نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ٤

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ٤

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: الشيخ أبو الحسن القائمي
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ياران
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-40-X
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٦٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله منتهى الحمد وغايته ، والصلاة والتسليم على نبيّه الأمين ، ورسوله المصطفى على طول الأزمنة والدهور محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعلى أهل بيته الأمناء المعصومين ، حجج الله تبارك وتعالى على العالمين.

وبعد :

فإنّ مؤسستنا إذ تقوم بنشر هذا الكتاب القيّم ـ والذي رافقت مسألة نشره فترة تأخير قهرية مبعثها حصولنا لاحقا على نسخة المؤلّف بخطّه الشريف ، فاضطرّ المحقّق بعد إتمام عمله إلى مراجعته على هذه النسخة ابتغاء الحصول على النصّ الأصحّ ـ فإنّها تتقدّم بجزيل الشكر والامتنان لمحقّق الكتاب سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ أبو الحسن القائمي على ما بذله من جهود صادقة ومتواصلة في إنجاز هذا العمل وإخراج الكتاب بحلّته المحقّقة الجديدة.

وكذا فإنّا ندين بالعرفان لكلّ الجهود المخلصة والكبيرة التي بذلت من قبل بعض الإخوة الأفاضل وبأشكال مختلفة في إتمام هذا العمل.

وفّق الله تعالى جميع العاملين في نشر وإحياء تراث العترة الطاهرة ، وتقبّل أعمالهم ، إنّه سميع مجيب.

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التّراث

٥
٦

مباحث الاصول العملية

٧
٨

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

١ ـ قوله (قدّس سره) : وهي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص (١) ... الخ.

توصيف القواعد المزبورة بما أفاده (قدس سره) لادراجها في المسائل الاصولية ، ولا خراج القواعد العامة الفقهية :

أما إدراجها في المسائل الاصولية ؛ فلأن مضامينها وان كانت بنفسها أحكاما مستنبطة ، كاثبات الاباحة الشرعية ، أو رفع الحكم الشرعي ، أو جعل الحكم المماثل لما أيقن به ، أو كانت اعتبارات شرعية ، أو عقلية غير منتهية إلى حكم تكليفي شرعي ، كالبراءة العقلية أو رفع المؤاخذة شرعا ، أو المنجزية العقلية أو الشرعية ولو بجعل اليقين السابق منجزا للحكم في اللاحق.

إلاّ أنّها على أيّ تقدير لا تقع في طريق الاستنباط ، فلا بد من تعميم القواعد الاصولية إلى ما يقع في طريق الاستنباط ، وما ينتهي إليه المجتهد بعد

__________________

(١) كفاية الأصول / ٣٣٧.

٩

الفحص عن الدليل على حكم العمل.

وأمّا إخراج القواعد الفقهية ، كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، أو سائر قواعد أبواب المعاملات ، أو العبادات فلأنّها قواعد لا ينتهي إليها أمر الفقيه بعد الفحص عن الدليل على حكم العمل ، بل هي أحكام كلية ابتدائية للعمل ، لعدم ترتبها على الشيء بعنوان كونه مجهول الحكم.

وحيث إن الاصول العملية مما ينتهي إليه امر المجتهد بعد الفحص عن الدليل ، فلا محالة تختص بالمجتهد ، إذ ليس من شأنه الفحص عن الدليل إلاّ المجتهد.

فبهذه الخصوصية تمتاز هذه القواعد عن سائر القواعد ، وتختص بالمجتهد دون غيرها هذا.

والتحقيق ما مرّ في أوائل الجزء الأول من التعليقة (١) ، وفي أول حجّية خبر الواحد (٢) أن تعميم القواعد إلى الممهدة للاستنباط ، وإلى ما ينتهي إليه أمر المجتهد يقتضي فرض غرض جامع بين الغرضين ، لئلا يكون علم الاصول علمين ، لتعدد العلم بتعدد الغرض في المورد القابل.

مضافا إلى أن هذا التعميم ، وإن كان يجدي في إدراج الاصول العملية الشرعية.

إلا أنه لا يجدي في دخول مباحث حجية الامارات سندا ودلالة في علم الاصول ، لأنها ليست مما ينتهي إليه أمر المجتهد بعد الفحص عن الدليل ، بل هي الأدلة على حكم العمل ، وليس العمل بمقتضياتها منوطا بعدم التمكن من تحصيل العلم.

__________________

(١) نهاية الدراية ١ : التعليقة ١٣.

(٢) نهاية الدراية ٣ : التعليقة ٩١.

١٠

والتحقيق : أن الحجية إمّا بمعنى الوساطة في اثبات الواقع عنوانا أو اعتبارا ، وإمّا بمعنى الوساطة في إثبات الواقع أثرا وتنجزا.

والمبحوث عنه في علم الاصول وساطة الخبر ونحوه بأحد الوجوه.

والمبحوث عنه في علم الفقه قيام الواسطة على إثبات الحكم لا وساطتها.

وعليه ، فالعلم المأخوذ في حد الفقه ـ حيث قيل : إنه علم بأفعال المكلفين من حيث الاقتضاء والتخيير ـ أعم من العلم الوجداني والعلم التنزيلي ، بل أعم من العلم بالحكم وقيام المنجز على الحكم.

نعم ، فيما ليس له جهة الكاشفية والمرآتية ليس له عنوان الوساطة للاثبات ، فلا بد من تعميم الحجية إلى مطلق المنجزية والمعذريّة. فيدخل البحث عن منجزية الاحتمال ، وعن معذرية الجهل أيضا في المسائل الاصولية.

إلا أنه يبقى خصوص البراءة الشرعية بمعنى رفع الحكم أو ثبوت الاباحة على حاله.

اذ لا وساطة في الاثبات اصلا ، ولا معذرية شرعا حتى يندرج تحت قيام الحجة على حكم العمل.

ولا بأس بالاستطراد في مثله.

وأما حديث اختصاص (١) مفاد الاصول العملية بالمجتهد ، لكونه ممن (٢) يتفحص عن الحجة على حكم العمل ، دون سائر القواعد الفقهية العامة ، فانها تعم المجتهد والمقلد.

فتحقيق الحال فيه أن عناوين موضوعات هذه الأحكام الكلية ، ووجوب تصديق العادل ، ووجوب الأخذ بالراجح من الخبرين ، أو التخيير بينهما ، وإن

__________________

(١) كما عن المحقق النائيني ( قده ) في فوائد الاصول ٣ / ٤.

(٢) والصحيح : من.

١١

كانت مختصة بالمجتهد ، فانه الشاك في الحكم وهو المتيقن بحكم في السابق ، والشاك فيه في اللاحق وهو من أتاه النبأ ، ومن جاءه الحديثان المتعارضان ، دون المقلد في كل ذلك ، فيتوهم اختصاص تلك الأحكام به دون سائر القواعد الفقهية العامة.

إلا أن مفاد تلك الأحكام الكلية ، إما جعل الحكم المماثل ، أو جعل المنجزية والمعذرية ، وربما لا يكون للواقع مساس به حتى يتعلق به حكم فعلي مماثل أو يتنجز الواقع عليه على تقدير الاصابة ، ويعذر عنه على تقدير الخطأ ، فما معنى اختصاصه به؟

ودعوى أن فتوى المجتهد المستندة إلى حجة شرعية بمنزلة الخبر مع الواسطة ، تكون حجة على ثبوت الحجة في حق المكلف.

مدفوعة : بأنها تجدي فيما إذا كانت مستندة إلى الخبر ونحوه ، لا في مثل الاستصحاب المتقوم باليقين والشك ، مع أن المكلف لا يقين له ولا شك ، والمجتهد لا تكليف له وإن أيقن وشك.

فالتحقيق : أن ما تضمّنه الأمارات أو الاصول العملية من التكاليف الثابتة لذات الفعل ، أو له بوصف كونه مجهول الحكم حكم عملي للمكلف الذي له مساس به.

لكن المقلد حيث إنه لا يتمكن من استنباطه من دليله ، أو لا يتمكن من تطبيقه على مصداقه ، إذ لا يعلم كونه لا حجة عليه إلا بعد الفحص عنها ينوب عنه المجتهد بأدلة وجوب التقليد ، وجواز الافتاء في أعمال رأيه ونظره في استنباط الحكم من دليله ، أو في تطبيقه على مصداقه.

فالمجتهد هو الموضوع عنوانا ، والمقلد هو الموضوع لبّا. ومجيء الخبر إلى المجتهد منزّل منزلة مجيئه إلى المقلد ، ويقينه وشكه بمنزلة يقين المقلّد وشكه ، وإلاّ لكان إيجاب اتباع رأيه لغوا مع عدم تحقق موضوع الحكم.

١٢

فالحكم المستنبط ، أو الحكم الكلي الذي يراد تطبيقه على مورده لا يختص بالمجتهد ، بل المقدمات المؤدية إلى استنباطه ، أو إلى تطبيقه هي المختصة بالمجتهد.

فكما أن اختصاص مقدمات الاجتهاد والاستنباط لا يوجب اختصاص الحكم المستنبط بالمجتهد ، كذلك اختصاص الفحص ـ عن الحجة المحقق لموضوع الحكم فعلا ـ به لا يوجب اختصاص ذلك الحكم الكلي الذي لا ينطبق على مصداقه إلا بالفحص المحقق للمصداق بالمجتهد.

ومما ذكرنا تبين أنه لا امتياز للاصول العملية عن القواعد الفقهية ، فان اختصاص تطبيقها على مصاديقها ـ بالفحص المحقق لمطابق موضوعها الكلي ـ بالمجتهد من حيث كونه أهل الخبرة بالتطبيق لا يوجب إدراج هذه المسائل في علم الاصول دون غيرها ، لأن خبرة تطبيق القواعد العامة الفقهية أيضا تحتاج إلى مقدمات نظرية تختص بالمجتهد.

وقد عرفت أن هذه الخصوصية لا يوجب كون هذا الحكم الكلي العملي حكما أصوليا ، لا حكما فقهيا ، بل الكل بناء عليه قواعد فقهية. غاية الأمر أن هذه القواعد قواعد عامة لا تختص بباب دون باب ، بخلاف تلك القواعد ، فانها ربما تختص بباب الطهارة ، أو بباب الصلاة أو بخصوص باب البيع ، أو غيره ، أو بأبواب العبادات مطلقا أو بابواب المعاملات.

وهذا التعميم والتخصيص لا يوجب خروج المسألة عن كونها فقهية ، ولا دخولها في المسائل الاصولية.

نعم بناء على ما ذكرنا ، فالكل من القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي ، إلا ما لا بأس بالاستطراد فيه ، كالبراءة الشرعية بمعنى الاباحة ورفع الحكم لا بمعنى المعذرية شرعا.

١٣

٢ ـ قوله (قدس سرّه) : مع جريانها في كل الأبواب (١) ... الخ.

شأن مسائل العلم ، وان كان كلية المبحوث عنه ، حيث لا يبحث عن الجزئي في العلوم ، إلا أن عمومه لجميع الأبواب غير لازم ، وتخصيص القواعد الاصولية بالعامة لجميع الأبواب بلا مخصص ، بل بعض مسائلها لا يجري إلا في العبادات مثلا.

وتقدم رتبة العلم الأعلى على الأدنى لا يستدعي إلاّ تقدم كل جزء من الأعلى على ما يناسبه من الأدنى ، لا على جميع أجزاء العلم الأدنى حتى يجب عمومه لجميع أبوابه. فتدبر.

وفي هامش الكتاب لشيخنا العلامة ( رفع الله مقامه ) في بيان توهّم خروج قاعدة الطهارة مطلقا عن المسائل الاصولية وجه آخر مع جوابه منه (قدس سره).

قال (قدس سره) : لا يقال : إن قاعدة الطهارة مطلقا تكون قاعدة في الشبهة الموضوعية ، فان الطهارة والنجاسة من الموضوعات الخارجية التي يكشف عنها الشرع.

فإنه يقال : أولا نمنع ذلك ، بل إنهما من الأحكام الوضعية الشرعية ، ولذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما كما لا يخفى.

وثانيا : أنهما لو كانا كذلك فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على إحداهما كانت حكمية ؛ فانه لا مرجع لرفعهما إلا الشارع ، وما كانت كذلك ليست إلا حكمية ، انتهت عباراته (قدس سره).

قلت : أما الجواب الأول ، فتقريبه أن ما يقابل الطهارة من النجاسة

__________________

(١) كفاية الاصول / ٣٣٧.

١٤

والحدث ، لو كان أمرا واقعيا خارجيا لكان من جملة المقولات الواقعية.

وما يحتمل منها ليس إلا مقولة الكيف القائم بالجسم في النجاسة ، والكيف القائم بالنفس في الحدث ، لما هو المعروف بينهم من أنه حالة معنوية ، وليس بعد الجسم محل يقوم به الحدث إلا النفس ، وكلاهما مشكل.

أما الكيف القائم بالجسم ، فمن الواضح أن المتنجّس ينجس بالذات على ما هو عليه من جواهره وأعراضه ، من دون عروض كيف حقيقي عليه ، ليكون مطابق ماهية النجاسة ، وليس من شرط الملاقاة أن يستصحب أجزاء من النجس بالذات ، أو عرضه القائم به ، ولو فرض لحوق شيء منه ، فزواله محسوس بغير الماء أيضا ، فلا معنى لبقاء أمر عيني في المحل.

وأما النجس بالذات من الأعيان المعروفة من البول والغائط والميتة والكافر وغيرها ، فهي مع ما يشاكلها من الأعيان الطاهرة في الصورة النوعية والشخصية والاعراض القائمة بهما على حد سواء.

فالدم مما له نفس سائلة ، وما ليس له نفس سائلة ، والميتة منهما ، والبول والغائط من مأكول اللحم ، وغيره ، وبدون الكافر ، والمسلم كلها في جواهرها وأعراضها حسّا وعيانا على حد سواء ، فما ذلك الكيف القائم بالجسم المختص بالنجس ، أو المتنجس.

وأما الكيف النفساني القائم بالنفس في الحدث ، فالأمور القائمة بالنفس :

تارة من الصور العلمية من الاعتقادات الصحيحة التي هي كمال النفس او الاعتقادات الفاسدة التي هي نقصها ، أو غيرهما مما ليس كمالا ونقصا بهذا المعنى ، وان كان فعلية التعقل بمعنى آخر كمال الجوهر العاقل.

واخرى من الملكات الفاضلة والاخلاق الرذيلة

وثالثة من مبادئ صدور الفعل الاختياري.

والحدث ليس شيء منها جزما ؛ إذ المحتمل هو كونه حالة رذيلة توجب

١٥

البعد.

مع أن الجنابة حالة تحصل للنبي والوصي والمؤمن ، وحاشاهم من اتصاف نفوسهم الكاملة بصفة نقص أو خلق رذيل. مع ان خروج المني ، أو مس الميت ، أو النوم لا يوجب حدوث خلق رذيل في النفس ، بل ربما تقع هذه الأمور على وجه العبادية المكملة للنفس.

مع أن الملكة الرذيلة النفسانية لا تزول بالغسل والوضوء ، بل بضد تلك الحالة ، ولعله لذا ورد عنهم (عليهم السلام) إن المؤمن لا ينجس ، وإن الوضوء والغسل من حدود الله تعالى (١).

وعليه فيدور الأمر في الطهارة وما يقابلها بين أن يكونا حكمين تكليفيين ، أو أمرين انتزاعيين من الحكم التكليفي ، أو من غيره ، أو اعتبارين وضعيين شرعيين ، على ما نراه من اعتبار معنى مقوليّ أو غير مقولي ، كما في اعتبار الملكية ، أو اعتبار الوضع والارتباط بين اللفظ والمعنى.

وقد ذكرنا في غير مقام : أن مفاهيم هذه الألفاظ غير مفاهيم وجوب شيء وإباحة شيء ، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى بالحمل الذاتي ولا بالحمل الشائع ، فلا وجه لجعلهما عين الحكم التكليفي ، وأن قيام الأمر الانتزاعي بمنشئه يصحح حمل العنوان المأخوذ منه عليه ، على حد قيام شيء بشيء انضماما.

مع أنه لا يصح حمل العنوان المأخوذ من الطهارة وما يقابلها على الحكم ، بل على متعلق الحكم ، كما لا يصح انتزاعهما من الأسباب للوجه المزبور ، وأما انتزاعهما عن الأعيان أو عن البدن أو النفس ، فقد عرفت ما فيه آنفا.

__________________

(١) المحاسن ١ : ١٣٣ ، باب خلق المؤمن من طينة الانبياء ، وعنه بحار الانوار ٨٠ / ١٢٧ ، وإليك نص الرواية : عن زرارة ومحمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : إنّما الوضوء حدّ من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه ، وإنّ المؤمن لا ينجسه شيء ، إنّما يكفيه مثل الدهن.

١٦

فلم يبق إلا اعتبار الطهارة والنجاسة والحدث في عين أو شخص ، على حدّ اعتبار المالكية والمملوكية لمصلحة تدعو الى اعتبارها.

ويمكن أن يقال : إن النجس وما يساوقه مفهوما ـ كالرجس والدنس والقذر ـ ما يوجب تنفّر الطبع في قبال الطاهر الذي ليس فيه ما يوجب تنفر الطبع ، وتنفر الطبع ليس إلا بلحاظ عدم الملاءمة لقوة من القوى ، فما فيه رائحة منتنة غير ملائم للشامة ، وما كان كريه المنظر غير ملائم للباصرة ، وما كان مرّا للذائقة ، وما كان خشنا للامسة ، وهكذا بالاضافة إلى القوى الباطنة.

واقتضاء شيء لتنفر الطبع السليم أمر واقعي لا يزيد في الوجود على المقتضي ، بل هو ذاتي المقتضي إذا قلنا بأن خصوصية الفاعلية والاقتضاء في الفاعل والمقتضي ليست من الكيفيات الاستعدادية بل ذاتي العلة ، كما عليه بعض الأكابر (١) ، وإلا كانت داخلة في الكيفيات الاستعدادية.

ومن الواضح أن اقتضاءات الاعيان الخارجية المحسوسة لآثار موجبة لتنفر الطبع تختلف بالاضافة إلى الأشخاص علما وجهلا.

فالجاهل وإن لم يتنفر طبعه لتقوّمه وجدانا بالادراك ، لكن عدم فعلية تنفر الطبع لا ينافي وجود الاقتضاء واقعا.

وحيث إن الطهارة وما يقابلها بهذا المعنى ، فهما من المعاني العامة التي لا تختص بالاعيان الخاصة.

بل القلب المشحون بالعقائد الباطلة نجس خبيث ، فيوجب تنفر الطبع السليم والعقل المستقيم ، فانها نقص للنفس ، وهو مما يتنفر منه الطبع ، وازالتها

__________________

(١) الأسفار الأربعة ٢ / ٢٢٦.

١٧

بضدها تطهيرها.

وكذلك اتصاف النفس بالملكات الرذيلة ، وكذا اتصاف الشخص بالأعمال القبيحة.

ولعله إلى كل ذلك يشير قوله تعالى ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(١) فإن الغرض أرجاس الجهالة والملكات الرذيلة والاعمال القبيحة ، وكذا ما في الزيارة ( لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ) (٢) ، وكذا ما في الخبر ( بئس العبد القاذورة ) (٣) أي الذي موصوف بأنجاس الاعمال القبيحة.

وهكذا وبهذا الاعتبار تكون التوبة مطهرة للعاصي ، وإجراء الحد مطهرا للزاني مثلا ، كما أطلق عليهما التطهير.

وعليه فلا استبعاد في اقتضاء الأعيان المعروفة بالنجاسة لآثار توجب تنفر الطبع عند الالتفات اليها.

وحيث إنها توجب مباشرتها باعيانها تأثرا نوعا بما يوجب تنفر الطبع ، فطريق تطهيرها إزالتها بالماء ونحوه ، فلذا اختصت من بين سائر الموجبات للتنفر بعنوان النجاسة ، وتعرضوا لها في الفقه.

نعم لا نضايق من كونها اعتبارية في بعض الموارد ، كما في ملاقاة بدن الكافر ، حيث يدعى القطع بعدم اقتضاء نوعيّ لبدنه أثرا خاصا ، إلا أن معاشرته حيث توجب اكتسابات توجب تنفر الطبع ، فتأكيدا للزجر عن معاشرته اعتبرت النجاسة في مباشرته لحكمة نوعية ، لا لتأثير من بدنه في بدن

__________________

(١) الاحزاب : ٣٣.

(٢) الكافي ٦ : ٤٣٩ ح ٦ ، مصباح المتجهد : ٦٦٤.

(٣) وسائل الشيعة ٥ : ٦ / ٦.

١٨

الغير. هذا كله في الطهارة والنجاسة.

وأما الطهارة والحدث ، فالكلام فيهما من حيث كونهما وجوديين أو أحدهما وجوديا والآخر عدميا ، ومعنى كون ( الطهارة نورا والحدث ظلمة ) يحتاج إلى مجال واسع ، ربما يخرج تفصيل القول فيه عن وضع التعليقة.

وأما الجواب الثاني ، فهو تام ربما نتكلم فيه في موضع مناسب له.

* * *

١٩

[ أصالة البراءة ]

٣ ـ قوله (قدس سره) : لو شك في وجوب شيء أو حرمته ولم تنهض (١) ... الخ.

ذكر قدس سره في هامش الكتاب في وجه الجمع بين هذه المسائل في مسألة واحدة ما محصّله : أنه لا حاجة إلى عقد مسائل متعددة بعد الاتحاد في ما هو الملاك ، وما هو العمدة من الدليل على المهم إلى آخر ما أفاده (قدس سره).

وليعلم أن المسائل عبارة عن القضايا المشتركة في غرض واحد دوّن لأجله العلم ، وتعدد القضايا بما هي بتعددها موضوعا أو محمولا أو هما معا.

والواسطة في الثبوت والواسطة في الاثبات لا دخل لهما بالقضية ، فلا يكون وحدتهما وتعددهما موجبا لوحدة القضايا وتعددها.

وغرضه (قدس سره) ليس وحدة الواسطة ثبوتا وإثباتا ، بل وحدة الجهة التقييدية المقومة لموضوعية الموضوع بحسب الدليل المتكفل لهذا الحكم المجعول.

بيانه : أن كل محمول ثابت لموضوع : إما يكون من الأمور الواقعية الغير المتوقفة على جعل جاعل ، كالمحمولات المبحوث عنها في علم المعقول من إمكان شيء ، أو امتناعه ، أو وجوبه ، ومن جوهرية شيء أو عرضيته ، وأشباه ذلك ، فالموضوع لتلك المحمولات واقعي ، لا بجعل جاعل.

واما يكون من الامور الجعلية ، كوضع مادة كذائية لمعنى خاص أو هيئة كذائية لمعنى خاص ، فان الموضوع هي المادة الشخصية أو الهيئة النوعية بحسب ما جعله الواضع ، وكالاحكام الكلية المترتبة على الموضوعات الخاصة بحسب جعل الشارع ، فان المحمول حيث إنه شرعي ، فالاعتبار بما جعله

__________________

(١) كفاية الاصول / ٣٣٨.

٢٠