وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المترجم:
الموضوع : أصول الفقه الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم المطبعة: مهر
نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

تقديم :

بقلم حفيد المصنّف آية الله الحاج الشيخ مهدي مجد الإسلام النجفي.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد ، فإنّ علم أصول الفقه يعدّ من مقدّمات الاستنباط.

وقال المحقق الخراسانيّ في تعريفه : « صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل » (١).

الأصول والأدوار التي مرّ بها هذا العلم عند الشيعة الإمامية

تنقسم أدواره إلى خمسة :

١ ـ العصر التأسيسي : لقد ألقى الإمامان محمد بن علي الباقر ، وابنه جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام ، على تلاميذهما قواعد علم الأصول وطرق الاستنباط ، فهذان الإمامان يعدّان هما المبتكران والمؤسّسان لعلم الأصول ، وجاء من بعدهما تلاميذهما ورواة أحاديثهما ، فعنهما أخذوا ، ومن أنوارهما

__________________

(١) كفاية الأصول : ٩.

٧

اقتبسوا.

وأنت تجد بعض هذه القواعد الأصولية في رواياتهم الكثيرة الوفيرة المبثوثة في مطاوي كتب الأخبار ، ومجاميع الأحاديث (١) ، وهذه شواهد تاريخيّة على ذلك حيث تكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي عندهم.

وإذا نظرنا نظرة فاحصة نجد أنّ أوّل من صنّف في الأصول هو هشام ابن الحكم ، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، إذ صنّف كتاب الألفاظ ومباحثها ، كما صرّح به ابن النديم في الفهرست (٢).

وجاء من بعده يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين ، صنّف كتاب اختلاف الحديث ومسائله عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام ، وهو مبحث تعارض الحديثين ، كما ذكره الشيخ في الفهرست (٣) ، والسيد الصدر في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام (٤).

٢ ـ العصر التمهيدي : وهو ـ كما قيل ـ عصر وضع البذور الأساسية لعلم الأصول (٥) ، واستمرّ على نحو قرنين من الزمن ، ابتداء من عصر الغيبة سنة ٢٦٠ ه‍ إلى زمن الشيخ الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ).

ومن مختصّات هذا الدور التأليف والتصنيف وشرح الأحاديث الواردة عن الأئمّة عليهم السلام في المقام ، والشيخ رحمه الله هو الحلقة الوسطى في هذا الدور والّذي يليه ، ومن أعلام هذه الفترة :

الحسن بن موسى النوبختي ، ذكره ابن النديم في الفهرست ، وقال : متكلم

__________________

(١) انظر على سبيل المثال ، المجلّد الأول من جامع أحاديث الشيعة.

(٢) ص ٢٤٤.

(٣) ص ١٨١ رقم ٧٨٩.

(٤) ص ٣١٠ ـ ٣١١.

(٥) انظر المعالم الجديدة ـ للسيد محمد باقر الصدر ـ : ٨٧.

٨

فيلسوف (١).

وقال النجاشي : شيخنا المتكلّم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها ، له على الأوائل كتب كثيرة ، منها : ..... كتاب الخصوص والعموم ..... كتاب في خبر الواحد والعمل به (٢).

ومنهم : محمد بن أحمد بن الجنيد ، أبو علي الكاتب الإسكافي ( ت ٣٨١ ه‍ ).

قال النجاشي : وجه في أصحابنا ، ثقة ، جليل القدر ، وله ... كتاب كشف التمويه والإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس (٣).

ومنهم : أبو منصور الصرام النيشابوري المتكلّم المشهور صاحب كتاب بيان الدين في الأصول ، وله كتاب في إبطال القياس ، ذكره الشيخ في الفهرست (٤) ، والسيد الصدر في التأسيس (٥).

ومنهم : محمد بن أحمد بن داود بن علي ، أبو الحسن ( ت ٣٦١ ه‍ ).

قال النجاشي : شيخ هذه الطائفة وعالمها ، وشيخ القميّين في وقته وفقيههم .... صنّف كتبا ... كتاب الحديثين المختلفين (٦) ، وهو مبحث التعارض في الأصول.

ومنهم : أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ، الشيخ المفيد ( ت ٤١٣ ه‍ ).

قال النجاشي : شيخنا وأستاذنا ـ رضي الله عنه ـ فضله أشهر من أن يوصف في الفقه ، والكلام ، والرواية ، والثقة ، والعلم ، له كتب : ..... كتاب أصول

__________________

(١) ص ٢٢٥.

(٢) رجال النجاشي : ٦٣ رقم ١٤٨.

(٣) رجال النجاشي : ٣٨٥ و ٣٨٧ رقم ١٠٤٧.

(٤) ص ١٩٠ رقم ٨٥٢.

(٥) تأسيس الشيعة : ٣١٢.

(٦) رجال النجاشي : ٣٨٤ رقم ١٠٤٥.

٩

الفقه (١).

وقال عنه السيد الصدر : تام المباحث مع صغر حجمه ، وقد رواه ـ قراءة ـ عنه الشيخ أبو الفتح الكراجكي ، وأدرجه بتمامه في كتابه كنز الفوائد (٢).

ومنهم : السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي ، علم الهدى ( ت ٤٣٦ ه‍ ).

قال النجاشي : حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه ... صنّف كتبا منها : ... كتاب الخلاف في أصول الفقه .. كتاب الذريعة [ إلى أصول الشريعة ] (٣).

قال السيد الصدر : كان هذا الكتاب ( الذريعة ) هو المرجع الوحيد في هذا العلم ، والّذي يقرؤه الناس إلى زمان المحقّق نجم الدين الحلّي ، فلمّا صنّف المعارج وكان كتابه سهل العبارة والمأخذ عكفت الطلبة عليه (٤).

٣ ـ عصر العلم ، وهو ـ كما قيل ـ : العصر الّذي اختمرت فيه تلك البذور ، وأثمرت وتحددت معالم الفكر الأصولي ، وانعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع (٥).

ويعدّ ابتداء هذا العصر من قبل وفاة رائده الشيخ الطوسي في عام ٤٦٠ ه‍ ، واستمرّ إلى زمن أستاذ الكلّ الوحيد البهبهاني ( رضي الله عنه ) ، ومن أعلام هذا العصر :

الشيخ الطوسي صاحب عدّة الأصول ، والشيخ سديد الدين محمود الحمصي الرازي ، ونجم الدين المحقق الحلّي ( ت ٦٧٦ ه‍ ) صاحب معارج

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٩٩ رقم ١٠٦٧.

(٢) تأسيس الشيعة : ٣١٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢٧٠ ـ ٢٧١ رقم ٧٠٨.

(٤) تأسيس الشيعة : ٣١٣.

(٥) المعالم الجديدة : ٨٧.

١٠

الأصول ، وابن أخته آية الله العلاّمة جمال الدين الحلّي ( ت ٧٢٦ ه‍ ) صاحب النهاية ، وتهذيب الأصول ، والمبادئ ، وشرح غاية الوصول في علم الأصول ، وغيرها.

والشهيد الأول الّذي استشهد ( عام ٧٨٦ ه‍ ) والشهيد الثاني الّذي استشهد ( عام ٩٦٦ ه‍ ).

وفي أواخر هذه الدورة اشتدّ اختلاف الأخباريين مع الأصوليّين ، وبرزت شخصيّات علميّة أخباريّة كبيرة كان لها دورها حينئذ. ويعدّ ابتداء هذا العصر من أواسط القرن الخامس إلى أواخر القرن الثاني عشر.

٤ ـ عصر الكمال العلمي ، وابتداؤه على يد الوحيد البهبهاني رحمه الله إلى زمن تلاميذ المحقّق الخراسانيّ رحمه الله إذ استمرت ـ تقريبا ـ قرنين من الزمان.

ومن مختصات هذا العصر غلبة الأصوليّين على الأخباريّين على يد رائد هذه المدرسة وهو الوحيد البهبهاني ( ت ١٢٠٦ ه‍ ) صاحب رسالة الاجتهاد والأخبار ، ومن أعلام هذا الدور :

السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم ( ت ١٢١٢ ه‍ ).

وجدّنا من طريق الأم الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( ت ١٢٢٨ ه‍ ).

والميرزا أبو القاسم القمي صاحب القوانين ( ت ١٢٣١ ه‍ ).

وجدّنا العلاّمة التقي الشيخ محمد تقي الأصفهانيّ ( ت ١٢٤٨ ه‍ ) صاحب الهداية.

وشريف العلماء المازندراني ( ت ١٢٤٥ ه‍ ) وعمّنا الأكرم الشيخ محمد حسين الأصفهانيّ ( ت ١٢١٦ ه‍ ) صاحب الفصول ، والشيخ الأعظم الأنصاري ( ت ١٢٨١ ه‍ ) والمحقق الخراسانيّ ( ت ١٣٢٩ ه‍ ) ومن بعده تلاميذه المشهورون ، منهم :

١١

جدّنا أبو المجد الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهانيّ ( ت ١٣٦٢ ه‍ ) صاحب الوقاية ، والمحقق الأصفهانيّ صاحب نهاية الدراية ( ت ١٣٦١ ه‍ ) والمحقق العراقي ( ت ١٣٦١ ه‍ ) صاحب مقالات الأصول ، وصاحب التقريرات المشهورة المحقق النائيني ( ت ١٣٥٥ ه‍ ).

٥ ـ عصر التهذيب والتلخيص والتبويب.

صار اليوم علم الأصول علما واسعا جدّاً بحيث كاد أن يهلك طالبه فيه ، وله أبحاث ليس فيها ثمرة عمليّة في علم الفقه ككثير من مقدّماته وتعريفاته ، فعلى الأصولي ـ اليوم ـ تهذيب علم الأصول من الزوائد ، وعلى طالب علم الأصول أن ينظر إلى الأصول بعنوان علم آلي لا غير ، شأنه آليته ، وهي إيصال الطالب إلى الاستنباط وعونه عليه.

ولعلّ بذور هذه الدورة انتشرت من العلاّمة السيد محمد الفشاركي الأصفهانيّ ( ١٢٥٣ ـ ١٣١٦ ) المدرّس أوّلا بسامرّاء ، وثانيا في النجف الأشرف ، ثم من تلميذيه ، وهما جدّنا العلاّمة صاحب الوقاية ( ١٢٨٧ ـ ١٣٦٢ ) والعلاّمة المؤسّس الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ( ١٢٧٦ ـ ١٣٥٥ ) صاحب درر الفوائد ، وتبعهم في ذلك بعض أعلام العصر ، منهم : فقيد الإسلام الحاج آغا حسين الطباطبائي البروجردي (قدس سره) في تقريراته ـ المسماة ب ـ نهاية الأصول.

والعلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي رحمه الله صاحب الميزان في حاشيته على الكفاية.

والعلاّمة الشيخ محمد رضا المظفّر في كتابه أصول الفقه الرائج في الحوزات العلميّة بين الطلبة.

والعلاّمة الشهيد السيد محمد باقر الصدر في المعالم الجديدة وحلقاته الأصولية.

١٢

والعلاّمة السيد محمد الطهراني الشهير بالعصار في ( بركات الرضوية في تلخيص الأصول عن الزوائد والفضول ).

والشيخ غلام حسين التبريزي نزيل خراسان في ( أصول مهذبة ).

والإمام السيد روح الله الموسوي الخميني في تقريراته المسمّاة بـ ( تهذيب الأصول ).

أثمرت تلك البذور من أواسط القرن الرابع عشر ، وتدوم إلى الآن ، وتؤتي أكلها كلّ حين.

هذه الأدوار الأصولية عند الإمامية على سبيل الاختصار والإجمال ، والتفصيل يطلب من محلّه.

تنبيه :

قال السيوطي في الأوائل : أوّل من صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع.

أقول : إن أراد السيوطي أوّل من صنّف في الأصول مطلقا من الخاصّة والعامّة ، فهو مردود بقول العلاّمة الصدر في تأسيس الشيعة حيث يقول :

وحينئذ فقول الجلال السيوطي في كتاب الأوائل : أول من صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع ، في غير محلّه إن أراد التأسيس والابتكار ـ كما مرّ في عصر التأسيس ـ.

وإن أراد المعنى المتعارف من التصنيف ، فقد تقدّم على الإمام الشافعي في التأليف فيه هشام بن الحكم ـ المتكلّم المعروف ـ من أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام (١).

__________________

(١) تأسيس الشيعة : ٣١٠.

١٣

وإن أراد أول من صنّف من العامة فقط فهو أيضا محلّ ترديد.

قال الأستاذ الفقيد محمود الشهابي الخراسانيّ في ذيل قول السيوطي :

ولكني لست على يقين من ذلك ، بل المحتمل عندي أن يكون أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ـ وهو أول من لقّب بـ ( قاضي القضاة ) ـ سابقا على الشافعي بتأليف الأصول لأن القاضي توفي سنة ( ١٨٢ ه‍ ق ) والشافعي مات في سنة ( ٢٠٤ ه‍ ق ) وقد قال ابن خلّكان في ترجمته : إنّ أبا يوسف أوّل من صنّف في أصول الفقه وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة.

وهكذا يحتمل جدّاً أن يكون محمد بن الحسن الشيباني ـ فقيه العراق الّذي لمّا مات هو والكسائي في يوم واحد بـ ( الري ) وكانا ملازمين للرشيد في سفره إلى خراسان ، قال الرشيد في حقّه : دفنت الفقه والأدب بـ ( رنبويه ) ـ مقدّما على الشافعي في تأليف الأصول ، لأنّ الشيباني توفّي سنة ( ١٨٢ ـ أو ـ ١٨٩ ه‍ ق ) وقد صرّح ابن النديم في الفهرست بأن الشيباني من مؤلّفاته الكثيرة تأليفا يسمّى بـ ( أصول الفقه ) وتأليفا سمّاه ( كتاب الاستحسان ) وآخر باسم ( كتاب اجتهاد الرّأي ).

على أنّ الشافعي ـ بتصريح من ابن النديم ـ لازم الشيباني سنة كاملة ، واستنسخ في المدّة لنفسه من كتب الشيباني ما استحسن ، وقد أذعن الشافعي نفسه بذلك وأعلن ، فقال من غير نكير : كتبت من كتب الشيباني حمل بعير ، وكيف كان ، فإن لم يحصل اليقين بتقدّم القاضي والشيباني على الشافعي في التأليف فلا أقلّ من أن لا يحصل لنا يقين بتقدّمه عليهما ، فالحكم الباتّ بكون الشافعي أوّل من صنّف في أصول الفقه كما ترى (١). انتهى.

__________________

(١) فوائد الأصول ( المقدمة ) : ٧ ـ ٨.

١٤

بين يدي الوقاية

قال العلاّمة الطهراني في تعريف الوقاية : « ... وقاية الأذهان والألباب ولباب أصول السنّة والكتاب ، في أصول الفقه ، كبير جدّاً ، في غاية الحسن وبداعة الأسلوب ورشاقة البيان ، والحق أنّه أدخل في تأليف هذا الكتاب على علم الأصول نوعا من التجدّد في التبويب والتهذيب والنمط » (١).

أقول : صنّف العلاّمة الجدّ ، الوقاية ما بين عشر الثلاثين إلى عشر الخمسين من القرن الرابع عشر ، وطبع في ذاك الزمان أجزاء منها ببلدة أصبهان.

وللوقاية مختصّات نشير إلى جملة منها ، والباقي مفوّض إلى القارئ الفطن.

الأوّل : لمّا كان مصنّفها أديبا كبيرا ، صارت مباحث ألفاظها مشحونة بالتحقيقات والتدقيقات التي لم تجدها في كثير من الكتب الأصولية ، وللمصنّف فيها إبداعات ومتفرّدات حيث انه جعل رسالة مستقلّة في مقدمات الأصول وهي : سمطا اللئال ـ أو ـ جليّة الحال في مسألتي الوضع والاستعمال.

ومن متفرداته : جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.

قال مخاطبا لأستاذه صاحب الكفاية : وقد ذكر هذا الأستاذ في بعض كلامه : إنه لا يمكن استعمال اللفظ في معنيين إلاّ إذا كان المستعمل أحول العينين ، وما هذا إلاّ خطابة حسنة ، ولكن أحسن منها أن يقال : إنّه يكفي في ذلك أن لا يكون ذا عين واحدة ، فإذا كان ذا عينين أمكنه استعمال العين في معنيين (٢).

ولمّا بلغ ذلك المحقق العراقي ، قال في مقالاته الأصولية : « ثم إن بعض أعاظم العصر بالغ في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، واستشهد

__________________

(١) نقباء البشر ٢ : ٧٥٢.

(٢) راجع : صفحة ٨٧ من هذا الكتاب.

١٥

بأبيات وعبارات من القصص والحكايات على مدّعاه ، وذلك ليس إلاّ من جهة خلط المبحث ... » (١).

وأجاب عنه المصنّف العلاّمة في رسالة مفردة سمّاها بـ ( إماطة الغين عن استعمال العين في معنيين ) (٢).

وأرسل المصنّف نسخة منها إلى المحقق العراقي ، ونسخة أخرى إلى بيت صاحبه العلاّمة المؤسّس الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ، حيث وافاه الأجل قبل تصنيف الرسالة بأربع سنين ، ونسختها موجودة عند العلاّمة الفقيد الشيخ مرتضى الحائري حيث رآها العلاّمة السيد موسى الشبيري الزنجاني ـ مدّ ظله ـ كما ذكره لي ، والنسخة التي بخط المصنّف موجودة عندنا بتمامها ، فرغ منها سابع عشر شهر شعبان سنة ١٣٥٩ ه‍ ق ، وقد طبعت في ختام رسالة في الوضع والاستعمال (٣) للعلاّمة الشيخ محمد حسن القديري من غير تعرض لاسمها ، ونقلها من خط والده العلاّمة الشيخ علي القديري من أعلام تلاميذ المصنّف ويحدّثنا المصنّف عن علّة تأليفها : .... والّذي دعاني إلى تجديد القول أنّ عالم العصر وعلاّمة الزمان والعلم المشار إليه في العلمين وغيرهما بالبنان ، الراقي مدارج العلم أعلى المراقي صاحبي الشيخ ضياء الدين العراقي دام فضله ، شرّفني بنقل مقالتي في كتاب المقالات ، وقال ما نصّه : « ثم إنّ بعض أعاظم العصر ... وهذا حكومة بيني وبين المانعين ».

وقبل هذا القول ـ جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ـ المؤسّس الحائري حيث قال في درره ما نصّه : « اختلف في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ... على أقوال لا يهمّنا ذكرها بعد ما تطّلع على ما هو الحق

__________________

(١) مقالات الأصول ١ : ٤٨.

(٢) راجع صفحة ٦١٢ من هذا الكتاب.

(٣) ص ٧٣ ـ ٨١.

١٦

في هذا الباب ، والحق الجواز ، بل لعلّه يعدّ في بعض الأوقات من محسّنات الكلام ... » (١).

قال المصنّف في ( إماطة الغين ) عن قبول المؤسّس الحائري لهذا القول : « عرضت ذلك على عدّة من علية أهل العلم وزعمائه قابلني بالقبول عدّة من أعلامهم ، أكتفي بذكر واحد منهم لأنه كما قيل : ( ألف ويدعى واحدا ) أعني واحد الدهر وفريده ، وعلاّمة الزمان وحفيده ، صاحبي الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري بوّأه الله من الجنان في خير مستقر ، كما حلّي عاطل جيد العلم بغالي الدرر ، فإنه ذهب إلى ما ذهبت إليه بعد طول البحث في ذلك » (٢).

وبعد المصنّف قبل بعض الأعلام هذه المقالة منهم :

آية الله العظمى المحقق الخوئي ، يقول : .... فالمتحصّل من المجموع أنّه لا مانع من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد (٣). واستدرك عليه بعد صفحة : نعم هو مخالف للظهور العرفي فلا يمكن حمل اللفظ عليه بلا نصب قرينة ترشد إليه (٤).

ومنهم : آية الله المحقق السيد علي الفاني ، حيث يقول : « فتلخّص من جميع ما ذكرنا جواز استعمال لفظ واحد في غير واحد من المعاني ، كما ظهر أنّ استشهاد شيخ مشايخنا النجفي ( قدس سره ) لجواز الاستعمال بأبيات عربيّة ، واستعمالات أدبيّة الّذي سمّاه بعض الأعاظم رحمه الله بالاستشهاد بأبيات وحكايات ، إنّما هو استدلال لإمكان الشيء بوقوعه ... » (٥).

ومنهم : العلاّمة الشيخ محمد حسن القديري ، قال : « فتحصّل أنّ استعمال

__________________

(١) درر الفوائد ١ : ٥٥ ، الطبعة ، الحديثة.

(٢) راجع صفحة ٦٠٧ من هذا الكتاب.

(٣) محاضرات في أصول الفقه ١ : ٢٠٨ و ٢١٠.

(٤) محاضرات في أصول الفقه ١ : ٢٠٨ و ٢١٠.

(٥) آراء الأصول ١ : ٢٣٧.

١٧

اللفظ في أكثر من المعنى الواحد جائز وحقيقي » (١).

ومن متفرّداته : أنّ جميع الاستعمالات فيما وضع له ، حتى المجاز منها ، وأنكر تعريف المجاز بأنه وضع اللفظ في غير ما وضع له من أصله ، وأقام على دعواه البرهان والوجدان ، وأوّل من قبل هذا القول منه العلاّمة الكبير الشيخ عبد الله الگلپايگاني من أعاظم تلاميذ المحقق الخراسانيّ.

يحدّثنا المصنّف عن كيفيّة قبوله : « إنّي لمّا ألقيت هذا المذهب على جماعة من الطلبة كانوا يقرءون عليّ كتاب الفصول في النجف الأشرف سنة ١٣١٦ ه‍ لم يلبث حتى اشتهر ذلك منّي في أندية العلم ومجالس البحث ، فتلقّته الأذهان بالحكم بالفساد ، وتناولته الألسن بالاستبعاد ، وعهدي بصاحبي الصفيّ ، وصديقي الوفي ، وحيد عصره في دقّة الفهم واستقامة السليقة وحسن الطريقة ، العالم الكامل الربّاني ، الشيخ عبد الله الجرفادقاني ، رحم الله شبابه ، وأجزل ثوابه ، سمع بعض الكلام عليّ ، فأدركته شفقة الأخوّة ، وأخذته عصبية الصداقة ، فأتى داري بعد هزيع من الليل ، وكنت على السطح ، فلم يملك نفسه حتى شرع بالعتاب وهو واقف ـ بعد ـ على الباب وقال : ما هذا الّذي ينقل عنك ويعزى إليك ، فقلت : نعم وقد أصبت الواقع وصدق الناقل ، فقال : إذا قلت في شجاع : إنه أسد ، فهل له ذنب؟ فقلت له مداعبا : تقوله في مقام المدح ، ولا خير في أسد أبتر ، ثم صعد إلي وبعد ما أسمعني أمضّ الملام ألقيت عليه طرفا من هذا الكلام ، فقبله طبعه السليم ، وذهنه المستقيم ، فقال : هذا حق لا معدل عنه ولا شك فيه ، ثم كتب في ذلك رسالة سمّاها : فصل القضاء في الانتصار للرضا ، ومن ذلك اشتهر القول به ، وقبلته الأذهان الصافية ، ورفضته الأفهام السقيمة » (٢).

__________________

(١) رسالة في الوضع والاستعمال : ٧٣.

(٢) راجع : صفحة ١١٤ ـ ١١٥ من هذا الكتاب.

١٨

أقول : قال العلاّمة الطهراني في تعريف هذه الرسالة : « فصل القضاء للانتصار للرضا ، رسالة ألّفها الشيخ عبد الله الگلپايگاني ( ١٢٨٥ ـ ١٣٢٧ ) مؤلّف التبر المسكوك وغيره ، انتصر فيه للشيخ أبي المجد محمّد الرضا الشهير بآقا رضا الأصفهانيّ من إنكاره المجاز رأسا ، وأنّ جميع الاستعمالات فيما وضع له من العرب ، وذكر تفصيله في كتابه ( جلية الحال في معرفة الوضع والاستعمال ) مطبوع » (١).

ومن الذين قبلوا من المصنّف هذا القول فقيد الإسلام الحاج آغا حسين الطباطبائي البروجردي ، فقال : « والحاصل أنّ اللفظ يستعمل دائما في نفس ما وضع له ، غاية الأمر أن المراد الجدّي إمّا أن يكون نفس الموضوع له حقيقة ، وإمّا أن يكون عينه أو من أفراده ادّعاء وتنزيلا » (٢).

ومنهم : العلاّمة الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني ، فقال في الأمر الخامس في معنى المجاز ما نصّه : « ثمّ إنّي أرى خلاف الإنصاف أن أرتضي رأيا في هذا المقام غير ما وقفت على تحقيقه من العلاّمة أبي المجد الشيخ محمد رضا الأصفهاني ( قدس سره ) في وقايته ، واستفدت منه شفاها ، وملخّص ما أفاده .. » (٣).

وقال نجله العلامة السيد مصطفى الخميني : « الطريقة الثانية ما أفاده السكاكي في خصوص الاستعارات ، وهو السبب لانتقال الشيخ أبي المجد محمد رضا الأصفهاني رحمه الله في الوقاية إلى تهذيبه وتوسعته فهذّبه ... وإلى هذه المقالة خضع جمع من الأعلام كالوالد والسيد البروجردي ، وهو ممّا لا ينكر بنحو

__________________

(١) الذريعة ١٧ : ٢٣٤.

(٢) نهاية الأصول ١ : ٢٦.

(٣) تهذيب الأصول ١ : ٤٤ ، الطبعة الحديثة.

١٩

الإجمال بالضرورة » (١).

ومنهم : العلاّمة الشيخ محمد حسن القديري ، فقال في رسالته في الوضع والاستعمال : « وحيث انّ هذا الكلام مرضيّ عندي أيضا أنقل ما أفاده من وقايته أداء لحقّه وحقّ والدي رحمة الله عليهما » (٢).

ومن متفرداته : حجيّة قول اللغوي ، قال المصنّف : « وكيف يعدّ الرازي والقرشي من أهل صناعة الطب ، ولا يعدّ الخليل وأبو عمرو بن العلاء من أهل صناعة اللغة! ثم إنّ أئمّة هذا الفن هم الأئمّة المقتدى بهم في علمي النحو والصرف وغيرهما من العلوم العربية ، فكيف صار كلامهم حجّة في تلك العلوم دونها!؟ وبأي وجه لا يصدّق الخليل وهو الوجه والعين فيما ينقله عنه صاحب الكتاب من وجوه الإعراب؟ هذا هو الحيف ، إلاّ أن يمنع هذا المانع حجيّة أقوالهم في جميعها ، فتكون هذه الطامّة جناية على علوم العربيّة عامة » (٣).

وعلّق على أبي عمرو بن العلاء بقوله : « الإمام المعروف أحد السبع الّذي اتفق الأصحاب على صحّة قراءته ، فكيف يؤتمن على كلام الله تعالى ولا يؤتمن على كلام العرب » (٤)؟!.

الثاني من مختصات الوقاية : قلم مصنّفها العربي الّذي لا يكاد يشمّ منها رائحة العجمة ، حتى أنه انتقده بعض الأعاجم لهذه الجهة.

يحدّثنا المصنّف عن ذلك ، فيقول : « بلغني أنّ بعض فضلاء العجم اطلع على أجزاء من هذا الكتاب ، فقرّضه أبلغ تقريظ ، واثني عليه أحسن الثناء ، ولكنّه انتقد عليه بعبارة فارسيّة ، محصّلها : أنّ عبارته عريقة في العربية لا تشبه متعارف

__________________

(١) تحريرات في الأصول ١ : ٨٨ ـ ٨٩.

(٢) رسالة في الوضع والاستعمال : ٥٥.

(٣) راجع : صفحة ٥١٠ من هذا الكتاب.

(٤) راجع : صفحة ٥١٠ من هذا الكتاب.

٢٠