المقام الخامس : في أنّ النهي عن الشيء يستلزم معنى الأمر بأحد أضداده.
والحجّة على ذلك أنّ المطلوب من النهي إن كان فعل ضدّ المنهيّ عنه حتّى يكون معنى « لا تتحرّك » اسكن ـ كما ذهب إليه جماعة (١) على ما تقدّم (٢) ـ فيكون النهي عن الشيء عين الأمر بضدّه ، فضلا عن أن يكون مستلزما له ؛ وإن كان المراد منه الكفّ ، وتوطين النفس عليه ، أو نفي الفعل ـ على ما اخترناه ـ فلا ريب في أنّ تحقّقه في الخارج يتوقّف على فعل أحد أضداده ، فيكون واجبا من باب المقدّمة.
وأيضا فعل المنهيّ عنه حرام ، وهو يتوقّف على ترك جميع أضداده ، فيكون حراما ؛ لأنّ مقدّمة الحرام حرام.
وأيضا ترك جميع أضداده ملزوم لفعله ، فيكون حراما ؛ لأنّ مستلزم الحرام حرام.
وممّا يؤيّد ذلك أنّ ترك كلّ شيء حراما كان أو واجبا يحصل بترك أيّ مقدّمة من مقدّمات وجود هذا الشيء ـ أي تركها علّة لترك هذا الشيء ، وإن كان فعلها شرطا لوجوده ـ لأنّ عدم كلّ جزء من أجزاء العلّة التامّة علّة تامّة لعدم المعلول ، وعلى ما تقدّم في المقام السابق ترك ضدّ المنهيّ عنه شرط لفعله ، ففعل ضدّه علّة وسبب لتركه ، ووجوب المعلول يستلزم (٣) وجوب علّته.
ثمّ الأدلّة المذكورة هنا لمّا كانت كالأدلّة المتقدّمة في المقام السابق تقريرا ، فهي مثلها اعتراضا وجوابا ، وكما اورد عليها هناك لزوم حرمة الواجب والمباح ، يورد عليها هنا لزوم وجوب المحرّم ، وقول الكعبي ، وهو وجوب كلّ مباح (٤) ؛ لأنّه يلزم حينئذ وجوب اللواط من حيث إنّه ترك للزنا ، وبالعكس ، ووجوب الأكل والشرب ، أو غيرهما من المباحات من حيث إنّ ترك الحرام لا بدّ وأن يتحقّق في ضمن فعل من الأفعال ؛ ولا ريب في وجوب ذلك
__________________
(١) منهم : الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٩٤ ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ١٤٢.
(٢) تقدّم في ص ٦٥١.
(٣) الاستلزام من ناحية المعلول للعلّة وجودا ووجوبا في مقام الإثبات دون الثبوت.
(٤) تقدّم في ص ٦٥٩.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
