزّ وجلّ ، علم بالضرورة أن نسبة زيادة الإيمان الى الآيات بإضافتها إليها ، إعلاء منه تعالى لشأن هذه الآيات
__________________
(١) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : ٤٨ ـ ٥٦.
(٢) الأنفال : ٢.
