🚘

النّفس من كتاب الشّفاء

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]

النّفس من كتاب الشّفاء

المؤلف:

أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ]


المحقق: الشيخ حسن حسن زاده الآملي
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي
المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي
الطبعة: ١
ISBN: 964-424-146-0
الصفحات: ٣٧٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الذي خلق ملكه على مثال ملكوته ، وأسّس ملكوته على مثال جبروته ، ليستدلّ بملكه على ملكوته ، وبملكوته على جبروته.

والصّلوة والسلام على ممدّ الهمم رسوله الخاتم ، وآله الموازين القسط أئمّة الأمم ، ومن سلكوا نهجهم الهادين الى الطريق الأمم.

وبعد فلا يخفى على من لم يهمل نفسه ولم ينسها أن معرفة النفس هى السبيل الى معرفة الواجب تعالى شأنه ، والطريق إلى الإيقان بالمعاد المفضى الى تحصيل السعادة الأبديّة ، فهى أفضل المعارف وأنفعها. قوله سبحانه : ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. )

قال الوصيّ الإمام أمير المؤمنين على ـ عليه‌السلام ـ : « لا تجهل نفسك فان الجاهل معرفة نفسه جاهل بكل شيء ».

وقال عليه‌السلام : « من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم ».

وقال عليه‌السلام : « من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النجاة وخبط في الضلال والجهالات ».

٥

وقال عليه‌السلام : « معرفة النفس انفع المعارف ».

وقال عليه‌السلام : « من عرف نفسه عرف ربّه ».

وقد اعتنى اساطين العلم من قديم الدهر بتصنيف الصحف النورية في معرفة النفس الانسانية ، وقد عددنا عدة منها فى مفتتح كتابنا الفارسي في معرفة النفس الموسوم بـ « گنجينه گوهر روان ». ومن تلك الصحف الكريمة كتاب نفس الشفاء للشيخ الرئيس ـ رضوان الله عليه ـ وقد قرأناه عند شيخنا الأعظم واستاذنا الأكرم العلامة الشعرانى ـ قدس سرّه الشريف ـ ( سنة ١٣٨٠ ه‍ ق ١٣٤٠ ه‍ ش ).

وبعد ذلك بذلنا الجدّ والجهد في تصحيحه وتدريسه والتعليق عليه. وقد رزقنا الله المفيض الوهّاب ومهيّئ الأسباب ومسبّبها ، عدة نسخ من الشفاء مخطوطة ومطبوعة مصحّحة من مشايخ العلم واساطين الحكمة ، وهذا السفر القويم الموشح بتعليقاتنا عليه قد صحّحناه بالعرض عليها ، ونهديه إلى النفوس المستعدة للاعتلاء إلى ذرى معارج المعارف. ونسأل الله العصمة والسداد ، وأن يجعله ذخرا ليوم المعاد.

وترى في آخر الكتاب نماذج من تصاوير بعض صفحات نسخنا المذكورة الموجودة فى مكتبتنا. دعويهم فيها سبحانك اللهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين.

٢٩ / ٣ / ١٣٧٥ ه‍ ش ـ غرة الصفر ١٤١٧ ه‍ ق ـ قم.

حسن حسن زاده الآملى.

٦

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الفن السادس من الطبيعيات

قد استوفينا فى الفن الأول الكلام على الأمور العامّة فى الطبيعيات ، ثم تلوناه بالفن الثانى فى معرفة الاجرام والسماء والعالم والصور (١) والحركات الأولى فى عالم الطبيعة ، وحققنا أحوال الأجسام التى لا تفسد والتى تفسد ، ثم تلوناه بالكلام على الكون والفساد وأسطقساتها ، ثم تلوناه بالكلام على أفعال الكيفيات الأولى وانفعالاتها والأمزجة المتولدة منها.

وبقى لنا أن نتكلم على الأمور الكائنة ، فكانت الجمادات وما لا حس له ولا حركة إرادية أقدمها وأقربها تكوّنا من العناصر ، فتكلّمنا فيها فى

__________________

(١) فى معرفة الاجرام والصور والحركات الأولى ( كما فى نسختين مقروتين مصححتين من الشفاء ). ونسخة اخرى مصحّحة أيضا فى غاية الجودة مطابقة لما فى الكتاب اعنى :

« فى معرفة الاجرام السماء والعالم والصور والحركات الاولى ».

فالسماء والعالم بيان للاجرام كما قال فى اول الفن الثانى ص ١٥٩ ، فى السماء والعالم. والاجرام السماوية من التصحيحات الخبالية الخيالية. ثم العبارة فى طبع مصر هكذا : « فى معرفة السماء والعالم والاجرام والصور ... » وهى حسنة ان لم تكن بالتصحيح القياسى.

٧

الفن الخامس.

وبقى لنا من العلم الطبيعى النظر فى أمور النباتات والحيوانات لما كانت النباتات والحيوانات متجوهرة الذوات عن صورة هى النفس ومادة هى الجسم والأعضاء ، وكان أولى ما يكون علما بالشىء هو ما يكون من جهة صورته ، رأينا أن نتكلم أولا فى النفس ، ولم نر أن ننثر (١) علم النفس فنتكلم أولا فى النفس النباتية والنبات ، ثم فى النفس الحيوانية والحيوان ، ثم فى النفس الإنسانية والإنسان. وإنما لم نفعل ذلك لسببين :

أحدهما أن هذا التنثير مما يوعّر (٢) ضبط علم النفس المناسب بعضه لبعض.

والثانى أن النبات يشارك الحيوان فى النفس التى لها فعل النمو والتغذية والتوليد. ويجب لا محالة أن ينفصل عنه (٣) بقوى نفسانية تخص جنسه ثم تخص أنواعه. والذى يمكننا أن نتكلم عليه من أمر نفس النبات هو ما يشارك فيه الحيوان. ولسنا نشعر كثير شعور بالفصول المنوعة لهذا المعنى الجنسى فى النبات ؛ وإذا كان الأمر كذلك لم تكن نسبة هذا القسم من النظر إلى أنه كلام فى النبات أولى منه إلى أنه كلام فى الحيوان ؛ إذ كانت نسبة الحيوان إلى هذه النفس نسبة النبات إليها (٤) وكذلك أيضا حال

__________________

(١) فى ثلاث نسخ مصحّحة من الشفاء جائت العبارة « نبتّر » من التبتير بمعنى التقطيع ، وكذا قوله الآتى : « إن هذا التبتير ». وفى هذه النسخة جاءت العبارة « ننثّر » و « التنثير » بالنون والثاء المثلثة من التفريق مقابل التنظيم. والمآل واحد.

(٢) اى يصعب.

(٣) اى ينفصل الحيوان عن النبات.

(٤) ولا يختص هذا النوع من النظر بالنبات بل هذا النوع من النظر مشترك بين الحيوان والنبات.

٨

النفس الحيوانية بالقياس إلى الإنسان والحيوانات الأخر.

وإذ كنا إنما نريد أن نتكلم فى النفس الحيوانية والنباتية من حيث هى مشتركة ، وكان لا علم بالمخصص إلا بعد العلم بالمشترك ، وكنا قليلى الاشتغال بالفصول الذاتية لنفس نفس ولنبات نبات ولحيوان حيوان لتعذر ذلك علينا. فكان (١) الأولى أن نتكلم فى النفس فى كتاب واحد ، ثم إن أمكننا أن نتكلم فى النبات والحيوان كلاما مخصصا فعلنا. وأكثر ما يمكننا من ذلك يكون متعلقا بأبدانها وبخواص من أفعالها البدنية ، فلأن نقدّم تعرّف أمر النفس ونؤخّر تعرّف أمر البدن أهدى سبيلا (٢) فى التعليم من أن نقدّم تعرّف أمر البدن ونؤخّر تعرّف أمر النفس. فإن معونة معرفة أمر النفس فى معرفة الأحوال البدنية أكثر من معونة معرفة البدن فى معرفة الأحوال النفسانية. على أن كل واحد منهما يعين على الآخر ، وليس أحد الطرفين بضرورى التقديم ، إلا أنا آثرنا أن نقدّم الكلام فى النفس لما أمليناه من العذر (٣) ، فمن شاء أن يغيّر هذا الترتيب فعل بلا مناقشة لنا معه.

وهذا هو الفن السادس ، ثم نتلوه فى الفن السابع بالنظر فى أحوال النبات ، وفى الفن الثامن بالنظر فى أحوال الحيوان. وهناك نختم العلم الطبيعى ، ونتلوه بالعلم الرياضى فى فنون أربعة ، ثم نتلو ذلك كله بالعلم الإلهى ، ونردفه شيئا من علم الأخلاق ، ونختم كتابنا هذا به.

__________________

(١) جواب « واذ كنا ».

(٢) لانّ العلم بالشىء من جهة صورته اهدى سبيلا من العلم بذلك الشىء من جهة مادّته.

(٣) من انّ الاولى بالعلم بالشىء هو ما يكون من جهة صورته.

٩
١٠

المقالة الأولى

خمسة فصول :

الفصل الأول : فى اثبات النفس وتحديدها من حيث هى نفس.

الفصل الثانى : فى ذكر ماقاله القدماء فى النفس فى جوهرها ونقضه.

الفصل الثالث : فى أنّ النفس داخلة فى مقولة الجوهر.

الفصل الرابع : فى تبيين أنّ اختلاف أفاعيل النفس لاختلاف قواها.

الفصل الخامس : فى تعديد قوى النفس على سبيل التصنيف.

١١
١٢

الفصل الاول

فى إثبات النفس وتحديدها من حيث هى نفس

نقول : إن أول ما يجب أن نتكلم فيه إثبات وجود الشىء الذى يسمى نفسا ، ثم نتكلم فيما يتبع ذلك فنقول : إنا قد نشاهد أجساما تحسّ وتتحرّك بالإرادة ، بل نشاهد أجساما تغتذى وتنمو وتولّد المثل وليس ذلك لها لجسميتها ، فبقى أن تكون فى ذواتها مبادئ لذلك غير جسميتها ، والشىء الذى تصدر عنه هذه الأفعال. وبالجملة كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة (١) عادمة للإرادة ، فإنا نسمّيه نفسا. وهذه اللفظة اسم لهذا الشىء ، لا من حيث هو جوهره ، ولكن من جهة إضافة مّا له ، أى من جهة ما هو مبدأ لهذه الأفاعيل ، ونحن نطلب جوهره والمقولة التى يقع فيها من بعد. ولكنا الآن إنما أثبتنا وجود شىء هو مبدأ لما ذكرنا ، وأثبتنا وجود شىء من جهة مّا له عرض مّا ونحتاج أن نتوصّل من

__________________

(١) وفى تعليقة نسخة : فانه اذا كان آثاره على وتيرة واحدة وعادمة للارادة فهو صورة معدنية لا يسمى نفسا بل المبدأ اما ان يصدر عنه آثاره على وتيرة واحدة مع الارادة فهذا المبدأ هو النفس الفلكى او يصدر عنه آثار مختلفة مع الارادة فالمبدأ هو النفس الحيوانى او يصدر عنه آثار مختلفة مع عدم الارادة فالمبدأ هو النفس النباتى.

١٣

هذا العارض الذى له إلى أن نحقّق ذاته لنعرف ماهيته ، كأنّا قد عرفنا أن لشىء يتحرك محركا مّا. ولسنا نعلم من ذلك أن ذات هذا المحرك ما هو.

فنقول : إذا كانت الأشياء ، التى يرى أن النفس موجودة لها ، أجساما ، وإنما يتم وجودها من حيث هى نبات وحيوان لوجود هذا الشىء لها ، فهذا الشىء جزء من قوامها. وأجزاء القوام كما علمت فى مواضع هى قسمان : جزء يكون به الشىء هو ما هو بالفعل ، وجزء يكون به الشىء هو ما هو بالقوة ، إذ هو بمنزلة الموضوع ؛ فإن كانت النفس من القسم الثانى (١) ، ولا شك أن البدن من ذلك القسم ، فالحيوان والنبات لا يتم حيوانا ولا نباتا بالبدن ولا بالنفس (٢) فيحتاج إلى كمال آخر هو المبدأ بالفعل لما قلنا. فذلك هو النفس وهو الذى كلامنا فيه ، بل ينبغى أن تكون النفس هو ما به يكون النبات والحيوان بالفعل نباتا وحيوانا. فإن كان جسما أيضا ، فالجسم صورته ماقلنا (٣) ؛ وإن كان جسما بصورة مّا ، فلا يكون هو من حيث هو جسم ذلك المبدأ ، بل يكون كونه مبدأ من جهة تلك الصورة ، ويكون صدور تلك الأحوال عن تلك الصورة بذاتها. وإن كان بتوسط هذا الجسم ، فيكون المبدأ الأول تلك الصورة ، ويكون أول

__________________

(١) وفى تعليقة نسخة : اى يكون الشىء ما بالقوة.

(٢) قوله ولا بالنفس يعنى بها النفس المفروض فى قوله فإن كانت النفس من القسم الثانى أى يكون الشىء بالقوة. ولا يخفى عليك ان الحيوان والنبات لا يتمّ حيوانا ولا نباتا بهذه النفس المفروضة التى هى بالقوة بعد ، ولذا قال : « فيحتاج الى كمال آخر هو المبدأ بالفعل لما قلنا ». ومعنى قوله : « لما قلنا » هو ما قال آنفا : « وانما يتم وجودها ـ اى وجود الاجسام ـ من حيث هى نبات وحيوان لوجود هذا الشىء لها ». وهو الشىء الذى يصدر عنه هذه الافعال من التغذية والتنمية والتوليد.

(٣) فى تعليقة نسخة : من انّ هذه الاثار ليست للجسمية بل لها مبدأ غير الجسمية.

١٤

فعله بوساطة هذا الجسم ، ويكون هذا الجسم جزءا من جسم الحيوان ، لكنه أول جزء يتعلق به المبدأ ، وليس هو بما هو جسم إلا من جملة الموضوع. فتبيّن أن ذات النفس ليس بجسم ، بل هو جزء للحيوان والنبات ، هو صورة أو كالصورة أو كالكمال.

فنقول الآن : إن النفس يصح أن يقال لها بالقياس إلى ما يصدر عنها من الأفعال قوة (١).

وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما يقبلها من (٢) الصور المحسوسة والمعقولة على معنى آخر قوة.

ويصح أن يقال أيضا لها بالقياس إلى المادة التى تحلها فيجتمع منهما (٣) جوهر نباتى أو حيوانى صورة.

ويصح أن يقال لها أيضا بالقياس إلى استكمال الجنس بها نوعا محصلا فى الأنواع العالية أو السافلة كمال ، لأن طبيعة الجنس تكون ناقصة غير محدودة ما لم تحصّلها طبيعة الفصل البسيط (٤) أو غير البسيط (٥) منضافا إليها ؛ فإذا انضاف كمل النّوع. فالفصل كمال النوع بما

__________________

(١) لا القوة بالمعنى القابل للفعل ، بل القوة بمعنى المبدأ للفعل.

(٢) قوله ـ قدس‌سره ـ : « بالقياس الى ما يقبلها » فان قابل الصور المحسوسة النفس الحيوانية ، وقابل الصور المعقولة النفس المجردة وهو معنى آخر غير الاول. واعلم انّ القول بقبول النفس غير مقبول فى الحكمة المتعالية لانه مبنى على انّ النفس تنفعل من صور المحسوسات والمعقولات ، واما الحكمة المتعالية فحاكمة بانّ النفس تنشىء الصور فى مرحلة ، واخرى على النحو الذى فوق الانشاء على ما هو مقرر فى محله ومعلوم لاهله.

(٣) اى من النفس والمادة.

(٤) وفى تعليقة نسخة : كالناطق بالنسبة الى الحيوان.

(٥) كالحساس والمتحرّك بالارادة بالنسبة الى الحيوان.

١٥

هو نوع وليس لكل نوع فصل بسيط (١) ، قد علمت هذا ، بل إنما هو للأنواع المركبة الذوات من مادة وصورة ، والصورة منها هو الفصل البسيط لما هو كماله.

ثم كل صورة كمال (٢) ، وليس كل كمال صورة ، فإن الملك كمال المدينة ، والربّان كمال السفينة ، وليسا بصورتين للمدينة والسفينة ، فما كان من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفى المادة. فإن الصورة التى هى فى المادة هى الصورة المنطبعة فيها القائمة بها ، اللهم إلا أن يصطلح فيقال لكمال النوع صورة النوع. وبالحقيقة فإنه قد استقر الاصطلاح على أن يكون الشىء بالقياس إلى المادة صورة ، وبالقياس إلى الجملة غاية وكمالا ، وبالقياس إلى التحريك مبدأ فاعليا وقوة محركة.

وإذا كان الأمر كذلك فالصورة تقتضى نسبة إلى شىء بعيد من ذات الجوهر (٣) الحاصل منها ، وإلى شىء (٤) يكون الجوهر الحاصل هو ما

__________________

(١) قوله : « وليس لكل نوع فصل بسيط » الفصل البسيط هو الفصل الاشتقاقى المنطقى وفى تعليقة نسخة من الشفاء فى المقام ما افاد من قوله : « فيه دلالة على انّ ما له فصل عقلى فله صورة خارجية ، وان الجنس والفصل يكونان للمركبات الخارجية من المادة والصورة وقد صرّح بهذا فى عدّة مواضع من كتاب التعليقات » انتهى كلام ذلك المحشى.

(٢) قوله ـ قدس‌سره ـ : « ثم كل صورة كمال » اقول هذا شروع فى بيان امرين الاول منهما بيان ترجيح الكمال على الصورة فى تعريف النفس. والثانى منهما بيان ترجيح الكمال على القوة فى ذلك التعريف. وهذا يبيّن فى قوله الآتى : « وايضا إذا قلنا انّ النفس كمال فهو اولى من ان نقول قوة ».

(٣) اى النوع.

(٤) اى المادة.

١٦

هو به (١) بالقوة ، وإلى شىء لا تنسب الأفاعيل إليه ، وذلك الشىء (٢) هو المادة لأنها صورة باعتبار وجودها للمادة.

والكمال يقتضى نسبة إلى الشىء التام الذى عنه تصدر الأفاعيل لأنه كمال بحسب اعتباره للنوع (٣). فبين من هذا أنا إذا قلنا فى تعريف النفس إنها كمال (٤) كان أدل على معناها ، وكان أيضا يتضمن جميع أنواع النفس من جميع وجوهها (٥) ، ولا تشذ النفس المفارقة للمادة عنه.

وأيضا إذا قلنا : إن النفس كمال فهو أولى من أن نقول : قوة ، وذلك لأن الأمور الصادرة عن النفس منها ما هى من باب الحركة ، ومنها ما هى من باب الإحساس والإدراك ، والإدراك بالحرى أن يكون لها لا بما لها قوة هى مبدأ فعل ، بل مبدأ قبول. والتحريك بالحرى أن يكون لها لا بما لها قوة هى مبدأ قبول ، بل مبدأ فعل ، وليس أن ينسب إليها أحد الأمرين بأنها قوة

__________________

(١) متعلق بقوله : « يكون ». والضمير راجع الى « الشىء ».

(٢) بيان للاشياء الثلاثة.

(٣) قال الفخر فى المباحث المشرقية : « ان المقيس الى النوع اولى لان فى الدلالة على النوع دلالة على المادة لكونها جزءا منه من غير عكس ولانّ النوع اقرب الى الطبيعة الجنسية من المادة ». المباحث المشرقية ج ٢ ص ٢٣٢.

(٤) قوله : « انها كمال » قال العلامة الحلى فى شرح التجريد : « وقد عرّفوا النفس بالكمال دون الصورة لان النفس الانسانية غير حالة فى البدن فليست صورة له وهى كمال له. » كشف المراد ص ١٨٢.

اقول : بيانه ـ قدس‌سره ـ على ممشى المشاء تمام. وأما على مبنى الحكمة المتعالية الرصين فالنفس الحيوانية ايضا غير حالّة. فراجع الفصل الثانى من الباب الثانى من نفس الاسفار ( ج ٤ ص ٩ ط ١ ـ ج ٨ ص ٤٢ ط ٢ ) حيث يقول : فصل فى بيان تجرد النفس الحيوانية وعليه براهين كثيرة فتبصّر.

(٥) فى تعليقة نسخة : اى سواء كانت مجردة او منطبعة.

١٧

عليه أولى من الآخر. فإن قيل لها : قوة ، وعنى به الأمران جميعا كان ذلك باشتراك الاسم. وإن قيل : قوة ، واقتصر على أحد الوجهين ، عرض من ذلك (١) ماقلنا.

وشىء آخر وهو أنه لا يتضمن الدلالة على ذات النفس من حيث هى نفس مطلقا ، بل من جهة (٢) دون جهة. وقد بينا فى الكتب المنطقية أن ذلك غيرجيد ولا صواب.

ثم إذا قلنا : كمال ، اشتمل على المعنيين. فإن النفس من جهة القوة (٣) التى يستكمل بها إدراك الحيوان كمال ، ومن جهة القوة التى تصدر عنها أفاعيل الحيوان أيضا كمال ، والنفس المفارقة كمال ، والنفس التى لا تفارق كمال.

لكنا إذا قلنا : كمال ، لم يعلم من ذلك بعد أنها جوهر ، أو أن ليست بجوهر لأنّ معنى الكمال هو الشىء الذى بوجوده يصير الحيوان بالفعل حيوانا والنبات بالفعل نباتا ، وهذا لا يفهم عنه بعد أنّ ذلك جوهر أو ليس بجوهر.

__________________

(١) فى تعليقة نسخة : من عدم الاولوية.

(٢) مثل الفعل او الانفعال.

(٣) قال شارح المقاصد : ان القوة لفظ مشترك بين مبدأ الفعل كالتحريك ومبدأ القبول والانفعال كالاحساس وكلاهما معتبر فى النفس ، وفى الاقتصار على احدهما مع انه اخلال بما هو مدلول النفس استعمال للمشترك فى التعريف ، شرح المقاصد ج ٣ ص ٣٠٢. قال الامام فلان القوة اسم لها من حيث انها مبدأ الافعال ، والكمال اسم لها من هذه الجهة ومن حيث انها مكملة للنوع وما يعرّف الشىء من جميع جهاته أولى مما يعرّفه من بعض جهاته ، فيظهر أن الكمال هو الذى يجب ان يوضع فى حد النفس مكان الجنس. راجع الأسفار الأربعة ج ٨ ص ٩ ط ٢. والمباحث المشرقية ج ٢ ص ٢٣٣.

١٨

لكنا نقول : إنه لا شك لنا فى أن هذا الشىء ليس بجوهر بالمعنى الذى يكون به الموضوع جوهرا ، ولا أيضا بالمعنى الذى يكون به المركب جوهرا. فأما جوهر بمعنى الصورة فلينظر فيه.

فإن قال قائل : إنى أقول للنفس جوهر وأعنى به الصورة ، ولست أعنى به معنى أعم من الصورة ، بل معنى أنه جوهر معنى أنه صورة ، وهذا مما قاله خلق منهم (١) ، فلا يكون معه موضع بحث واختلاف ألبتة. فيكون معنى قوله : إن النفس جوهر ، أنها صورة ؛ بل يكون قوله : الصورة جوهر ، كقوله الصورة صورة أو هيئة والإنسان إنسان أو بشر ، ويكون هذيانا من الكلام.

وإن عنى بالصورة (٢) ما ليس فى موضوع ألبتة ، أى لا يوجد بوجه من الوجوه قائما فى الشىء الذى سميناه لك موضوعا ألبتة ، فلا يكون كل كمال جوهرا. فإن كثيرا من الكمالات (٣) هى فى موضوع لا محالة ، وإن كان ذلك الكثير بالقياس إلى المركب ، ومن حيث كونه فيه ليس فى موضوع ، فإن كونه جزءا منه لا يمنعه أن يكون فى موضوع ، وكونه فيه لا كالشىء فى الموضوع لا يجعله جوهرا ، كما ظن بعضهم. لأنه لم يكن الجوهر ما لا يكون بالقياس إلى شىء على أنه فى موضوع حتى يكون الشىء من جهة ما ليس فى هذا الشىء على أنه فى موضوع جوهرا ، بل

__________________

(١) قوله : « خلق منهم » هذا الخلق هم القائلون بانّ النفس الانسانية من الاجسام اللطيفة فضلا عن النفس الحيوانية والنباتية.

(٢) فى تعليقة نسخة : اى على تقدير ان النفس جوهر بمعنى الصورة.

(٣) فى تعليقة نسخة : كالسواد والكتابة وغيرهما فإنها كمالات اولية للمركب منها ومن الموضوع كالسواد للأسود بما هو أسود والكتابة للكاتب بما هو كاتب.

١٩

إنما يكون جوهرا إذا لم يكن ولا فى شىء من الأشياء على أنه فى موضوع. وهذا المعنى لا يدفع كونه فى شىء مّا موجودا لا فى موضوع ، فإن ذلك ليس له بالقياس إلى كل شىء ، حتى إذا قيس إلى شىء يكون فيه لا كما يوجد الشىء فى موضوع صار جوهرا ؛ وإن كان بالقياس إلى شىء آخر بحيث يكون عرضا ، بل هو اعتبار له فى ذاته. فإن الشىء إذا تأملت ذاته ونظرت إليها فلم يوجد لها موضوع ألبتة كانت فى نفسها جوهرا ، وإن وجدت فى ألف شىء لا فى موضوع بعد أن توجد فى شىء واحد على نحو وجود الشىء فى الموضوع فهى فى نفسها عرض. وليس إذا لم يكن عرضا فى شىء فهو جوهر فيه ، فيجوز أن يكون الشىء لا عرضا فى الشىء (١) ولا جوهرا فى الشىء ، كما أن الشىء يجوز أن لا يكون واحدا فى شىء ولا كثيرا (٢) ، لكنه فى نفسه واحد أو كثير. وليس الجوهرى والجوهر واحدا ، ولا العرض بمعنى العرضى (٣) الذى فى إيساغوجى هو العرض الذى فى قاطيغورياس (٤). وقد بينا هذه الأشياء لك فى صناعة المنطق.

فبين أن النفس لا يزيل عرضيتها كونها فى المركب كجزء (٥) ، بل يجب

__________________

(١) كالسواد بالنسبة الى الاسود.

(٢) وفى تعليقة نسخة : اى كما ان زيدا ليس واحدا فى السماء ولا كثيرا فيها وان كان فى نفسه وحيّزه واحدا.

(٣) اى العرض العام والخاص من الكلّيات الخمس.

(٤) وفى تعليقة نسخة : اى المقولات العشر كالحال فى الموضوع مثل المشى والضحك.

(٥) قال فى الاسفار : « فعلم ان كون النفس كمالا للجسم والجسم جوهر او كونها جزءا للمركب لا عرضا قائما بالمركب لا يستلزم جوهريتها بل يحتمل ان يكون نفس ما قائمة بالموضوع وهى مع ذلك يكون جزءا للمركب. ويحتمل ان لا يكون فى موضوع فيكون

٢٠