استحقاقه الذمّ حينئذ (١) ، لا يخفى (٢) ضعفه. وقد عرفت فساده ، ونزيدك هنا بيانا ونقول :
إنّ كثيرا من القواعد الاصوليّة مستنبطة من الكتاب والسنّة ، كالاستصحاب المستنبط من قاعدة عدم نقض اليقين بالشكّ ، وأصل البراءة ، وعدم جواز التكليف فوق الوسع ، وغير ذلك. وكثير منها يثبت مدلولها ببراهين قاطعة تلقّتها العقول بالقبول ولا يمكن إنكارها ، كالقياس بالطريق الأولى وأمثاله. وما ليس بهذه المثابة إمّا تعلّق بتحقيق معاني الألفاظ ، مثل ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدمه ، وكون الأمر للوجوب أو غيره ، وللمرّة أو التكرار ، وللفور أو التراخي ، وغير ذلك.
أو لا يتعلّق به ، مثل الأمر بالشيء هل يقتضي وجوب مقدّمة المأمور به ، والنهي عن ضدّه أو لا ، وغير ذلك.
فما كان من القسم الأوّل لم يكن محتاجا إليه عند الرواة والقدماء ؛ لأنّ معاني الألفاظ وحقائقها كانت معلومة عندهم ؛ لعدم تغيّر العرف في زمانهم.
وما كان من القسم الثاني فبعضه أيضا كان لهم غنى عن تحقيقه ؛ لظهوره لهم بالقرائن والأمارات والتواتر وأمثال ذلك ، كحجّيّة خبر الواحد وما يتعلّق به.
وبعضه ممّا صدر حكمه من الأئمّة وعلموه من كلامهم ، كما يظهر من الأخبار ، كحكم ما لا نصّ فيه ، وتعارض الأدلّة ، والاستصحاب ، والناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والعامّ والخاصّ ، والإفتاء والتقليد ، والقياس والاستحسان ، والشبهة في نفس الحكم الشرعي أو موضوعه ، وجواز الرواية بالمعنى ، وأصالة الحقيقة وغير ذلك ؛ فإنّ جميع ذلك قد كان في عصرهم وكان الرواة والأصحاب عاملين بحكمه إلاّ أنّهم لقطعهم به لم يكونوا محتاجين إلى زيادة بحث وتنازع. وبعضه لم يخطر ببالهم حتّى يسألوا عنه.
وأمّا في أمثال زماننا فالاحتياج إلى القسمين ظاهر ؛ لتغيّر (٣) العرف ، وفقد القرائن والأمارات ، وعدم إمكان الاستنباط بدون التمسّك بهما ؛ فإنّا ما لم نتحقّق (٤) أنّ تعلّق الأمر
__________________
(١) ذكره الفاضل التوني بعنوان « إن قلت » في الوافية : ٢٥٣.
(٢) خبر لقوله : « والقول بأنّه لا حاجة إليه ».
(٣) في « ب » : « لتغيير ».
(٤) في « ب » : « لم نحقّق ».
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
