🚘

أصول الفقه - ج ٤

آية الله الشيخ حسين الحلّي

أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

آية الله الشيخ حسين الحلّي


الموضوع : أصول الفقه
الطبعة: ٠
ISBN الدورة:
978-600-5213-23-2

الصفحات: ٤٣٦
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

النواهي

قوله : الحقّ أنّ المطلوب في النواهي هو نفس عدم الفعل دون الكفّ ... الخ (١).

تقدّمت (٢) الإشارة في مبحث دلالة الأمر على النهي عن ضدّه العام بمعنى الترك إلى ما ربما يقال من الفرق بين الأمر والنهي بأنّ مفاد الأوّل طلب الفعل ومفاد الثاني الزجر عنه. والأوّل ناش عن صلاح في الفعل والثاني عن مفسدة. كما تقدّمت (٣) الاشارة إلى أنّ مجرّد كون الأمر ناشئا عن صلاح في متعلّقه والثاني ناشئا عن فساد فيه لا يوجب كون النهي حقيقة وفي عالم التشريع من مقولة الردع والزجر ، بحيث يكون الحكم المشرّع واقعا هو مجرّد الردع والزجر ، بل إنّ ذلك جار في الأمر أيضا فإنّ كونه ناشئا عن صلاح في متعلّقه لا يوجب أن يكون الحكم الواقعي الذي هو موجود في صفحة التشريع هو البعث والتحريك نحو المتعلّق ، بل ليس الموجود في عالم التشريع في الأوامر إلاّ طلب المتعلّق ، كما أنّه ليس الموجود في النواهي إلاّ طلب الترك ، نعم في مقام إبراز ذلك الطلب يكون إبرازه في الأوّل بآلة البعث والتحريك وفي الثاني بآلة الردع والزجر ، فنحن وإن قلنا إنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، إلاّ أنّ الحكم الناشئ عن المصلحة في

__________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ١١٩ [ المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة ].

(٢) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب ، الصفحة : ٩٨.

(٣) لاحظ المصدر المتقدّم.

٣

المتعلّق لا يلزم أن يكون هو نفس البعث والتحريك ، كما أنّ الحكم الناشئ عن المفسدة في المتعلّق لا يلزم أن يكون هو نفس الردع والزجر ، بل إنّ البعث وكذلك الزجر إنّما يكون في مقام الابراز ، وإن شئت فقل : هي في مقام تحصيل ذلك الحكم الواقعي الذي هو الطلب يكون آلة ذلك هو البعث والزجر.

وبالجملة : أنّ الصيغة هي آلة البعث وآلة الزجر الناشئين عن ذلك الطلب الذي هو المحبوبية في الأوامر والمبغوضية في النواهي ، وتلك المحبوبية هي الباعثة على طلب ذلك الفعل المحبوب ، وهاتيك المبغوضية هي الباعثة على طلب ترك ذلك الفعل المبغوض ، فالحكم الحقيقي هو طلب الفعل وطلب الترك ، والصيغة الباعثة والزاجرة آلات يكون إيجادها معربا عن ذلك الطلب المتعلّق بالفعل والطلب المتعلّق بترك الفعل ، وليس البعث إلى الفعل الحاصل بصيغة الأمر إلاّ كالدفع الخارجي لو حصل من الآمر بيده للمأمور نحو الفعل ، وليس الزجر عنه الحاصل بصيغة النهي إلاّ كالدفع الخارجي لو حصل من الآمر بيده المأمور عن الفعل وتنحيته عنه تنحية خارجية ، فكما أنّ ذلك الدفع الخارجي إلى الفعل وذلك الدفع الخارجي عنه الحاصلين باليد ليسا من قبيل الأحكام الشرعية بل ليسا إلاّ ناشئين عنه ، فكذلك ما يحصل بصيغة الأمر وما يحصل بصيغة النهي ليس إلاّ ناشئا عن الحكم الذي هو طلب الفعل ومحبوبيته والنهي عنه وحرمته ومبغوضيته.

وحيث كان الحكم الحقيقي الواقعي الذي هو موجود في عالم التشريع ليس إلاّ عبارة عن طلب الترك المتعلّق بصرف الطبيعة كان مقتضاه السلب الكلّي ، بخلاف الطلب المتعلّق بوجود صرف الطبيعة فإنّه لا يكون إلاّ إيجابا جزئيا.

ثمّ إنّ ذلك السلب الكلّي تارة يكون عبارة عن السلب الواحد الوارد على

٤

صرف الطبيعة فلا يكون إلاّ مجموعيا ، وأخرى يكون عبارة عن آحاد السلوب الواردة على الطبيعة باعتبار تعدّد وجودها فيكون انحلاليا ، وثالثة يكون ذلك السلب الواحد مأخوذا صفة للمكلّف ويكون من قبيل الموجبة المعدولة المحمول ، ورابعة يكون على نحو رفع الايجاب الكلّي مثل أن يقول لا تصدّق بكلّ خبر ولا تعمل بكلّ ظنّ.

وهذه الصور الأربع ذكرها شيخنا في هذا المقام وفي باب العموم والخصوص (١) وفي مسألة اللباس المشكوك (٢) ولها آثار خاصّة من حيث الرجوع إلى البراءة والاشتغال في مقام الشكّ. وقد حرّر هذه الصور المرحوم الشيخ محمّد علي رحمه‌الله (٣) في هذا المقام فراجعه. والصورتان الأخيرتان لا محلّ لهما فيما نحن فيه من النواهي الشرعية ، وإنّما يكون الترديد في هذا المبحث بين الصورتين الأوليتين.

والظاهر من النواهي الشرعية هي الثانية منهما ، وتحرير ذلك أن يقال : قد حقّق في محلّه (٤) أنّ العموم في مقام الثبوت والايجاب كما لو قال أكرم كلّ عالم ظاهره الانحلال ، وكون الافراد على نحو المجموعية والارتباط محتاج إلى عناية زائدة ، لكن المطلب في باب النواهي بحسب النظر البدوي على العكس من ذلك ، بمعنى أنّ مجرّد تعلّق الطلب بعدم الطبيعة يقتضي كونه عدما واحدا واردا على الطبيعة وسدّا واحدا لباب وجودها ، فيكون من قبيل العام المجموعي ،

__________________

(١) لاحظ ما ورد في أجود التقريرات ٢ : ٢٩٩.

(٢) لاحظ ما ذكره قدس‌سره في رسالة الصلاة في المشكوك : ١٨٩ وما بعدها ، و٢٦٨ وما بعدها.

(٣) فوائد الأصول ١ ـ ٢ : ٣٩٤.

(٤) راجع أجود التقريرات ٢ : ٢٩٤ وما بعدها ( الأمر الثالث ).

٥

ويعبّر عنه شيخنا بالسلب الكلّي ، إلاّ أنّه بعد ملاحظة كون المنشأ في ذلك هو مبغوضية ذلك الوجود يكون ذلك من قبيل القرينة العامّة على أنّ كلّ واحد من تلك الافراد مطلوب عدمه على ما أوضحه شيخنا وأوضحه المحرّرون عنه ذلك ، فيكون موجبا لانقلاب ذلك إلى السلب الاستغراقي ويعبّر عنه شيخنا قدس‌سره بالعموم الأصولي.

وبالجملة : أنّ مقتضى العموم حينئذ هو الانحلال في باب الأوامر والنواهي ، لكنّهم في باب النذر لم يجروا على ذلك وبنوا على كونه من باب العموم المجموعي وحكموا بأنّه لو خالفه ولو مرّة واحدة سقط التكليف ، ولا بدّ من توجيه ذلك بأنّهم يفهمون من النذر أن قصد الناذر هو المداومة والمثابرة على الفعل فيما لو كان المنذور هو الفعل في كلّ يوم مثلا ، وأن قصده هو الاستمرار على العدم فيما لو نذر أن لا يشرب التنباك مثلا ، فراجع ما حرّرناه عنه قدس‌سره (١) في مباحث الأقل والأكثر وفي مسألة اللباس المشكوك تجده صريحا في توجيه مسلك المشهور بما حرّرناه ، فإنّا قد أشبعنا النقل عنهم مثل شرح اللمعة (٢) وحواشيها (٣) والمحقّق القمي في السؤال والجواب (٤) والمفاتيح (٥) وشرحها وغير ذلك من الكتب الفقهية.

وأين ذلك ممّا حرّره في هذا المقام عن شيخنا قدس‌سره في توجيه مسلك

__________________

(١) راجع حاشية المصنّف قدس‌سره على فوائد الأصول ٤ : ١٤٨ ـ ١٥٠ في المجلّد الثامن.

(٢) الروضة البهية ٣ : ٥٧.

(٣) شرح اللمعة ١ : ٢٧٦ ( حجري ).

(٤) جامع الشتات ٢ : ٥١٦ ، ٥٢٠.

(٥) مفاتيح الشرائع ٢ : ٣٥ / ٤٧٧ مفتاح [ النذر غير المؤقّت ].

٦

المشهور حتّى أنّه وجّه عليه الإشكال بعدم ارتباط الإشكال والجواب بمحلّ الكلام (١) ، ولعمري إنّ هذا الذي حرّره بهذه الصورة يستحقّ أن يوجّه عليه الإشكال المزبور من عدم الارتباط بأصل المطلب وعدم صحّة الجواب عنه بذلك ، لكن قد عرفت أنّ الذي صدر عن شيخنا قدس‌سره في ذلك المقام ليس هو إلاّ أنّ المشهور قد جروا في باب النذر على العموم المجموعي وهو خلاف ما جروا عليه في باب النواهي الشرعية من العموم الاستغراقي الانحلالي ، وليس جوابه إلاّ دعوى استظهار المجموعية من قصد الناذر ، ولأجل ذلك قال بعضهم إنّ المتّبع في ذلك قصد الناذر لكن الجماعة أرادوا أن يجعلوا تلك الجهة التي أشرنا إليها قرينة عامّة على أنّ قصد الناذر هو المجموعية ، فراجع ما نقلناه عن شيخنا قدس‌سره وعنهم فيما حرّرناه في بعض مباحث الأقل والأكثر فيما علّقناه على ما حرّره المرحوم الشيخ محمّد علي في ذلك المقام (٢).

ثمّ إنّك قد عرفت فيما حرّرناه عن شيخنا قدس‌سره (٣) أنّ الثمرة تظهر بين المجموعية والانحلالية بعد فرض شمول الطبيعة المنهي عنها للأفراد الطولية في التبعيض في مقام الاطاعة والعصيان بالنسبة إلى الأفراد الطولية ، أمّا بالنسبة إلى الأفراد العرضية فلا يمكن التبعيض في مقام الاطاعة والعصيان ، لأنّه بعصيانه بالاتيان بفعل واحد لا يكون الآخر الذي في عرضه مقدورا له كي يكون تركه له إطاعة ليتحقّق التبعّض ، بل تظهر الثمرة بينهما فيما لو أتى بفردين دفعة واحدة كما لو ضرب يتيمين ، فإنّه على المجموعية لا يكون الصادر إلاّ عصيانا واحدا ، وعلى

__________________

(١) أجود التقريرات ٢ ( الهامش ) : ١٢٣.

(٢) تقدّم المصدر في الهامش (١) من الصفحة السابقة.

(٣) [ لعلّ مراده قدس‌سره بذلك تحريراته المخطوطة ].

٧

الانحلالية يكون الصادر عصيانين.

قوله في الحاشية : كذلك صرف الترك ... الخ (١).

لو أخّر الصرف عن كلّ من الوجود والترك وقال إنّ المطلوب في الأوامر هو وجود صرف الطبيعة وفي النواهي هو ترك صرف الطبيعة لاستراح من هذا الإشكال.

وأنت إذا تأمّلت جميع ما حرّرناه يتّضح لك أنّ جميع ما أورده في هذه الحواشي ما بين غير وارد على ما حرّرناه عن شيخنا ، أو هو بنفسه كان قد تعرّض له قدس‌سره ، فراجع جميع التحارير وتأمّل.

__________________

(١) أجود التقريرات ٢ ( الهامش ) : ١٢٠.

٨

[ مبحث اجتماع الأمر والنهي ]

قوله : والمشهور بين الأصحاب عنوان البحث بجواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه ... الخ (١).

لا يخفى بشاعة هذا العنوان ، لما هو واضح من أنّه لا يقول أحد بجوازه ، وهكذا لو غيّر إلى أنّ تعدّد الجهة هل يكفي في جواز الاجتماع ، فإنّ ذلك أيضا غير مستحسن ، لأنّ اجتماع التكليفين غير جائز ولو كان في البين ألف جهة.

والذي ينبغي هو تحرير المسألة بما أفاده شيخنا من أنّ تعلّق الأمر بشيء والنهي بشيء آخر لو اجتمعا في شيء واحد وجودا وإيجادا ، هل يكون ذلك موجبا لوحدة المتعلّق فيمتنع ، أو أنّه لا يوجب ذلك. والأولى أن يقال : إنّ تعدّد الجهة هل يوجب تعدّد ما هو الموجود أو لا.

قوله : بداهة أنّ الجهة إذا كانت تعليلية وورد كلّ واحد من الحكمين على مورد الآخر فلا محالة يكونان متعارضين وإلاّ فلا (٢).

سيتّضح ممّا يفيده قدس‌سره فيما سيأتي (٣) أنّه لا بدّ في الجواز من الجهة الأولى من كون التركّب بين الجهتين التقييديتين تركّبا انضماميا ، إذ لو كان التركّب اتّحاديا لم يكن للجواز مجال وإن كانت الجهات تقييدية.

__________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ١٢٥.

(٢) أجود التقريرات ٢ : ١٢٦ [ المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة ].

(٣) راجع أجود التقريرات ٢ : ١٥٧ وما بعدها.

٩

قوله : يمكن أن تكون المسألة كلامية باعتبار أنّه يبحث فيها عن استحالة اجتماع الحكمين في مورد واحد ... الخ (١).

الأولى جعل الملاك في عدّه من المسائل الكلامية ـ كما حرّرته عنه قدس‌سره ـ هو كونها باحثة عن أنّ تعدّد جهة الشيء موجب لتكثّره أو لا ، وإن شئت فقل : إنّها باحثة عن كون التركّب اتّحاديا أو انضماميا ، فليس الميزان في كونها كلامية هو كونها عقلية كي يتّجه عليه ما في الحاشية.

وأمّا عدّها في المسائل الفقهية فوجهه أنّها باحثة عن الصحّة والفساد ، لكن شيخنا قدس‌سره لم يرتضه ، لما سيأتي (٢) من التحقيق عنده وأنّها من المسائل الباحثة عن مبادئ المسائل الأصولية باعتبار كونها محقّقة لصغرى التعارض إن قلنا بالامتناع من الجهة الأولى ، أو صغرى التزاحم إن قلنا بالجواز من الجهة الأولى والامتناع من الجهة الثانية ، وحينئذ تكون هذه المسألة محقّقة لموضوع مسألة التعارض أو موضوع مسألة التزاحم ، فتكون من مبادئ المسألتين الأصوليتين.

وأمّا توجيه الحاشية (٣) لعدّها من المسائل الأصولية باعتبار أنّها يترتّب على أحد القولين فيها وهو الجواز مسألة فرعية أعني صحّة العبادة.

قلت : ذلك حينئذ غريب ، لأنّها على أحد القولين مسألة أصولية وعلى القول الآخر وهو الامتناع من المبادئ. مضافا إلى أنّ الجواز لا يترتّب عليه [ ما ذكر ] بل إن كان من الجهة الأولى دخل في باب التزاحم ، وإن كان من كلا الجهتين

__________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ١٢٧.

(٢) أجود التقريرات ٢ : ١٢٨.

(٣) أجود التقريرات ٢ ( الهامش ) : ١٢٨.

١٠

فقد حقّق في محلّه (١) أنّه لم يقل به أحد ، إذ لم يقل أحد منّا بأنّ الصلاة في الدار المغصوبة عمدا عن علم صحيحة ، فتأمّل.

قوله : ثمّ إنّ الموجود إمّا أن يكون موجودا في عالم العين أو في عالم الاعتبار وعلى كلّ منهما فإمّا أن يكون من الموجودات المتأصّلة أو من الموجودات الانتزاعية ... الخ (٢).

لا يعجبني هذا التقسيم ، لأنّا بعد أن فرضنا الشيء موجودا في عالم الأعيان مثلا ، كيف يمكننا أن نجعل أحد قسميه ما يكون انتزاعيا مع فرض كون الانتزاعي ما ليس بحذائه شيء في الخارج المفروض كونه هو عالم الأعيان ، وهكذا الحال في الموجود في عالم الاعتبار.

فالأولى قلب هذا التقسيم بأن نقول إنّ الأمر الواقعي إمّا أن يكون متأصّلا وإمّا أن يكون انتزاعيا ، والمتأصّل إمّا أن يكون متأصّلا في عالم الأعيان كالإنسان وإمّا أن يكون متأصّلا في عالم الاعتبار كالملكية ، والانتزاعي إمّا أن يكون منتزعا ممّا هو متأصّل في عالم الأعيان كالفوقية المنتزعة من الجسمين الموجود أحدهما فوق الآخر ، وكالزوجية المنتزعة من الدراهم الأربعة مثلا ، وإمّا أن يكون منتزعا ممّا هو متأصّل في عالم الاعتبار كالزوجية المنتزعة من الملكيات الأربع أو المنتزعة من التكاليف الأربعة مثلا.

أمّا التمثيل لذلك بسببية العقد للملكية فهو محلّ تأمّل ، لأنّ السببية منتزعة من نفس العقد باعتبار كونه مؤثّرا في الملكية ، والعقد ليس من الأمور الاعتبارية. نعم يمكن القول بأنّ السببية منتزعة من الأمر الاعتباري بلحاظ نفس المسبّب

__________________

(١) راجع أجود التقريرات ٢ : ١٧٩.

(٢) أجود التقريرات ٢ : ١٣٠.

١١

الذي هو الملكية ، فإنّها من الأمور الاعتبارية وإن كان نفس السبب من الأمور غير الاعتبارية. والأمر سهل.

قوله : ثمّ إنّ كلّ مفهومين إمّا أن يكون صدقهما على أفرادهما من جهة واحدة ، فيكون جهة الصدق ... الخ (١).

ليس الاتّحاد في جهة الصدق إلاّ ميزانا في الترادف ، وإنّما ميزان التساوي هو التلازم في جهة الصدق ، كما كنّا أشكلنا به على شيخنا قدس‌سره وأشكله المحشي أيضا ، إلاّ أنّ كلام شيخنا قدس‌سره في هذا المقام ليس إلاّ على نحو الاشارة والاجمال ، ومحلّ تحقيق هذه المسألة في أوائل مباحث الألفاظ وأنّ حقيقة الترادف ما هي ، وهل يمكن الاتّحاد في جهة الصدق أو لا يمكن ، وقد تعرّض له شيخنا قدس‌سره في الأمر السادس (٢) فراجعه.

وتوضيح ذلك : أنّهم وإن ذكروا أنّ الميزان في النسب الأربع بين الكلّيات هو المصاديق والأفراد ، فإن كان الكلّيان متّحدين مصاديق بالتمام كانا متساويين ، وإن تباينت المصاديق تماما كانا متباينين ، وإن كانت مصاديق أحدهما أكثر من الآخر كان الأوّل عاما مطلقا وكان الثاني خاصّا مطلقا ، وإن كان كلّ منهما أوسع من الآخر كان بينهما العموم من وجه ، إلاّ أنّ ذلك لا بدّ أن يكون لجهة تقتضي ذلك ، وتلك الجهة هي العلّة في صدق المفهوم الكلّي على مصداقه ، ولتسمّ تلك الجهة بالجهة التعليلية ، فإنّا إذا قلنا إنّ زيدا إنسان مثلا كانت جهة الإنسانية في زيد هي العلّة في صدق عنوان الإنسان عليه وحمله عليه بالحمل الشائع الصناعي ، وهكذا لو قلنا إنّ زيدا عالم يكون لنا مصداق وهو زيد ، وعنوان محمول عليه وهو

__________________

(١) أجود التقريرات ٢ : ١٣١ [ المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة ].

(٢) أجود التقريرات ١ : ٧٦.

١٢

العالم ، ويكون علّة حمل العالم عليه هو ما فيه من العلم.

فقد ظهر لك أنّ الجهة التعليلية تارة تكون ذاتية وأخرى تكون من الأعراض الطارئة عليه ، ولا بدّ في هذه الثانية من كونها هي مبدأ اشتقاق ذلك العنوان العرضي أعني عنوان العالم.

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ أقسام التساوي منحصرة في أمور :

الأوّل : أن يكون العنوانان من قبيل الاسمين لماهية واحدة ونوع واحد ، مثل البشر والإنسان والليث والغضنفر.

الثاني : أن يكونا من قبيل النوع وفصله مثل الإنسان والناطق.

الثالث : أن يكونا من قبيل النوع والخاصّة مثل الإنسان وقابل العلم.

الرابع : أن يكونا من الفصل والخاصّة مثل الناطق وقابل العلم.

الخامس : أن يكونا من قبيل الخاصّتين لنوع واحد مثل قابل العلم وقابل الكتابة.

السادس : أن يكون من قبيل المتلازمين مثل مستقبل المشرق ومستدبر المغرب ، أمّا مثل الضاحك والمتكلّم فإن كان المراد هو الفعلية لم يكن بينهما تساو بل كان بينهما عموم من وجه ، وإن كان المراد من له شأنية الضحك وشأنية التكلّم كانا من قبيل الخاصتين للنوع الواحد الذي هو الإنسان.

وبعد معرفتك هذه الأقسام من التساوي يكون اللازم هو النظر في كلّ واحد من هذه الأقسام ، وهل تكون الجهة التعليلية في الصدق في أمثال ذلك واحدة أم تكون مختلفة ، فنقول :

أمّا القسم الأوّل وهما المترادفان مثل الإنسان والبشر ، فقد أنكره بعضهم وزعم امتناع الترادف والاتّحاد في جهة الصدق ، وأنّ جهة الصدق في مثل الإنسان

١٣

والبشر مختلفة ، بدعوى كون الأوّل ملحوظا جهة غير الجهة الملحوظة في وضع الآخر ولو مثل كون الأوّل مأخوذا من الانس والثاني مأخوذا من ظهور البشرة وبدوّها خالصة من شعر ووبر ، وبناء على ذلك يدخل الترادف في مختلف الجهة ويكون ملحقا بالمتلازمين أو بالخاصتين.

وبعضهم صحّح الترادف وقال إنّه بناء على أنّه لا بدّ من المناسبة بين اللفظ والمعنى لا بدّ من الالتزام بأنّ لفظ الإنسان قد وضع لهذا النوع عند طائفة من أهل اللغة ، لأنّهم يرون بمقتضى طبعهم أنّ هذا اللفظ مناسب لذلك النوع ، وعند طائفة أخرى قد وضع له لفظ البشر لأنّهم يرون بحسب طبعهم أنّ هذا اللفظ مناسب له ، وأنّ هذا الصوت الخاصّ يكون إيجاده إيجادا لذلك المعنى بنحو شرحناه مفصّلا في رسالة حرّرناها في أصل اللغات وتشعّبها ، ثمّ بعد جمع الألفاظ اللغوية واختلاطها وتكوين لغة خاصّة للعرب وتدوينها يكون الحاصل من الألفاظ لهذا النوع لفظين لفظ الإنسان ولفظ البشر فجعلوهما مترادفين.

وبناء على هذا الأخير تكون جهة الصدق في كلّ من هذين العنوانين المتساويين متّحدة كما أفاده شيخنا قدس‌سره بمعنى أنّ العلّة في صدق كلّ من هذين العنوانين على المصداق الواحد واحدة وهي الإنسانية مثلا.

أمّا باقي الأقسام فلا ينبغي الريب في أنّ جهة الصدق فيها مختلفة غير متّحدة حتّى في مثل القسم الثاني الذي هو من قبيل النوع والفصل مثل الإنسان والناطق ، فإنّ كلا منهما وإن كان ذاتيا للمصداق إلاّ أنّ جهة الصدق في الأوّل هي تمام حقيقته ، وجهة الصدق في الثاني هي جزء حقيقته ، وليسا متّحدين كما هو واضح ، وباقي الأقسام أوضح منه.

وأوضح من الجميع القسم الأخير وهما المتلازمان مثل مستقبل المشرق

١٤

ومستدبر المغرب ، فإنّ علّة الصدق في الأوّل هي الاستقبال وفي الثاني هي الاستدبار وهما مختلفان ، غايته أنّ التلازم بين الجهتين وعدم انفكاك إحداهما عن الأخرى أوجب التلازم بين معلوليهما الذي هو العنوان المنتزع منهما ، أعني عنوان المستقبل وعنوان المستدبر. اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ التلازم بين الجهتين لا بدّ أن يكون ناشئا عن كونهما معلولين لعلّة ثالثة أو كون إحداهما معلولة للأخرى ، وحيث إنّ العلّة الثالثة هي الذات نفسها أو ما هو معلول لها ، كما أنّ ما يكون منهما علّة للأخرى يكون العلّة فيه هي الذات إمّا بلا واسطة أو بواسطة ، فبالأخرة ينتهي الأمر في هاتين الجهتين إلى كونهما معلولتين للذات ، فتكون الجهة التعليلية هي الذات فتكون متّحدة.

ومنه يعلم الحال في الخاصتين لنوع واحد فإنّ العلّة في جهتيهما هي الذات أيضا ، وهكذا الحال في الفصل والخاصّة ، بل وهكذا الحال في النوع والفصل ، فإنّ العلّة في جميع هذه العناوين تكون بالأخرة هي الذات نفسها ، وحينئذ يتمّ ما أفاده شيخنا قدس‌سره من أنّ الجهة التعليلية في جميع أقسام التساوي هي واحدة وهي الذات التي هي العلّة الأخيرة في هذه الجهات. لكنّه على الظاهر لا يخلو عن خروج عن الاصطلاح ، لما عرفت فيما أشرنا إليه من أنّ المراد من الجهة التعليلية في خصوص العناوين العرضية إنّما هي مبدأ اشتقاقه ، وإن كانت العلّة في ذلك المبدأ واتّصاف الذات به هو الذات ، سيما بملاحظة أنّ هذه العناوين العرضية مثل الضاحك والعالم والقاعد والقائم إنّما هي منتزعة عن الذات باعتبار اتّصافها بالمبدإ الكذائي ، فيكون لذلك المبدأ مدخلية في صحّة انتزاعها عن الذات وحمله عليها ، فيكون هو الجهة التعليلية في ذلك الانتزاع والحمل ، هذا. مضافا إلى أنّ الذات هي التي يحمل عليها العنوان ، فتكون من الجهات التقييدية فلا يمكن أن

١٥

تكون جهة تعليلية ، فتأمّل.

فالأولى أن يقال : إنّ التساوي بين العنوانين يكون ناشئا تارة عن تلازم الجهتين مع تغايرهما ، وأخرى عن اتّحاد الجهتين ، والأوّل هو الغالب والثاني يكون من قبيل الترادف.

وإن شئت فقل : إنّ جهة الصدق في أحد العنوانين إن كانت عين جهة الصدق في الآخر كان أحد العنوانين عين الآخر ، وإن كانت جهة الصدق في أحدهما مغايرة لجهة الصدق في الآخر كان العنوانان متغايرين أيضا. فإن كان ذلك التغاير على نحو التعاند والتنافر كان العنوانان متباينين ، وإن لم يكن بين الجهتين تعاند وتنافر كما أنّه لم يكن بينهما اتّحاد وعينية بل كانا من قبيل المختلفين ، فإن كان بينهما تلازم فإن كان التلازم من الطرفين كان العنوانان متساويين من حيث الصدق على الافراد ، وإن كان التلازم من طرف واحد بحيث إنّه ينفك أحدهما عن الآخر لكن الآخر لا ينفك عنه كان بين العنوانين عموم مطلق ، وإن لم يكن بين الجهتين تلازم بل صحّ اجتماعهما وانفراد كلّ منهما عن الآخر كان بين العنوانين عموم من وجه.

ثمّ لا يخفى أنّ الغرض من التعرّض للجواب عن النقض بصفاته تعالى حسبما حرّرته عنه هو التعريض بما في الكفاية في قوله قدس‌سره : ثالثتها ، إلى استشهاده بالبيت الشعري : عباراتنا شتّى وحسنك واحد الخ (١) وهاك نصّ ما حرّرته عنه : والحاصل : أنّ العنوانين إن اتّحدت جهة صدقهما بحيث كانت جهة صدق أحدهما على مصداقه هي عين جهة صدق العنوان الآخر عليه ، كان أحد العنوانين عين العنوان الآخر ، وكانا متّحدين وامتنع أن يكونا مختلفين.

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٥٩.

١٦

ولا يمكن النقض على هذه القاعدة بالعناوين المتصادقة على الواجب تعالى وتقدّس ، بدعوى أنّ جهة صدقها عليه تبارك وتعالى متّحدة مع كون تلك العناوين في حدّ نفسها مختلفة ، فإنّ كلامنا إنّما هو في العناوين الصادقة على الممكن دون الصادقة على الواجب المقدّس ، فإنّ عقولنا لا تدركها ولا تحيط بكيفية صدقها ، وما للتراب وربّ الأرباب. وأقصى ما يمكننا أن نقول إنّ تلك العناوين من المقول بالتشكيك وأقصى مراتبه هو ما يكون بالنسبة إليه تعالى ، وجميع تلك العناوين فيه تبارك وتعالى راجعة إلى عنوانين وهما العلم والقدرة ، أو ثلاثة وهي الاثنان المذكوران والحياة. وأقصى ما يمكننا من الإيضاح في ذلك هو النظر إلى ما توجده مخيّلتنا من الصور الخيالية ، فإنّ علمنا بها عين قدرتنا عليها ، وذلك العلم هو أقصى مراتب العلم كما أنّ تلك القدرة هي أقصى مراتبها.

وكيف كان ، فإنّ صفاته تعالى أجنبية بالمرّة عمّا يراد في هذا المقام ، فلا يمكن التمسّك بها على أنّ اختلاف المفاهيم وتغايرها لا يوجب اختلافا وتغايرا في جهة الصدق فيها كي يقال كما في الكفاية إنّ اختلاف العناوين وتعدّدها لا يوجب تعدّدا في ناحية المعنون (١) ، وذلك لما هو واضح من أنّ اختلاف العناوين وتغايرها موجب لمغايرة جهة الصدق في أحدهما لجهة الصدق في الآخر ، ويكون ذلك التغاير في جهة الصدق هو المنشأ في اختلاف العناوين بالعموم من وجه أو العموم المطلق أو التباين ، انتهى.

قلت : إنّ هذا مسلّم لا تأمّل لأحد فيه على الظاهر ، فإنّ اختلاف العناوين في السعة والضيق كاشف قطعي عن عدم اتّحاد جهة الصدق فيها ، ولكن يمكن التأمّل في توجّه الإيراد بذلك على صاحب الكفاية ، فإنّا بعد أن أخذنا جهات

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٥٩.

١٧

الصدق جهات تعليلية لا بدّ لنا من الالتزام بأنّ تكثّر العناوين لا يوجب تكثّرا في المعنون ، أعني به ذلك المصداق الذي تحمل عليه تلك العناوين المتعدّدة ، فإنّ انطباق العالم والعادل ونحوهما على زيد وإن كان كاشفا عن تعدّد في الجهة التي هي العلّة في انطباق عنوان العالم وعنوان العادل ، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب تعدّدا في المعنون ، وهو ذلك الفرد الإنساني أعني به زيدا المذكور ، بل يبقى على ما هو عليه من الوحدة قبل أن تنطبق عليه هذه العناوين وقبل أن تطرأ عليه جهاتها التعليلية التي كان اتّصافها بها علّة في انتزاع تلك العناوين منه وتطبيقها وحملها عليه ، ولأجل ذلك نقول : إنّ التركّب في مثل ذلك اتّحادي لا انضمامي ، بل قد عرفت فيما مضى (١) أنّه لا معنى للتركّب في أمثال ذلك حتّى الاتّحادي منه ، لما شرحناه هنا من وحدة المصداق وحدة حقيقية وإن كانت جهة الصدق أعني علّته متعدّدة فتأمّل ، فإنّ تعدّد تلك الجهة التعليلية لا يوجب تعدّدا في ذلك المصداق كي يقال إنّه تركّب تركّبا اتّحاديا.

نعم ، إنّما يتصوّر التركّب الاتّحادي في مثل تركّب الجنس والفصل ونحو ذلك ، دون ما نحن فيه من العناوين العرضية المنتزعة من الذات باعتبار اتّصافها بعرض من عوارضها هذا ، ولكن سيأتي منه قدس‌سره (٢) عند التعرّض لكلمات صاحب الكفاية أنّ الحجر الأساسي في المسألة هو كون هذه الجهات هل هي من الجهات التعليلية أو من الجهات التقييدية ، وأنّه على الأوّل لا بدّ من الالتزام بكون التركّب اتّحاديا وعلى الثاني لا بدّ من كونه انضماميا.

والحاصل : أنّ صاحب الكفاية إن أراد من أنّ تعدّد العنوان لا يوجب

__________________

(١) [ لم نجده فيما مضى ].

(٢) أجود التقريرات ٢ : ١٥٥ ـ ١٥٧.

١٨

التعدّد في المعنون أنّه لا يوجب التعدّد أصلا حتّى بالنسبة إلى الجهة التعليلية ، فذلك ممّا يشهد الوجدان بخلافه ضرورة تعدّد الجهة المذكورة. نعم إنّ ذلك أعني إثبات التعدّد في ناحية الجهة التعليلية لا يضرّ بما قصده صاحب الكفاية من عدم إمكان الاجتماع ، لأنّ الجهة التعليلية ليست هي مركب الحكمين ، وإنّما مركبهما هو المعنون والمفروض أنّه واحد لا تعدّد فيه أصلا.

وإن أراد صاحب الكفاية إنكار تعدّد المعنون نفسه وإن تعدّدت الجهات التعليلية كما ربما يظهر ممّا رسمه على الهامش في الأمر الرابع (١) فذلك أمر لا بدّ منه بناء على ما قدّمناه من كون الجهة تعليلية ، ولا يرد عليه ما أفاده شيخنا قدس‌سره من أنّ اختلاف العناوين وافتراق أحدها في الصدق عن الآخر كاشف قطعي عن اختلاف الجهة وتعدّدها ، فإنّك قد عرفت أنّه أعني تعدّد الجهة قطعي لا ريب فيه ، والمفروض أنّ صاحب الكفاية لا ينكره وإنّما ينكر تعدّد المعنون ، وهو أعني عدم تعدّد المعنون بناء على كون الجهة تعليلية أمر لا بدّ منه ولا محيص عنه.

لا يقال : كيف تقولون إنّ عدم تعدّد المعنون أمر لا ريب فيه في مثل العالم والعادل مع أنّ كلا من هذين العنوانين كلّي طبيعي ويكون وجوده بوجود فرده ، بل قد تقدّم (٢) أنّ الفرد عين وجود كلّيه الطبيعي ، وحينئذ لا بدّ أن يكون في البين فردان أحدهما مصداق العالم والآخر مصداق العادل ، ويكون اجتماعهما في الخارج في وجود واحد من قبيل التركّب الاتّحادي.

لأنّا نقول : ليس أمثال هذه العناوين إلاّ من العناوين الانتزاعية التي ليس لها

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٦٠.

(٢) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب ، الصفحة ٤٤٥ وما بعدها.

١٩

في الخارج ما بحذائها ، بل لا يكون فيه إلاّ ما هو منشأ انتزاعها وهو الذات بلحاظ تلبّسها بالحدث ، وحينئذ لا يكون في الخارج إلاّ ذات واحدة قد انتزع منها عنوان العالم بلحاظ عروض العلم لها ، كما قد انتزع منها عنوان العادل بلحاظ حصول العدالة لها ، فلا محصّل للقول حينئذ بأنّ ذلك من قبيل التركّب الاتّحادي ، لما عرفت من أنّه ليس في البين إلاّ تلك الذات الواحدة التي لم يطرأ لها التعدّد أصلا كي يقال إنّها تركّبت مع الذات الأخرى تركّبا اتّحاديا.

نعم يرد على ما في الكفاية أنّ قياس العناوين الصادقة على الممكن بالعناوين الصادقة على الواجب تعالى قياس في غير محلّه ، سواء كان المراد هو نفي تعدّد المعنون فقط أو كان المراد هو نفي تعدّد الجهة التعليلية ، وذلك لأنّ انتفاء التعدّد في الواجب إنّما هو من جهة ما ثبت بالدليل العقلي أنّ صفاته تعالى هي عين ذاته المقدّسة الذي يكون لازمه اتّحاد تلك الصفات ، وهو عبارة عن اتّحاد تلك الجهات فيه تبارك وتعالى ، ولا بدّ من توجيه ذلك وتحقيق كيفية صدق تلك العناوين عليه تعالى بما أفاده شيخنا قدس‌سره.

وأين ذلك من الممكن الذي تكون صفاته زائدة على ذاته ، وتكون الجهات فيه متباينة ذاتا وإن اجتمعت فيه اجتماعا انضماميا كما سيأتي (١) إن شاء الله تعالى بيانه ، وأنّ اجتماع نفس العوارض أعني العلم والعدالة لا يكون إلاّ من قبيل التركّب الانضمامي ، بل التعبير بالتركّب ولو انضماميا لا يخلو من تسامح وتساهل ، إذ ليس في البين إلاّ اجتماع العوارض لا تركّب بعضها مع بعض ، وذلك فيما إذا كانا من مقولتين ، لوضوح كمال المباينة حينئذ بين العرضين أنفسهما.

__________________

(١) في الحاشية التالية.

٢٠