🚖

التقيّة في إطارها الفقهي

علي الشملاوي

التقيّة في إطارها الفقهي

المؤلف:

علي الشملاوي


الموضوع : الفقه
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم.

( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )

قران كريم : ١٠٦ النحل.

( إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ).

قران كريم : ٢٨ ال عمران.

( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ )

قرآن كريم : ٢٨ غافر.

التقية في كل ضرورة وصاحبها اعلم بها حين تنزل به

الامام الصادق .ع.

التقية من ديني ودين آبائي.

الامام الصادق .ع.

التقية الى يوم القيامة.

صحيح البخاري : الحسن البصري.

٥
٦

الاهداء

الى من بذلوا أنفسهم ونفيسهم ... اليّ ...

الى كل من ساعد في تكويني ...

الى اساتذتي الافاضل ...

أهدي هذه الثمرة ... التي هي من ثمرات جهودهم ....

علي الشملاوي

٧
٨

اشراقة

قرون مضت وسنون تصرمت ولازال هناك كثير من الميادين تخاض ... ولكن بلا جدوى ، مع انها في بعض الاحيان يكثر خواضها ... بحوث ومناظرات واحتجاجات .. ملئت الكتب وسطرت في الصحف .. ولكن ... هل وجدت كل هذه وتلك اذناً صاغية ... أو نفساً واعية هذا مالايمكن القطع بوجوده.

لماذا كل هذا ... ولماذا التباعد والتمانع ...؟!!. لماذا نبقى هكذا ، الكل في فلك يدور ... خطان متوازيان لا يلتقي احدهما بالآخر. الى متى ؟!!

هل خلقنا لنكون هكذا ... ام فرضنا على أنفسنا ذلك ام فرض علينا ...؟؟!!..

ألا يمكن ان ننتقل من ميدان الحلقات المفرغة الى خارج هذه الحلقات ...؟.

اظن ان هذه الاسئلة من الصعب الاجابة عليها ... إذ انها اصبحت من الذاتيات للأمة الاسلامية.

كتب الآباء والاجداد .. شرحوا وبسطوا وبينوا ... فهل نفعهم .. أو نفع الاجيال التي بعدهم ...؟ كلا ... ان ذلك لعسير ... فما هي إلا صرخة في وادٍ ...

٩

طرقوا كل الميادين ... حتى اننا نفتش في زوايا أحد الميادين لنطرقه فلا نجد لنا مجالاً ...

عندما اسرح نظري في قائمة كتب موضوع منها أجد نفسي متعبا قبل ان اصل الى نهايتها .. فلماذا لانقف على ما أثمروا ولا نتجاوزه ؟..

وهذا مايُطرح كثيراً مشكلاً نظرة الجمود.

لكن الحياة والفكر والابداع في حركة مستمرة وان كانت في بعض الاحيان حول نتيجة واحدة إلا أن الطرق مختلفة .. وهكذا سنة الحياة ...

طرق الأولون. ـ ولهم الفضل ـ الميادين بسلاحهم الفكري الخاص بهم ـ بتفكير زمانهم وبمستويات أهل زمانهم ... ومع ذلك لا نقول ان ماكتبوا هو حصر على اهل زمانهم ... اذ في بعض الاحيان يحمل في طياته اصالتنا وذاتنا وفكرنا ، وكذلك طريقنا الموصل اليه ...

الا أننا نقول ان الطريقة لهم والمحتوى لنا ... فعلينا بتجديد الطرق والاساليب بحيث يوافق هذا العصر الذي نعيش فيه ...

وعلى هذا لا مانع ان نطرق كل موضوع طرقوه اذا كان فيه مايملك النفوذ لأهل هذا العصر ... والذي يتناسب مع تفكيرهم ومستوى إدراكهم حتى ولو كان اقل مستوى من السابق ، بل ذلك مما ينبغي ...

هذا الشعور اخذ يراودني عندما اردت ان أشرع في كتابة موضوع له من الاهمية بين المسلمين ـ ولطالما فكرت في

١٠

طرقه ... ذلك هو التقية ... ، وذلك انه كتب فيه ما شاء الله من المباحث ... وأُلِفَ فيه الرسائل والكتب.

فعندما اردت ان اعنون ـ البحث ـ بهذا العنوان ... ماهي التقية ؟ .. اعتراني ذلك.

حيث ... هل من المعقول انه بعد هذا الزمن المديد والبحث فيها يأتي انسان ليقول .. ماهي التقية ...؟! إن هذا ليعد من التهاتر.

كلا ليس الامر كذلك ... فاني اعتقد ان هذا التساؤل ـ ماهي التقية ؟ ـ لازالت الاجابة عليه ناقصة وانه يفتقد جوانب عدة ينبغي ان يحوم حولها كل من يجيب على هذا التساؤل ....

ومن هذا المنطلق احسست باني غير مبتعد كثيرا عن الواقع حينما اطرح هذا التساؤل في مثل هذا العصر.

وشرعت. في جواب هذا التساؤل بما سنح لي من فكر واطلاع والمام ، منبها الى موضعها الذي هو المركز الاساس في الإجابة على هذا التساؤل ، معنوناً بحثي هذا به حيث عنونته : ... التقية في اطارها الفقهي .. متدرجا في الوصول الى هذا الاساس بقدر الامكان ، مبيناً ان هذا ـ المبدأ من المبادئ المشتركة بين المسلمين جميعاً ، معتمداً في ذلك على مايراه كل مسلم .. متتبعاً كتب المسلمين عامة ـ ليتضح ما رمينا اليه وهو القول به من جميع المسلمين.

وهدفنا ـ دائما ـ هو بيان المبادىء واضحة جلية مشتركة بين افراد الامة الاسلامية ، حتى لا يظلم احدنا الآخر في رميه

١١

بما لا يحق له.

والله نسأل ان يسدد خطانا انه ولي التوفيق والسداد.

علي الشملاوي

دمشق في ١٣ / ١٠ / ١٤١١ ه‍

١٢

١٣
١٤

ما هي التقية ؟

ذكرنا في اشراقة البحث ان هذا البحث يرتكز أساساً على هذا التساؤل ... وعند الاجابة على هذا التساؤل ينتهي في تصوري خيط الخلاف ..

وقد حاولنا ان نجيب على هذا التساؤل بالاجابة على عدة تساؤلات أخرى .. ومن خلال مباحث نتعرض لها على التدريج.

واول هذه المباحث : هو ان التقية تعد في اي مضمار .. هل هي اصولية ام فرعية ؟ وهذا من أهم مرتكزات الاجابة.

ويتضح هذا من خلال هذا الطرح في عدة نقاط.

١٥
١٦

|١|

تعريف التقية

تعرض كثير من الفقهاء لتعريف التقية اصطلاحاً. وقبل ان نأتي على تعريفهم لابدّ من بيان معناها اللغوي.

التقية لغة :

التقية اسم مصدر من تقي يَتقِي ، ام اتقى يتَّقِي ، وهو من اللف المفروق ـ الفاء واللام حرفا علة ـ واصله : وقى ـ كما في تجاه وتراث.

واصل التقية : وِقْيَةَ. وهي مرادفة للاتقاء في المعنى ، ولا فرق بينهما الامن حيث ان التقية اسم مصدر والاتقاء مصدر ، واذا اعتبرنا التقية مصدراً آخر لا تقى يَتَّقِي فلا فرق اصلاً بين الاتقاء والتقية. (١)

التقية اصطلاحاً :

يقول استاذ المحقيقين المجدد الاصولي الشيخ مرتضى الانصاري في هذا المورد :

التقية هي : [ التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول او فعل مخالف للحق ] .. (٢)

__________________

(١) البجنورَدي : القواعد الفقهية ص ٤٣ ج ٥.

(٢) الانصاري : رسالة في التقية مطبوعة ضمن المكاسب الحجري ص ٣٢٠.

١٧

وقال المدقق الاصولي الميرزا حسن البجنوردي في تعريف التقية :

[ اظهار الموافقة مع الغير في قول او فعل أمر او ترك فعل يجب عليه حذراً من شره الذي يحتمل صدوره بالنسبة اليه او بالنسبة الى من يحبه مع ثبوت كون ذلك القول او ذلك الفعل او ذلك الترك مخالفاً للحق عنده .. ] (٣)

ولا اظن أن هناك فرقاً بين التعريفين الا بالاسهاب في زيادة التقييدات في الثاني بخلاف الأول.

وكذلك لااظن انهما يحتاجان الى توضيح حيث. ان التعريفيين تناولا تعريف التقية بالعبارة السلسة الواضحة.

ولكن ـ وضمن هذا التعريف للتقية ـ وحتى نتوصل الى هدفنا يجب ان نبحث في عدة نقاط على ضوء التعريف.

والمباحث التي نتعرض لها هي كالتالي :

١ ـ ما هو المناط في تشريع التقية ـ وهو محتوى بعض فقرات التعريفيين ـ التحرز عن ضرر الغير ... وحذراً من شره .....

__________________

(٣) البجنوردي : القواعد الفقهية ص ٤٣ ج ٥.

وهذا التعريفان من التعاريف الحديثة للتقية. واذا رجعنا للقدماء وجدنا التعريف المشهور عندهم كما يلي : فالتقية الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس اذا كان ما يُبطنه هو الحق ، فان كان يبطنه باطلا كان ذلك نفاقا.

الطوسي : التبيان في تفسير القرآن ص ٤٣٤ ج ٢.

والطبرسي : مجمع البيان في تفسير القرآن ج ٢ ص ٧٢٩.

١٨

٢ ـ هل التقية نفاق ... وهو محتوى ... اظهار الموافقة ...

نتعرض هنا لبيان هذين الامرين على نحو الاجمال لاننا سوف نتناولهما على نحو موسع خصوصاً الاول في مصادر تسريع التقية. وذلك باعتبار اشتمال التعريف عليهما ...

فالاول ....

من المعلوم ان الاحكام الشرعية على نوعين ...

أولية : وهي الاحكام المشرعة لكافة الناس طبقاً لشروط عامة او خاصة ، اذا توفرت وجب الاتيان بها.

وثانوية : وهي التي جاءت تسهيلاً على المسلم وذلك في حالة عدم تمكن الإنسان من الحكم الاول.

وهي طبق قواعد عامة جعلها الشارع للانسان عند فقدان التمكن من الحكم الاول.

ولهذا الامر ـ الثاني ـ هناك قواعد كثيرة ـ كقاعدة نفي الضرر ـ المعروفة ـ ، وقاعدة ـ نفي العسر والحرج ، وغيرهما من القواعد.

فمثلاً ... شرع للانسان ان يتوضأ لكل صلاة على نحو الوجوب ، فاذا حصل للانسان مانع لايستطيع معه من الاتيان بالوضوء ـ كالجرح ـ مثلاً ـ فقد اوجد قاعدة الحرج والعسر والضرر للانتقال الى حكم آخر يشرعه نفس الشارع طبقاً لهذه القواعد ، فاذا لزم من الوضوء بالماء ضرر أمره الشارع ـ بحكم هذه القواعد ـ بالانتقال الى التيمم الذي ليس

١٩

فيه ضرر بالنسبة الى مثل هذا الموقف ...

ومثال آخر ... حرم على المكلف اكل لحم الميتة لما فيه من الضرر على الانسان عند تناوله ...

لكن في حالة وجود الضرر على الانسان اذا ترك اكل الميتة ـ كهلاكه ـ وتوقف حياته على الأكل منه ... فان الشارع أباح له ذلك لحفظ نفسه حيث قال .. [ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ]. وقال : [ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ ] ... وهذا مااشتهر على السن الخاصة والعامة من ان ـ الضرورات تبيح المحذورات ...

ومثال ... مما نحن فيه ...

لو ان انسانا فرض على آخر بالقوة ان يسب شخصاً آخر بحيث لو لم يفعل لقتله او هتك عرضه ... ومعناه أنه لو لم يفعل لتضرر بذلك ـ هنا يأمره الشارع ـ ايضاً ـ بان يسب الشخص .. ويتخلص من الضرر لقاعدة نفي الضرر.

وهذا المثال هو ما يطبق هنا في مورد التقية فانه أُخذ في تعريفها التحفظ عن ضرر الغير .. او حذراً من شره ....

ولم يفرق الشارع بين كون الضرر الذي يعترض له الانسان حاصلاً بنفس فعل الانسان ـ كما في المثالين الاولين ـ ، وبين الحاصل من غيره وهو ما يحصل للانسان بواسطة فعل الغير ـ كما في المثال الثالث .. اذ مناطهما واحد وهو حصول الضرر.

فملخص الأمر الاول ـ المحتوي عليه التعريف : أنه يجوز للإنسان أن يفعل فعلاً مخالفاً للمطلوب منه شرعاً ، او

٢٠