لا يتحقق ولا يبقى إلاّ بالعلة التي أحدثته (١). وفى حديث ابن سينا عن الفاعلية ما يؤذن بأنه يستمسك بالآلية ، ولو فى عالم الطبيعة على الأقل ، ولكنه لا يلبث أن يردها إلى غائبة مفرطة.
والغاية ما لأجله يكون الشىء ، وقد تكون فى نفس الفاعل كالفرح بالغلبة ، أو خارجة عنه كمن يفعل شيئا ليرضى به غيره. ومن الغايات التشبه بشيء آخر ، والمتشبّه به من حيث هو متشوّق إليه غاية ، والتشبه نفسه غاية (٢). والعلة الغائية مسببة لوجود العلل الأخرى ، وهى سابقة عليها فى الذهن والوجود ، فهى علة العلل (٣). وإثباتا لهذا يستعرض ابن سينا العلل الأخرى علة علة ، محاولا ردها إلى الغائية (٤). وفى هذا ما يبعده عن أرسطو الذي يرد العلل إلى الهيولى والصورة اللتين يتكون منهما الشىء ويعلم بهما ، والفاعل إنما يفعل على حسب صورته ، والغاية مرتسمة أيضا فى صورة المحرك يقصد إليها (٥). وطبيعى أن يعتد ابن سينا بالغائية اعتدادا أوضح من فيلسوف اليونان ، لأن عالمه كله يخضع للمبدإ الأول غاية الغاية ، وهو أشبه ما يكون « بمملكه غايات » إن صح أن نستعمل هنا التعبير الكانتى. والقول بالغائية لا ينفى الاتفاق أو الصدفة. لأن هذه غاية خفية وغير محددة (٦). ولا عبث فى الكون مطلقا ، بل كل ما فيه يسير حسب نظام ثابت ، وتدبّره حكمة أزلية (٧).
والعلل الحقيقية موجودة مع معلولها ، أما المتقدمة عليه فهى علل بالعرض. والعلل متناهية مهما تلاحقت ، بحيث تنتهى إلى علة العلل التي هى علة فى ذاتها ، وليست معلولا لشىء آخر. والعلة الكاملة هى التي تعطى الوجود وتبقى عليه ، ويسمى هذا « إبداعا » ،
__________________
(١) المصدر السابق ، ص ٢٦١ ـ ٢٦٢.
(٢) المصدر السابق ، ص ٢٨٣.
(٣) المصدر السابق ، ص ٢٩٢ ـ ٢٩٣.
(٤) المصدر السابق ، ص ٢٩٤ ـ ٢٩٨.
(٥) Aristote ,Met ,٨٨ ;Phys .II ,٨ ,١٩٩ s .
(٦) ابن سينا ، الإلهيات ، ج ٢ ، ص ٢٨٤.
(٧) المصدر السابق ، ص ٢٨٩ ـ ٢٩٠.
