وبعد ، فإن إثبات الجارحتين لا تعلق له بالإنفاق على وجه ، فيجب حمل الكلام على ما يفيد هذا الوجه ويفيد نقض قول اليهود فيما قالوه ، ومعلوم من حالهم أنهم لم يريدوا أن يد الله مغلولة فى الحقيقة ، وإنما نسبوه إلى البخل ، وأنه يقتر أرزاق العباد ، فيجب فيما أورده تعالى على جهة التكذيب لهم أن يكون محمولا على نقيض قولهم ، وذلك يقتضى ما قلناه.
والعرب قد تصف اليد بما ينبئ عن البخل مرة والجود مرة أخرى ، فتقول : فلان جعد اليد ، وكزّ اليد ، وواسع اليد ، إلى غير ذلك ، والقرآن نزل بلغتهم « فيجب حمل الكلام (١) على ما تقتضيه.
١٩٨ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أن القرآن يزيد كثيرا من المكلفين كفرا ، فقال : ( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ) (٢)
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن الكتاب هو الذى يزيدهم كفرا ، وهذا مما لا يقول به أحد ، فلا بد من حذف فى الكلام والدخول تحت التأويل ، والإقرار بأن حالهم فى الظاهر كحالنا (٣) فيه ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟.
والمراد بذلك : أنهم يزدادون عند إنزاله تعالى ذلك (٤) طغيانا وكفرا ، من حيث يكفرون به ولا يؤمنون ، وهذا كقوله : ( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ) (٥)؟ وكقوله تعالى : ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) (٦) وقد ثبت فى اللغة صحة إضافة
__________________
(١) ساقط من ف.
(٢) من تتمة ـ الآية ٦٤ السابقة.
(٣) ف : كحاله.
(٤) ساقطة من د.
(٥) من ـ الآية : ١٢٤ فى سورة التوبة.
(٦) من الآية : ٣٦ فى سورة إبراهيم.
![متشابه القرآن [ ج ١ ] متشابه القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1140_motashabeh-alqoran%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)