بيان : قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد ، ولعل غضبه عليهالسلام لعلمه بأن غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الاجسام ، أو لانه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه او وصفه بصفات أرفع وأبلغ مما نطق به الكتاب والآثار لزعمه أنه لا يكفي في معرفته سبحانه ، ويؤيد كلا من الوجوه بعض الفقرات. و « جامعة » منصوبة على الحالية ، أي : عليكم الصلاة. على رفع الصلاة كما حكي أو احضروا الصلاة على نصبها جامعة لكل الناس. وربما يقرء برفعهما على الابتداء والخبرية. وهذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة وإن كان أصله للصلاة.
« لا يفره » أي لا يكثره « المنع » (١) أي ترك العطاء « ولا يكديه الاعطاء » أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه ، يقال « كدت الارض » إذا أبطأ نباتها ، وأكدى
____________________
(١) قول عليه الصلاة والسلام « لا يفره المنع » أى لا يكثره ترك الاعطاء ولا يزيد في ملكه « ولا يكديه الاعطاء » أى لا يفقره ولا ينتقص من ملكه « اذ كل معط منتقص سواه وكل مانع مذموم ملا خلاه » حسن الاعطاء والجود وقبح المنع والبخل من احكام العقل العملى ، و ملاك الحكم أنه يرى الانسان محتاجا إلى بنى نوعه مفتقرا إلى التعاون والتعاضد معهم حتى يسعد في حياته ويبلغ غاية مناه ، فلكل فرد من افراد المجتمع قدم في تشكيله ، وأثر في ابقائه ، وحق على زملائه ، وحق عليهم جميعا ان يتحفظوا على الاجتماع ، ويراقبوا ثغوره ، ويذبوا عن حدوده فحق على الاغنياء المثرين ان يبذلوا على الفقراء المعدمين ولا يدعوهم مفتقرين حتى يهلكوا ويفقد المجتمع بعض اعضائه فينتقض الغرض ويخيب المسعى.
ومن الواضح عدم وجود هذا الملاك في الحق سبحانه لتعاليه عن الحاجة ، وترفعه عن النقصان ، وتنزهه عن الغرض الزائد على الذات ، لكن حيث إن له تعالى مطلق الكمال لجمال وله الاسماء الحسنى والصفات العليا كان ذاته المتعالية وصفاته الجميلة الغير الزائدة عليها مقتضية لصدور الافعال الحسنة وكان كل افعاله لا محالة حسنة جميلة ، لكن ليس للعقل أن يحكم عليه بوجوب فعل الخير وترك الشر الا بمعنى ادراكه لاقتضاء ذاته سبحانه لهما ، و على هذا فلو صدر عنه سبحانه منع ايضا كان حسنا لانه ليس لاحد عليه تعالى حق حتى يحسن اعطاؤه ويقبح منعه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وهذا هو المراد بقول الامام الثامن عليه السلام « فهو الجواد ان أعطى وهو الجواد أن منع لانه ان اعطى عبدا اعطاه ما ليس له وان منعه منعه ما ليس له ».
![بحار الأنوار [ ج ٥٧ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1045_behar-alanwar.57%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

