مقدمة
للدكتور ابراهيم مدكور
يدعو المحسوس إلى اللامحسوس ، والظاهر إلى الخفى ، والواقعى إلى المثالى. ولم يقنع المرء يوما بالوقوف عند أقرب هذين الطرفين منالا ، بل أبى إلا أن يعانق الطرف الآخر ، أو يتوهم أنه يفعل. فتفلسف منذ القدم ، واستمر فى فلسفته إلى اليوم ، وسيتفلسف دائما. وكانت الفلسفة قديما جماع المعرفة كلها ، فلم يكن ثمة فاصل بينها وبين العلم. ثم أخذت العلوم تستقل شيئا فشيئا ، فتحدد موضوعها ، ورسم منهجها ، ووضعت قوانينها. وظن أنها باستقلالها هذا لن تدع للفلسفة مجالا ، إلا أنها خلّفت وراءها مشاكل لا يقوى علم بعينه على حلها. فإذا كانت قد عرضت للأسباب القريبة والمباشرة ، فإنها لم توضح الأسباب البعيدة وغير المباشرة. وإذا كانت قد عنيت بالعلل المادية والفاعلية ، فإنها لم تكشف عن العلل الروحية والغائية. واضطلعت بذلك كله دراسة خاصة ، سميت الفلسفة العامة أو الميتافزيقى.
وقد أضحت الميتافزيقى وكأنها حاجة ماسة وضرورة لازمة ، لا مجرد خرافة. يخلقها العلماء بأنفسهم ، ويغذونها بغذائهم. ومن أخص خصائص الفكر المعاصر أن العلم يختلط فيه بالفلسفة مرة أخرى اختلاطا كبيرا ، فالفلاسفة علماء ، والعلماء فلاسفة. وفى عصر الذرة الذي نعيش فيه يجاوز العلم المادة إلى ما وراءها ، فيخترق حجب الأثير ، ويعيش فى اللامحسوس ، ويبحث عن مدركات ما وراء الحس. ويرى بعض أئمة علم الطبيعة المعاصرين أن حقائق الكون لا يمكن أن تفسر تفسيرا تاما إلا إن قلنا بوجود خالق حكيم ، وبذا انتهى العالم والفيلسوف إلى غاية واحدة ، وإن تعددت مناهجهما واختلفت مبادئهما.
