منتقى الأصول - ج ٧

السيد عبد الصاحب الحكيم

منتقى الأصول - ج ٧

المؤلف:

السيد عبد الصاحب الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٥٦

١
٢

٣
٤

قاعدة اليد

٥
٦

قاعدة اليد

لا إشكال في تقدم القاعدة المذكورة على الاستصحاب وان لم تكن من الأمارات ، بل كانت من الأصول ، لأنها واردة في موارده غالبا ، فيلزم من تخصيص دليل الاستصحاب لدليلها عدم بقاء مورد لها إلا نادرا ، فيوجب ذلك لغوية اعتبارها كقاعدة كلية كما لا يخفى.

ثم أنه لا أهمية في البحث عما يتعلق بلفظ « اليد » من كونه لفظا حقيقيا أو كنائيا أو غير ذلك ، بعد معرفة المراد منها وهو الاستيلاء الخارجي. كما لا أهمية في الكلام في كون مسألة اليد مسألة أصولية أو فقهية.

وإنما يقع المهم من الكلام فيها في جهات :

الجهة الأولى : في حجية اليد على الملكية.

وهي من المسلمات في الجملة لدى الأعلام واستدل لها ببناء العقلاء والسنة.

٧

أما السنة : فهي روايات أربع :

الأولى : موثقة حفص بن غياث التي فيها : « أرأيت إذا رأيت شيئا في يد رجل أيجوز لي أن أشهد انه لا؟. قال عليه‌السلام : نعم. فقال الرّجل : اشهد انه في يده ولا اشهد انه له فلعله لغيره ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : أفيحل الشراء منه؟. قال : نعم. فقال عليه‌السلام : فلعله لغيره ، فمن أين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ، ولا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك. ثم قال عليه‌السلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق » (١).

ووجه الاستدلال بها : انه عليه‌السلام أجاز الشهادة على الملك باعتبار أن الشيء المشهود به في يد المشهود له ، كما أجاز الشراء بهذا الاعتبار.

يؤكده استفهام الإمام عليه‌السلام التقريري للسائل ونقضه عليه حين توقف من أداء الشهادة على أنه له ، فانه يدل على ان هذا الأمر من الارتكازيات العقلائية التي لا تقبل الإنكار ، ولذلك اقتنع السائل بنقض الإمام عليه‌السلام.

ولكن التحقيق عدم دلالة الرواية المذكورة على حجية اليد على ملكية المال الّذي يكون باليد ، وذلك لأن جواز الشراء والحكم بملكية المشتري للمبيع لا يتوقف على كون البائع مالكا للمبيع ، بل يكفي فيه كونه مالكا للتصرف فيه. وعليه فما ذكره الإمام عليه‌السلام نقضا على السائل في توقفه من جواز الشراء من ذي اليد لا يدل على جواز الشهادة على الملكية باعتبار اليد ، إذ لا ملازمة بين جواز الشراء وجواز الشهادة على الملك. نعم ، بينه وبين جواز الشهادة على ملك التصرف ملازمة. فمن اقتناع السائل بالنقض يستكشف ان المسئول عنه هو جواز الشهادة على ملك التصرف ، وأن المال له تصرفا وولاية أعم من أن يكون مملوكا

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٨ ـ ٢١٥ باب : ٢٥ من أبواب كيفية الحكم ، الحديث ٢.

٨

له أو لا يكون. وإلا لم يقتنع السائل إذ لا ملازمة كما عرفت.

فالرواية ـ بمقتضى ظاهر النقض واقتناع السائل به ـ لا تدل إلا على جواز الشهادة على ملكية التصرف لا ملكية نفس المال.

وهذا وإن كان خلاف ظاهر التعبير بـ « أشهد انه له » بدوا ، إذ ظاهره كونه الشهادة بالملكية ، إلاّ انه كثيرا ما يقع استعمال مثل هذا التعبير فيما يشابه ما ذكرناه في لسان أهل العرف ، كما لا يخفى على الملتفت إلى موارد الاستعمال.

ويدل عليه قوله عليه‌السلام في النقض : « ثم تقول بعد الملك هو لي » ، فانه ظاهر في ان : « هو لي » وشبهه ليس مفاده بيان الملكية ، بل ما يترتب عليها من ولاية التصرف ، فيدل على ان الكلام بين الإمام والسائل دائر حول الشهادة بولاية التصرف لا الملكية ، وإلا لكان الأنسب ان يقول « ثم تقول بعد الشراء هو لي » لا بعد الملك ، فالتفت.

وأما التزام ان المفروض كون الدوران في المورد المسئول عنه بين يد الملك ويد الغصب ، بحيث إذا انتفى احتمال الغصبية يعلم بأنها يد ملك لا ولاية ـ مثلا ـ وحينئذ فتكون هناك ملازمة بين جواز الشراء وبين جواز الشهادة ، لأن الشراء انما يكون باعتبار الحكم بالملكية لليد ، وهو يلازم جواز الشهادة.

فهو مما لا شاهد عليه في الرواية ، لأن المسئول عنه قضية حقيقية مطلقة قد يتفق وقوعها للسائل بلا تقييد لها بنحو خاص.

ولو سلم ذلك. فلا يدل على المدعى أيضا ، بعد البناء على ان جواز الشراء انما يستند إلى ملكية التصرف بالمال لا ملكية نفس المال. فان اليد حينئذ انما تدل على الملكية في خصوص المورد باعتبار العلم بالملازمة بين ملكية التصرف وملكية المال ، لأن المفروض ان الدوران بين الملكية والغصبية ، فإذا جاز التصرف فقد انتفى احتمال الغصب فيثبت احتمال الملكية ، فاليد إذا دلت على ملكية التصرف بالمال ـ كما هو ظاهر النقض ـ فقد دلت بالملازمة على ملكية المال لذي اليد ، فجواز الشهادة

٩

بالملكية ـ الّذي يدعى استظهاره من السؤال والجواب في الرواية ، وان ناقشنا فيه واستظهرنا كون السؤال عن الشهادة بملكية التصرف بقرينة النقض وقناعة السائل به ـ يختص بالمورد باعتبار الملازمة الاتفاقية المذكورة ، فمع ثبوت ملكية التصرف وجواز الشهادة عليها بلحاظ اليد تثبت ملكية نفس المال فتجوز الشهادة عليها.

وبالجملة : فدلالة اليد على الملكية في المورد باعتبار الملازمة ، غير دلالتها على الملكية مطلقا ومطابقة كما هو المدعى.

وعلى هذا ، فلا دلالة للرواية المذكورة على حجية اليد على الملكية.

الثانية : ما عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في حديث فدك حيث قال عليه‌السلام لأبي بكر : « أتحكم فينا بخلاف حكم الله؟ قال : لا. قال عليه‌السلام : فان كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادعيت انا فيه ، من تسأل البينة؟. قال : إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه. قال عليه‌السلام : فإذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي ... » (١) الخبر.

وتقريب الاستدلال بها : أن الإمام عليه‌السلام جعل نفسه منكرا ومدعى عليه بما انه ذو يد ، وجعل أبا بكر مدعيا باعتبار مخالفة قوله للحجة ـ فاستنكر على أبي بكر مطالبته له بالبينة ـ ولا حجة في المقام سوى اليد ، والدعوى المفروضة هي الملكية ، فاليد حجة عليها.

ولكن الإنصاف عدم دلالة الرواية على المدعى ، لأن المعنى العرفي للمدعي والّذي عليه المشهور هو : « من لو ترك ترك » ، والخلاف بين الإمام عليه‌السلام وأبي بكر إنّما هو في تطبيق حكم من أحكام القضاء ، وهو مطالبة المدعي بالبينة دون المدعى عليه ، واستنكار الإمام عليه‌السلام على أبي بكر انما هو في مطالبته بالبينة ، لأنه ليس مدعيا ، بل مدعى عليه ، لأنه ذو يد ، ومقتضى اليد صيرورته

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٨ ـ ٢١٥ باب : ٢٥ من أبواب كيفية الحكم ، الحديث ٣.

١٠

مدعى عليه وصيرورة أبي بكر مدعيا فعليه البينة ، لأنه بترك أبي بكر الدعوى يجري كل أمر على ما كان عليه ويستمر على حاله السابق. فاحتجاج الإمام عليه‌السلام لنفي وجوب البينة عليه بأنه ذو يد لا يدل على كون اليد حجة ، بل لصيرورة ذيها مدعى عليه. ولا يلزم ان يكون للمدعى عليه حجة كي يقال انها هاهنا منحصرة في اليد فتكون حجة على الملكية.

نعم ، لو قيل بان المدعي هو من خالف قوله الحجة ثم الاستدلال بالرواية ، لكنك عرفت ان المشهور على تفسيره بغير ذلك.

الثالثة : رواية حمزة بن حمران : « أدخل السوق فأريد ان أشتري جارية تقول أني حرة. فقال عليه‌السلام : اشترها إلا ان تكون لها بينة » (١) ..

ووجه الاستدلال بها : انه عليه‌السلام أجاز شراء الجارية مع ادعائها الحرية إلاّ ان تقوم البينة على حريتها ، فلا بد ان يستند الشراء إلى حجة وهي اليد لا سبب آخر كالبينة ، لأنه لو كان مصحح الشراء هو قيام البينة على المملوكية لما اتجه الحكم بعدم جواز الشراء عند قيام البينة على الحرية ، لأنها معارضة بالبينة القائمة على الرقية ، فلا بد ان تكون هي اليد ـ لأنها لا تعارض البينة ـ فتكون حجة على الملكية.

والتحقيق : عدم سلامة الاستدلال بها من الإشكال ، لأن ظاهر المورد هو سبق الرقية على الجارية ـ لامتياز الجواري في ذلك الزمان عن غيرهن ـ فترجع دعواها للحرية حينئذ إلى دعوى انقلابها عن الرقية إلى الحرية ، ومقتضى الاستصحاب ـ مع عدم البينة ـ بقاء الرقية ، فلعل الحكم بجواز الشراء مستند إلى الاستصحاب وهو مورود للبينة ـ كما لا يخفى ـ ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا بعدم ظهور المورد في سبق الرقية لعدم الامتياز ، بل

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٣ ـ ٣١ باب : ٥ من أبواب بيع الحيوان ، الحديث ٢.

١١

الظاهر دعواها الحرية مطلقا وعدم الرقية أصلا. فلا ظهور للرواية في استناد جواز الشراء إلى اليد ، إذ لم يفرض سائل معين يدعي الملكية وله يد على الجارية ، بل قد يكون البائع مجهول الحال ، بل لا يدعي الملكية بل يدعي عدمها ـ كما لا يخفى على من لاحظ أسواق بيع الجواري ، فان البائع غالبا لا يكون المالك ـ ولكنه في نفس الوقت يدعي المسوغ الشرعي لبيع هذه الجارية ، فقد يكون جواز الشراء مستندا إلى أصالة الصحة في عمل الغير وهي الحجة التي تسوغ الشراء ، وترتفع بالبينة. فلا دليل على إناطة الشراء باليد كي يكون الحكم بحجيتها حكما بملكية ذي اليد للجارية.

الرابعة : موثقة يونس بن يعقوب : « عن أبي عبد الله عليه‌السلام في امرأة تموت قبل الرّجل أو رجل قبل المرأة. قال : ما كان من متاع النساء فهو للمرأة ، وما كان من متاع الرّجال والنساء فهو بينهما. ومن استولى على شيء منه فهو له » (١).

وتقريب الاستدلال بها : انه عليه‌السلام قال : « ومن استولى على شيء منه فهو له » فحكم بالملكية بمجرد الاستيلاء وهو معنى اليد ، وبإلغاء خصوصية المورد يتعدى إلى باقي الموارد ويحكم فيها بحجية اليد على الملكية.

ولكنه غير تام ، لأن الظاهر من السؤال عدم وجود حجة شرعية في المورد توجب ثبوت شيء من المتاع إلى أحدهما ، وان الورثة في مقام الحيرة والتردد ، ولأجل ذلك حكم الإمام عليه‌السلام بملكية المتاع الخاصّ بالمرأة للمرأة استنادا إلى ظاهر الحال لأن اختصاص المرأة بالمتاع يوجب الظهور في ملكيتها للمتاع ، لا من جهة اليد ، إذ قد لا يكون لأحدهما يد معين على متاعه الخاصّ ، ومع ذلك يحكم بملكيته له من باب الظهور الحالي.

ومنه يظهر انه يمكن ان يكون الحكم بالملكية في صورة الاستيلاء لا من جهة

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٧ ـ ٥٢٥ باب : ٨ من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث ٣.

١٢

اليد ، بل من جهة كون الاستيلاء مرجحا لملكية المستولي للمستولى عليه ، لأنه يوجب ظهور ذلك ، بل بقرينة ما ذكرناه أولا من ان مفروض المقام عدم الحجة على التعيين ، وحكمه في صورة الاختصاص بملكية ذي الاختصاص ، وبالاشتراك في الملكية في المتاع المشترك يمكن الجزم بهذا الاحتمال ، وان التقسيم انما هو بلحاظ الظاهر الحالي للمتاع.

ولو سلمنا دلالة الرواية على ان الحكم بالملكية في صورة الاستيلاء باعتبار اليد ، فلا دليل على التعدي إلى سائر الموارد ، لأنه يمكن ان يكون للمقام خصوصية أوجبت اعتبار اليد فيه دليلا على الملكية ، بل هو الظاهر من الحكم الأولي في الرواية ، فانها لا تجري في غير المورد مما يكشف عن خصوصية فيه. فالتفت.

وقد تبين من جميع ما ذكرنا : انه لا دلالة لهذه الروايات على حجية اليد على الملكية أصلا. وكأن استظهار الفقهاء حجية اليد منها مبني على ما ارتكز في أذهانهم من حجيتها. فتدبر جيدا.

واما بناء العقلاء : فقد يقرب : بان العقلاء بانون على التعامل مع ذي اليد في الأسواق بلا توقف وتردد حتى قيام الحجة على ملكية ذي اليد لما في يده. وما ذلك إلا لأجل اعتبارهم اليد حجة على ملكية ذيها.

ولكن هذا التقريب لا يفي بحجيتها على الملكية ، لأنه انما يكشف عن اعتبارهم اليد حجة على ملكية ذي اليد للتصرف في المال الّذي في يده لا ملكية نفس المال ، لأنهم لا يعتنون في كون البائع مالكا أو وليا أو غير ذلك ولا يهمهم ذلك ، وانما المهم لديهم هو كون البائع مالكا للتصرف ، فلا يدل عدم توقفهم في التعامل على اعتبارهم اليد حجة على الملك ، بل حجة على ولاية التصرف لا أكثر ، وليس المهم في مقام التعامل كون البائع مالكا للمال كي يكون عدم توقفهم دليلا على حجية اليد على الملكية عندهم.

ويمكن الاستشهاد على ذلك بتعليل الإمام عليه‌السلام في رواية حفص

١٣

المتقدمة التي قربناها في حجية اليد على ملكية التصرف ، بأنه : « لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق » ، فانه تعليل لحجية اليد على ملكية التصرف ، فيكشف عن أن توقف قيام السوق انما هو على اعتبار اليد حجة على ملكية التصرف. لا على اعتبارها حجة على ملكية المال ، إذ لا يتوقف قيام السوق على ذلك ، لأن صحة التعامل لا تبتني على ملكية كلا الطرفين للمال.

فبناء العقلاء بهذا التقريب لا يكون دليلا على حجية اليد على الملكية.

نعم ، يمكن التمسك على حجيتها ببنائهم في بعض الموارد الجزئية ، كما لو مات شخص وكان في بيته مال كثير ، وقد يكون أكثر من شأنه ، فانهم يحكمون بملكيته للمال لأنه تحت استيلائه وتصرفه ولو لم تقم حجة عليها ، ولذا لو ادعى شخص بعض تلك الأموال يطلب منه إقامة البينة ، ولا يعتبر انه مدع بلا معارض. وكما لو كان بيد شخص مال يتصرف فيه وادعى آخر انه ولي المال لا مالكه. فأنكر ذو اليد وادعى ملكيته للمال ، فإنه يحكم له بالملكية لأنه ذو يد ما لم تقم البينة على عدمها.

فمن مثل هذه الموارد يستكشف بناء العقلاء على ملكية ذي اليد لما في يده من المال لأجل اليد. وإذا ثبت بناء العقلاء على حجيتها ، فعدم الردع من الشارع كاف في صحة العمل بها ، ولو لم يكن في البين إمضاء صريح. فيتحصل : ان اليد حجة على الملكية في الجملة.

الجهة الثانية : في أن اليد هل تكون أمارة أو أصلا.

ولا يخفى ان هذا البحث علمي صرف لا أثر عملي له ، لأن الحال لا يفترق في اليد سواء كانت أمارة أو أصلا ، لأن الأثر المختلف فيه من هذه الناحية انما يدور في محورين :

الأول : في إثبات اللوازم ، فانها إذا كانت أمارة كانت حجة على لوازم الملكية بخلاف ما إذا كانت أصلا.

الثاني : معارضتها مع الأمارات والأصول ، فإنها إذا كانت أمارة فهي تعارض

١٤

الأمارات الأخرى وتتقدم على الأصول ، بخلاف ما إذا كانت أصلا فانها تؤخر عن الأمارات ولا تتقدم على الأصول.

ولكن الحال فيها لا يختلف في كلا المحورين :

أما الأول : فلما بينا سابقا من أنه لا فرق بين الأمارة والأصل في عدم تكفل دليل اعتبارهما لإثبات لوازم مؤداهما بهما ، فالأمارة بدليل اعتبارها ليست حجة على اللازم كما أن الأصل كذلك.

نعم ، بعض الأمارات يكون لسانها الكشف عن المؤدى ولازمه ، وإثباتهما واقعا في مرتبة سابقة عن دليل اعتبارها ، فيتكفل دليل اعتبارها إثبات حجيتها فيه.

كما هو الحال في خبر الواحد ، فان الاخبار بالمؤدى إخبار عرفا بلازمه ، فيكون بمنزلة قيام خبرين خبر على المؤدى وخبر على اللازم ، فدليل اعتبار الخبر يتكفل لاعتباره في اللازم والملزوم. وهذا غير متحقق في اليد لأن اليد على الملكية ليست يدا على لوازمها ، فلوازم الملكية لا تثبت باليد. ولو فرض ان اليد على الملكية يد على لوازمها ، فلا يختلف الحال في كونها أمارة أو أصلا ، لأن دليل الاعتبار على كلا التقديرين يشملها لأنها من قبيل اليدين لا اليد الواحدة كما في الخبر.

وأما المحور الثاني : فلما عرفت من انه لا كلام في تقدم اليد على الاستصحاب وباقي الأصول ، كما انه لا إشكال في تقدم الأمارات الأخرى عليها كالبينة ، سواء كانت أصلا أم أمارة. فمن هنا يعلم عدم الأثر العملي للكلام في هذه الجهة ، فالبحث فيها علمي بحث ، وتحقيق الكلام في ذلك يستدعي بيان الفرق بين الأمارة والأصل ، والمراد من الأصل هاهنا.

فنقول : الوظائف العملية المتبعة في مقام الظاهر وعدم انكشاف الواقع على ثلاثة أقسام :

الأول : ما يلحظ فيه الجهل بالواقع ويفرض الواقع مجهولا ومستورا. وأن

١٥

هذه الوظيفة وظيفة للجاهل مع غض النّظر عن كون الواقع ما هو ومثل هذا يعبر عنه بالأصل كالبراءة.

الثاني : ما يلحظ فيه الواقع ، بمعنى أن مفاده يكون هذا هو الواقع ، لا أن يفرض مستورا. ومثل هذا يعبر عنه بالأمارة.

الثالث : ما كان وسطا بين القسمين وبرزخا بينهما بان كان وظيفة للجاهل وعدم العلم بالواقع ، ولكن كان فيه نظر إلى الواقع وجهة كشف عنه. فهو يشارك الأول في كونه وظيفة الجهل وعدم العلم وبهذا يفترق عن الثاني. ويشارك الثاني في كونه ذا جهة كشف ونظر إلى الواقع وبهذا يفترق عن الأول. ومثل هذا يعبر عنه بالأصل المحرز.

والمراد بأصلية اليد في قبال أماريتها انما هو النحو الثالث ـ أعني انها من الأصول المحرزة ـ لا النحو الأول. لا من جهة أن حجية اليد ثبتت ببناء العقلاء ، وليس للعقلاء أحكام ظاهرية يتعبدون بها ، بل نظرهم دائما إلى الواقع ، لأن هذا غير تام ، إذ يمكن ان يكون لهم أحكام ظاهرية تعبدية يعملون بها عند استتار الواقع حفظا للنظام ورعاية للشئون ، بل من جهة أن بناءهم على اعتبار اليد لما فيها من نظر إلى الواقع وكشف عنه.

فالكلام يقع في أن اليد أمارة أو أصل محرز ـ وان كان الظاهر من الاعلام في المقام إرادة الأصلية بالنحو الأول ـ وغاية ما يمكن ان يقال في تقريب الأمارية ثبوتا : ان الاستيلاء الخارجي لازم بالطبع لملكية المال ولازم لملكية التصرف ، فهو لازم أعم لملكية المال. لكن لزومه لملكية المال أقوى من لزومه لملكية التصرف ، من جهة غلبة ملكية المال وكون الاستيلاء الخارجي ناشئا عنه ، لغلبة نشوء ملكية التصرف عن ملكية المال. فمن جهة اللزوم الطبعي والغلبة المذكورة يكون لزوم الاستيلاء لملكية المال أقوى ، فيكون فيه نحو كشف عن الملكية ، وهو المعبر عنه بالكشف الناقص ، فتكون طريقا

١٦

للواقع وأمارة عليه.

واما إثباتا : فلا دليل على تعيين أحد الأمرين فيها ، إذ غاية ما هو ثابت ان فيها نظرا إلى الواقع وكشفا عنه. أما ان اعتبارها كان بهذا النحو فقط ، أو بنحو أخذ الواقع مجهولا فلا دليل عليه.

نعم ، يرجح جانب الأمارية بالاستظهار واستبعاد الأصلية ، وان الارتكاز العرفي ظاهر في كون التعبد بها لأجل طريقتها إلى الواقع.

وإلاّ فلا برهان على تعيين أحد النحوين.

وعلى كل فليس ذلك بمهم ، لما عرفت من عدم الثمرة العملية. وإنما دخلنا في هذا المبحث جريا على طريقة الاعلام.

الجهة الثالثة : في ان اليد هل تكون حجة مطلقا ، بمعنى انها حجة على الملكية ولو علم حال اليد سابقا في أنها غير مالكية ، بل كانت يد عادية أو إجارة مثلا. ثم شك في تبدلها إلى المالكية؟. أو تختص حجيتها في صورة الجهل بعنوان اليد السابق ، بحيث كان يحتمل أن تكون يد مالكية عند الاستيلاء؟.

اختار كل من المحقق الأصفهاني والنائيني والعراقي اختصاص حجيتها بصورة جهل العنوان وعدم حجيتها مع العلم بعنوان السابق وهو كونها غير مالكية. ووجه كل منهم ذلك بوجه يختلف عن توجيه الآخر.

فاما ما ذكره المحقق الأصفهاني ، فحاصله : انه بناء على أن اليد حجة من باب الطريقية فلا يصح التمسك بها في المقام ـ إلا على القول بان الطريقية من باب اللزوم الطبيعي ، لأنه متحقق في المقام ، إذ لا يتقيد تحققه بعدم المانع ، لأن عدم المانع شرط فعلية اللزوم لا تحققه ، فلا يمنع العلم بالحال من تحققه ، فملاكها متحقق ثبوتا ـ ، لأن اعتبارها من باب الطريقية يستدعي وجود ملاك الطريقية فيها كي يصح اعتبارها من هذه الناحية ، وإلا فلا يصح.

وفي المقام ينتفي ملاك الطريقية ، لأن طريقية اليد إلى الواقع : ان كان من باب

١٧

غلبة الملكية في اليد ، فهذا في المقام معارض بغلبة بقاء اليد على ما كانت عليه لغلبة بقاء الحادث على ما وجد عليه.

وحينئذ تتقيد الغلبة الأولى بالغلبة الثانية ، فيكون الغالب من افراد اليد ان تكون مالكية إلا إذا وجد الفرد النادر ، فان الغالب فيه بقاؤه على عنوانه. فالغلبة الأولى ضيقة الدائرة ، فلا يلحق مثل هذا المشكوك بالأيدي المالكية ، ويمتنع اعتبارها طريقا حينئذ لانتفاء ملاك الطريقية.

وان كان من باب ان الاحتواء الاعتباري يتقوى جانبه بالاحتواء الخارجي ـ كما قرب قدس‌سره الطريقية بذلك ـ فكذلك يجري فيه ما تقدم ، فان تقوي الاحتواء الاعتباري بالاحتواء الخارجي انما هو فيما إذا لم يكن ثبوت خلافه مرتكزا في الذهن بواسطة تقوي بقاء الحال على ما كان عليه ، فالمعارضة أيضا حاصلة ونتيجتها التقييد المذكور.

نعم ، لو قلنا بان اعتبارها من باب الأصلية لا الأمارية ، جاز التمسك بإطلاق دليل اعتبارها ـ لو كان له إطلاق وتم ـ في اعتبارها في المورد المزبور. هذا ملخص ما أفاده قدس‌سره (١) بتوضيح.

ولكن (٢) هذا منه غريب جدا ، لأن الطريقية الملحوظة في الأمارات انما يقصد

__________________

(١) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية ٣ ـ ٣٢٩ ـ الطبعة الأولى.

(٢) هذا وقد أورد عليه ( دام ظله ) في الدورة الثانية : أن المقصود من تضييق الغلبة الثانية ان كان انتفاء الغلبة الأولى فهذا باطل جزما ، لأن الفرد النادر لو كان جميعه على خلاف الغلبة الأولى لا ينافي تحقق الغلبة الأولى فضلا عن كون أغلبه كذلك.

فلو فرض ان أغلب أهل بلد كانوا شجعانا الا أغلب أهل شارع واحد منه فانه لا ينافي ان يقال : ان أغلب أهل البلد شجعانا. وإن كان أريد من ذلك تحقق المزاحمة بين الغلبتين وسقوط اليد عن الأمارية لأجل التزاحم. فيدفعه : ان غلبة مالكية اليد مزاحمة دائما للغلبة الاستصحابية سواء كان في عنوانها ـ كما فيما نحن فيه ـ أو في متعلقاتها ـ كما في سائر الموارد فكيف تكون حجة في مورد دون آخر؟

١٨

بها الطريقية النوعية الشأنية لا الشخصية الفعلية ، بحيث يختص اعتبار الأمارة في مورد تكون كاشفة عن الواقع فعلا دون غيره ، ولذلك يقال بحجية الظاهر ولو كان الظن الشخصي على خلافه.

والسر فيه : ان المناط في اعتبار الشيء طريقا وإمارة ليس متمحضا في الطريقية والكشف عن الواقع ، بل في الأمارة المعتبرة مصلحة خاصة أوجبت اعتبارها ، ولكن الاعتبار كان بعنوان الطريقية والكشف لا بملاكه ، فالطريقية حكمة للاعتبار لا ملاك وعلة ، ولذلك لو تخلف في بعض الموارد لا يخرج الدليل عن الحجية ، كما انها لو وجدت في موارد أخر ليست موضوع دليل الاعتبار ، لا يكون ذلك موجبا لحجية تلك الموارد ، ومن هنا يعلم بان الاعتبار لا يدور مدار تلك الطريقية وجودا وعدما.

ولأجل ذلك يلتزم بان في الأمارة جهة الموضوعية ، بمعنى ان اعتبارها كان بلحاظ مصلحة خاصة فيها ، وليست متمحضة في جهة الطريقية.

وعليه ، فما أفاده من انه في المقام لا يكون ملاك الطريقية في اليد لانتفائه بالمعارضة المذكورة ، فلا يصح اعتبارها فيه. ينافي ما يلتزم به من كون الظن في الأمارات نوعيا لا شخصيا ، ووجود جهة الموضوعية في الأمارة. فما ذكره مساوق لإنكار ذلك ، فالمعارضة المذكورة لا تنافي اعتبار اليد في المقام ، كما لا ينافي الظن الشخصي على الخلاف لاعتبار الظاهر. والاستحسان الظني المنعقد على خلاف مؤدى خبر الواحد لاعتبار الخبر ، مع ان كلا منهما يوجب رفع الكشف والطريقية.

فمن هنا يعلم ان المراد بالكاشفية النوعية أن الأمارة لو خليت وطبعها كانت كاشفة نوعا عن الواقع ، وهذا متحقق فيما نحن فيه ، لأن اليد مع قطع النّظر عن العلم بحالها السابق كاشفة نوعا عن الملكية ، وإلاّ فلو اعتبرت الكاشفية الفعلية للزم

١٩

خروج الخبر القائم على خلافه الاستحسان ، فانه يوجب رفع كاشفيته النوعية الفعلية ، مع انه لا يلتزم به أحد ، فلا بد من كون المراد بالكاشفية النوعية معنى لا ينافي ذلك وهو ما ذكرناه ، فالتفت وتدبر جيدا.

واما ما ذكره المحقق النائيني فهو : ان اليد انما تكون أمارة بما انها مشكوكة الحال ، فاستصحاب عدم تبدل حالها وبقائها على ما كانت عليه يكون حاكما عليها ، لأنه يخرجها عن كونها مشكوكة الحال بإثباته عدم كونها يد ملك ، فهو يحقق الغاية وهي العلم بالحال ، فيرتفع موضوع اعتبار اليد (١).

وتحقيق الكلام بنحو يتضح الإشكال عليه ، وعدم تمامية ما ذكره : ان العلم المأخوذ غاية لاعتبار اليد.

إما ان يضاف إلى نفس الواقع ـ أعني : الملكية وعدمها ـ فيكون اعتبار اليد مشروطا بعدم العلم بالملكية أو عدم الملكية.

واما ان يضاف إلى عنوان ينطبق على اليد من دون لحاظ الواقع من كونها يد عادية أو ولاية أو مالكية.

وهذا العنوان الّذي جعل العلم به غاية لاعتبار اليد :

تارة : يكون امرا منتزعا عن الواقع ، يعني انه ينتزع عن تحقق الملكية وعدمها.

وأخرى : لا يكون كذلك ، بل كان امرا حقيقيا لا يرتبط تحققه بالواقع. فالصور ثلاث :

أما الصورة الأولى ـ وهي ما أخذ العلم [ الغاية ] متعلقا بالملكية وعدمها ـ فلا إشكال في تقدم اليد على الاستصحاب ، لأن مجرى الاستصحاب حينئذ هو عدم الملكية. ومجرى اليد هو الملكية. فهما واردان على موضوع واحد ، فتقدم اليد لا محالة

__________________

(١) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول ٢ ـ ٢٢٥ ـ الطبعة القديمة.

٢٠