ومنها : وجوده في أحد الكتب الأربعة ؛ لشهادة مؤلّفيها بصحّة أحاديثها. ولا يكاد يوجد خبر لم يوجد فيه إحدى تلك القرائن ، فلا حاجة إلى علم الرجال وملاحظة السند.
اعلم أنّا قد أشرنا فيما سبق (١) إلى أنّ الأخباريّين لمّا منعوا عن العمل بالظنّ في الأحكام الشرعيّة اضطرّوا إلى القول بأنّ الأخبار المرويّة عن الأئمّة عليهمالسلام تفيد القطع ، واحتجّوا عليه بهذه القرائن.
وليت شعري أنّها كيف تدلّ على القطع بالصدور وليس في واحدة منها دلالة عليه بوجه؟!
أمّا الاولى ؛ فلأنّ وجود أمارات تفيد لنا القطع بأنّ الراوي يتحرّز عن رواية غير المقطوع به عنده في حيّز المنع ، ولا بدّ للمدّعي من إثباته. غاية الأمر وجود أمارات تفيد لنا الظنّ بأنّ الراوي لا يروي إلاّ ما يحصل الظنّ القويّ بصدقه. ولو سلّم نقول : ربما قطع بقرائن لم تفد القطع لنا ، على أنّه لا يكاد يوجد خبر يكون جميع رجال سنده ممّن يحصل العلم بعدم افترائهم وكذبهم وسهوهم وغلطهم.
نعم ، إن كان المراد بالراوي صاحب الأصل ، لم يقع احتياج إلى العلم بحال باقي السند ، فيندفع الأخير ، إلاّ أنّه يتوجّه عليه ما تقدّم ، مع احتمال وقوع الخطأ على الناقل عن الأصل.
وأمّا الثانية ؛ فلأنّ تعاضد البعض بالبعض لا يوجب حصول القطع بالصدور ؛ لاحتمال اعتماد كلّ من رواة الأحاديث المتعاضدة على الظنّ إلاّ أن يبلغ عددهم في جميع الطبقات حدّ التواتر ، وهو غير محلّ النزاع.
وأمّا الثالثة ؛ فلأنّ نقل الثقة وتأليفه لهداية الناس لا يقتضي القطع بالرواية ؛ فإنّ مؤلّفي كتب الفقه ثقات متورّعون مع أنّهم يعملون بالظنّ.
والتمكّن من استعلام (٢) حال الأصل أو الرواية ـ لو سلّم ـ لا يدلّ على أنّ نقله حينئذ بدون الاستعلام يفيد القطع ؛ لأنّ الخبر إذا كان حجّة وجاز العمل به ، يجوز نقله بدون الاستعلام وإن لم يفد إلاّ الظنّ ، ولو لم يجز حينئذ ، لم يجز إذا أفاد القطع أيضا.
وقوله : « مع تمكّنه أخذ الأحكام عنهم بطريق القطع » ممنوع ؛ فإنّ أكثر مصنّفي كتب
__________________
(١) في ص ٩٠٩.
(٢) في « ب » : « الاستعلام ».
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
