وقيل : « هو صرف العالم بالمدارك وأحكامها نظره في ترجيح الأحكام الشرعيّة الفرعيّة » (١).
والمراد من « المدارك » ظاهر ، ومن « أحكامها » أحوال التعادل والترجيح ، ويدخل في عموم الأحكام القطعيّات النظريّة ولا يدخل فيه الضروريّة ؛ لعدم صرف نظر فيها فتخرج به. ويخرج بـ « الفرعيّة » الشرعيّة الأصليّة.
وقيل : « ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل ، فعلا أو قوّة قريبة » (٢) ، وهو لا ينتقض طردا باستحصال القطعيّات البديهيّة ؛ إذ لا يصدق (٣) عليه الاستنباط عرفا. ولو سلّم فليس استنباطا من الأصل.
وهذا التعريف أصحّ التعريفات وإن سلم سابقه وما في معناه عن النقوض الظاهرة ؛ لأنّ حقيقة الاجتهاد وذاته صفة ثابتة لنفس المجتهد ، ودرك الأحكام وتحصيلها باستفراغ الوسع اجتهاد فعلي يترتّب عليها ، لازم لها ، وهي مبدؤه ومصدره.
فتعريفه بـ « الملكة » تعريف لماهيّة الاجتهاد وذاته ، وتعريفه بغيرها تعريف لما هو لازم لها ومتفرّع عليها ، أعني الاجتهاد الفعلي. والأوّل أولى.
فصل [١]
اعلم أنّ ما وصل إلينا من أدلّة الأحكام من صاحب الشرع منحصر ببعض الآيات وطرف من الأخبار ، وكثير من الأحكام المحتاج إليها (٤) غير مستنبطة منهما ، ويمكن استنباطها من إجماع منقول ، أو استنباطي ، أو بالردّ إلى قواعد عقليّة من استصحاب ، أو أصل براءة ، أو تلازم ، أو بعض أقسام القياس وإن أمكن أن يقال بأدنى عناية : إنّ استنباطها منها يرجع حقيقة إلى الاستنباط من الأخبار.
__________________
(١) قاله الفاضل التوني في الوافية : ٢٤٣.
(٢) قاله البهائي في زبدة الاصول : ١٥٩.
(٣) في « ب » : « لا يقصد ».
(٤) أي المبتلى بها.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
