قلنا : إذا فعل بعض أفراد المأمور به لم يلزم التوارد ؛ لتعلّق الأمر بما فعل والنهي بما نسخ.
فإن قيل : نردّد (١) في الفرد الذي لم يفعل وقد نسخ.
قلنا : نختار عدم وجوبه ونقول : لا نسخ فيه ، إنّما النسخ في التكليف الذي تعلّق بماهيّة الفعل ووجد منها بعض الأفراد.
فإن قيل : فكذلك إذا لم يوجد.
قلت : إذا وجد فرد يحصل للأمر متعلّق حسن ، فيحسن لأجله ، وإذا لم يوجد لم يوجد له متعلّق حسن ، فلا معنى لحسنه كما ذكرناه (٢). هذا.
ويدلّ على ما اخترناه أنّه لو جاز خلافه لزم البداء ، وهو ظهور حال الشيء بعد خفائه على الله ؛ إذ شروطه
التي هي اتّحاد الفعل ووقته ووجهه والمكلّف ، حاصلة.
والإيراد عليه : بأنّ من شروطه اتّحاد المصلحة وهو منتف فيما نحن فيه (٣) ، مندفع بعدم تصوّر اختلاف المصلحة بعد اتّحاد الامور المذكورة.
احتجّ المخالف بوجوه (٤) :
منها : أنّه يجوز ثبوت التكليف قبل وقت الفعل ؛ لصحّة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه ، فوجب جواز رفعه بالنسخ ، كما يرتفع بالموت ؛ لأنّهما سواء في انقطاع التكليف بهما.
والجواب : منع صحّة التكليف مع علم الآمر بانتفاء شرطه ، كما تقدّم (٥) ، فلا يثبت التكليف على من يعلم الله أنّه يموت قبل التمكّن.
ومنها : أنّ كلّ نسخ قبل وقت الفعل ؛ لأنّ الفعل بعد وقته وفي وقته يمتنع نسخه (٦) ؛ لأنّه إن
__________________
(١) أي نردّد السؤال في الفرد.
(٢) تقدّم آنفا.
(٣) راجع إرشاد الفحول ٢ : ٥٢.
(٤) راجع : الإحكام في أصول الأحكام ٣ : ١٢٧ وما بعدها ، وتهذيب الوصول : ١٨٨.
(٥) تقدّم في ص ٨٧٢ ـ ٨٧٣.
(٦) المراد من نسخ الفعل نسخ حكمه.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
