فإن قيل : إنّ أصحاب الأئمّة عليهمالسلام كانوا يعرفون هذه المسائل بسليقتهم والأئمّة عليهمالسلام يعرفون حالهم ، ولذا انسدّ بينهما باب الإفادة والاستفادة فيها.
قلنا : إنّ علم الاصول قد ظهر في أواخر عصر الباقر عليهالسلام ، ثمّ طال التشاجر والتنازع في مسائله بين أهله إلى زماننا هذا ، فما الذي غيّر سليقة غير أصحابنا ولم يغيّر سليقتهم إلى زمان الغيبة الكبرى ، ثمّ غيّر سليقتهم؟ فلو توقّف الأحكام على هذه المسائل ، لوقع الكلام فيها بين أصحاب الأئمّة وبيّنوا به لهم ما هو الحقّ فيها.
فإن قيل : أكثر فروع تلك المسائل ليست بديهيّة وليس لها مدارك من الكتاب والسنّة ، فلا بدّ من العمل بها ، وردّ الفروع إليها واستنباطها منها ؛ لئلاّ يلزم سدّ باب الأحكام.
قلنا : لا يوجد فروع لم يمكن استنباطها إلاّ من هذه الاصول المخترعة ولم يكن لها شواهد من الكتاب والسنّة ، ولذا هاهنا قوم لا يعملون بها وليسوا متحيّرين فيما فرّعوا عليها من الفروع.
هذا غاية كلامهم في المقام ، لم آل في تحريره وتوضيحه جهدا ، ولم ادّخر فيه نصحا ، وخرجنا فيه عن طور الكلام ؛ ليطّلع الناظرون على جميع احتجاجاتهم وكلماتهم ، ثمّ يعلموا ممّا تقدّم (١) وممّا يأتي (٢) ما فيها من الوهن والضعف.
فنقول : إنّك وإن أمكنك أن تعلم فساد هذه الشبهات واندفاعها ممّا سبق منّا (٣) ، إلاّ أنّا نقول هنا لزيادة الإيضاح :
إنّ ما تمسّكوا به من الطريقة المستمرّة في خطابات النبيّ والأئمّة عليهمالسلام لأصحابهم ، وفي المحاورات العرفيّة ـ إن سلّم ـ فإنّما ذلك لأجل أنّ خطاباتهم شفاهيّة حضوريّة يظهر المراد منها بأدنى توجّه لكلّ عارف بها ، ولو وقع فيه خفاء ، يمكن أن يسأل عنه.
ولا يمكن أن يقع فيها قطع أو إضمار أو إرسال أو تقطيع أو تصحيف أو تشكيك بأنّها هل هي حجّة أم لا؟ وعلى فرض الحجّيّة هل هي صحيحة أو ضعيفة؟
__________________
(١) راجع ص ٩١٠ ـ ٩١٥.
(٢) في ص ٩١٧ ـ ٩٢٠.
(٣) في ص ٩٠٣ ـ ٩١٠.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
