🚘

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

السيد سعيد كاظم العذاري

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

المؤلف:

السيد سعيد كاظم العذاري


الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٢
ISBN: 964-8629-81-1
الصفحات: ١١٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدِّمة المركز:

الحمد للّه المُتعال بما هو أهله، وأتمّ الصلاة وأزكى التسليم على نبيّنا محمد وآله الطاهرين، وصحبه المخلصين، ومن اتّبع الهدى إلى يوم الدين.

وبعد ...

فإنّ الشريعة التي اعتبرت جسد الاُمّة المؤمنة كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، خليقة باقتفاء منهجها، جديرة باقتداء سلوكها، قمينة بالتحلي بآدابها وأخلاقها، أهل للهداية بقبول ما جاء فيها من الدعوة الصريحة إلى كلّ ما فيه الصلاح والأمر به، والتحذير من الفساد والنهي عنه.

ولكي يعلم أفراد الأمّة المسلمة هذه الحقيقة، ويفهموا جيّدا ما هو دورهم في الحياة، فلابدّ وأن يدركوا بأنّ نطق الشهادتين بلا عمل والاهتمام بالوسائل وإغفال المقاصد ليس من الإيمان المطلوب في شيء، وإنّما هو من إسلام المنافقين الذين قال اللّه تعالى فيهم: « إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّه وَاللّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّه يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ».

فوعي الظواهر السلبية وإدراكها إذن لا يكفي دون بيانها للناس كافّة كما بيّنها اللّه تعالى لرسوله الكريم، وأمّا التغاضي عنها فلا ريب أنه سيؤدّي إلى تفاقم المنكر بشتى سُبله وألوانه.

ولا شكّ أنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى ضعف المسلمين بعد قوّتهم، وتمزيق شملهم بعد وحدتهم، وما آل إليه أمر شرذمتهم من ضياع شوكتهم، وتبديد كلمتهم، وتفتيت أوصالهم، وانكسار عزيمتهم حتى وصلوا إلى هذه الحال المؤلمة، إنّما هو فقدان الصدق والصراحة إزاء ظواهر النفاق ونظائرها في المجتمع الإسلامي كالمسامحة في اختراق أدب الشريعة، وطغيان المجاملة على حساب الدين الحنيف، فبنيت بذلك أسس الأفعال القبيحة، وتوفّرت مصادرها، فاُقعدت الأمّة عن معرفة الكثير من الحقائق، والتبس الأمر على أفرادها، وأصبح للباطل وجه مقبول نتيجة السكوت عليه، وأُلفه، واستحسانه، والتغاضي عن قول الحقّ.

٥

ولعلّ من أشدّ الأمور رذيلة التساهل مع الظالم الفاسق بالإغماض عن جوره وعتوه، ثمّ ازدياد الطين بلّة بمدحه واطرائه، حتى ليخيّل إليه إنّ الافمّة لا ترضى بسوى الطغيان بدلاً؛ لأنّه الحقّ لذي تنشده!! فيزداد عتوّا وفسادا، فيتوهمه المغفل حقيقة ويرضاه المنافق وسيلة، ويسكت عنه الآخرون خوفا وطمعا، وعندها ترى الاُمّة القبيح حسنا، والضار نافعا، والخائن أمينا ... وكفى بهذا دلالة على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يحفظ للاُمّة بقاءها ويصون لكلّ حقّه.

ونحسب أنّ في هذا وغيره مبرّرا كافيا لبحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنّ الفرصة التي ينبغي أن لا تضيع انماهي في إحياء هذه الشعيرة، بل ركن الشريعة الوطيد الذي لو ساد بين أفراد الأمّة لنالت ما ترجوه من حياة حرّة كريمة، خصوصا بعد عجز ساير الحلول الوضعية في إصلاح ما فسدّ من أخلاق وما اعوجَّ من شؤونممّا يعني هذا انحصار الأمر بالرجوع إلى منابع الإسلام الصافية، وإحياء ما في دستور الشريعة الغرّاء من مُثل ونُظم وقوانين وفرائض وشعائر، ويأتي الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر في طليعتها لما فيه من حلّ متين لمشاكل الرد والمجتمع، وصراط مستقيم لنهضتها ورقيها.

وقد حاول الكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ استنطاق ما في شريعتنا الغرّاء من نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبيّنا غاياتهال وأهدافها وما تنطوي عليه من فوائد كثيرة لها دورها الكبير في إفشاء الطمأنينية والعدل والسماواة والقضاء على كلّ الظواهر السلبية التي مني بها متمعنا المسلم.

آملين أن يكون تدارك ما فات بالتطّلع نحو أفق الإسلام الأرحب والتعلّق بأسبابه نحو حياة أفضل بتدبّر ما في دستوره العظيم من ضرورة التمسّك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

واللّه وليّ الرشاد والتوفيق

مركز الرسالة

٦

المقدِّمة

الحمدُ للّه ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد :

جاءت الرسالة الإسلامية الخاتمة لهداية الإنسان ، وتحريره من جميع ألوان الانحراف في فكره وسلوكه وتحريره من ضلال الأوهام وظُلمة الخرافات ، وتحريره من عبادة الالهة المصطنعة ، وتحريره من الانسياق وراء الشهوات والمطامع ، وتهذيب نفسه من بواعث الانانية والحقد والعدوان ، وتحرير سلوكه من الرذيلة والانحطاط ، بتهيئة العقول والقلوب للتلقي والاستجابة للمنهج الالهي المرسوم ، واستتباعها بالعمل الايجابي ـ وفق المفاهيم والقيم الالهية الثابتة ـ الذي يترجم الآراء والنصوص إلى مشاعر وعواطف وأعمال وممارسات وعلاقات متجسدة في الواقع ، لكي يكون الإنسان والمجتمع بمستوى المسؤولية المناطة به في الحياة ، والمتمثلة بحمل الامانة وخلافة اللّه تعالى في الأرض ، والترقي في سلم الكمال والسمو الروحي والسلوكي.

وهداية الإنسان تعني تغيير محتواه الداخلي في عقله وقلبه وارادته لينسجم مع المنهج الالهي في الحياة ، ويكون فكره وعاطفته وسلوكه وحدة واحدة لا ازدواجية فيها ولا تناقض.

والتغيير ليس أمرا هينا اذا نظرنا إلى طبيعته ، وطبيعة الميدان الذي يحلّ فيه وهو ميدان النفس البشرية ، فهو يواجه محدودية الإنسان

٧

وضعفه وعجلته ، ويواجه شهوات النفس ونزواتها المتجذرة والطارئة والمتقلبة ، ويواجه كبرياء النفس وغرورها ، ويواجه اعتزاز الناس بمفاهيمهم وقيمهم التي أنسوا بها ، وأصبحت جزءا من كيانهم الموروث والمكتسب ، ويواجه ما يتلبس بتلك المفاهيم والقيم من مصالح ذاتية ومطامع شخصية ، ويواجه المغريات الخارجية التي تناغي الرغبات والشهوات وتهتف بالانسان لاشباعها ، ويواجه اصنافا من الناس تختلف بعدا أو قربا من الدين والتديّن ، وتختلف مواقفها من حملة التغيير اندفاعا وانكماشا.

وتتجسد عملية التغيير باداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اداءً ينسجم مع ضخامة الواقع البشري ، وضخامة الاهداف المراد ـ من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ تحقيقها في الواقع.

فلا بدّ من عمل دؤوب وحركة متواصلة تبدأ بتغيير النفس أولاً ثم المجتمع ثانيا ، ولا بدّ من اطلاعٍ دقيق وتشخيص واعٍ لمستويات الناس الفكرية والعاطفية والسلوكية ، والمعرفة الواعية للظروف والعوامل المتحكمة في المجتمع ، والقوى المؤثرة فيه ، ليضع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكلِّ مستوىً ولكلِّ ظرفٍ خطة ، يصلون بها إلى تحقيق الأهداف ، وأُسلوبا ينفذون من خلاله إلى خلجات القلوب ويجعلونها تتهيأ للتلقي والاستجابة ، ثم الانتقال إلى مرحلة العمل الايجابي بعد مرحلة التأثر الوجداني.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم التكاليف التي ينبغي القيام بها ، فيه تقام الفرائض ويتوجه الانسان إلى اللّه تعالى بكل كيانه ومقومات شخصيته ، وبه تتحقق الاستقامة في الفكر والعاطفة والسلوك

٨

ويكون المنهج الالهي هو الحاكم على العقول والقلوب والارادة الانسانية.

وفي هذا البحث ـ ومن خلال استقراء آيات القرآن الكريم والاحاديث الشريفة وسيرة المعصومين عليهم‌السلام ومن خلال التجربة العملية ـ نتطرق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أربعة فصول : نتناول في الفصل الأول : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهميتهما ، ثم نستعرض في الفصل الثاني : وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراحلهما ، ونتناول في الفصل الثالث : خصائص وصفات الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ الذاتية والعملية ـ ونتناول في الفصل الرابع : آثار ونتائج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الأداء وعدمه.

وحاولنا جهد الامكان استخدام العبارات والمصطلحات الواضحة الميسّر فهمها من قبل جميع المستويات ؛ لتعم الفائدة المتوخاة من متابعة فصوله والامعان في مباحثه.

واللّه وليّ التوفيق

٩
١٠

الفصل الأول

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأهميتهما

تمهيد في معناهما :

جاء في كتب اللغة أن المعروف : ما يستحسن من الافعال ، وكلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه (١).

والمنكر : كل ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرّهه (٢).

وقيل عن المعروف : هو اسم لكلِّ فعل يُعْرَف بالعقل أو الشرع حسنه. والمنكر : ما ينكر بهما (٣) ، أي كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه واستحسانه ، فتحكم بقبحه الشريعة (٤).

وجاء في مجمع البيان أنّ المعروف : الطاعة ، والمنكر : المعصية.

__________________

١) لسان العرب / ابن منظور ٩ : ٢٣٩.

٢) لسان العرب ٥ : ٢٣٣.

٣) مفردات ألفاظ القرآن / الراغب الاصفهاني : ٣٣١.

٤) مفردات ألفاظ القرآن : ٥٠٥.

١١

وكل ما أمر اللّه ورسوله به فهو معروف ، وما نهى اللّه ورسوله عنه فهو منكر (١).

موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

لا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمورد من الموارد ، ولا مجال من المجالات ، بل هو شامل لجميع ما جاء به الإسلام من مفاهيم وقيم ، فهو شامل للتصورات والمبادئ التي تقوم على أساسها العقيدة الإسلامية ، وشامل للموازين والقيم الإسلامية التي تحكم العلاقات الانسانية ، وشامل للشرائع والقوانين ، وللاوضاع والتقاليد ، وبعبارة اُخرى هو دعوة إلى الإسلام عقيدة ومنهجا وسلوكا ؛ بتحويل الشعور الباطني بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية ، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة ومتصلة مع الاوامر والارشادات الإسلامية ، ومنكمشة ومنفصلة عن مقتضيات النواهي الإسلامية.

وقد بيّن الإمام الحسين عليه‌السلام موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائلاً : « ... بدأ اللّه بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فريضة منه ، لعلمه بأنّها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هينها وصعبها ؛ وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام ، مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ، ووضعها في حقها ... » (٢).

وقد تجلّت هذه الشمولية بوصية رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمعاذ بن جبل

__________________

١) مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي ١ : ٤٨٣.

٢) تحف العقول / ابن شعبة الحرّاني : ١٦٨.

١٢

حينما ولاّه على أحد البلدان : « يا معاذ علمهم كتاب اللّه وأحسن أدبهم على الاخلاق الصالحة ، وانزل الناس منازلهم ـ خيّرهم وشرهم ـ وانفذ فيهم أمر اللّه ... وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام ، واظهر أمر الإسلام كلّه ، صغيره وكبيره ، وليكن أكثر همّك الصلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الاقرار بالدين ، وذكّر الناس باللّه واليوم الآخر واتبع الموعظة » (١).

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستتبع جميع مقوّمات الشخصية الانسانية في الفكر والعاطفة والسلوك ، لتكون منسجمة مع المنهج الالهي في الحياة ، وتكون هذه المقومات متطابقة مع بعضها ، فلا ازدواجية بين الفكر والعاطفة ولا بينهما وبين السلوك ، وهي وحدة واحدة يكون فيها الولاء والممارسة العملية للّه وحده ولمنهج التوحيد الذي دعا إليه في جميع مفاهيمه وقيمه.

المبحث الأول

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الإسلام ليس مجرد تفكير وتدبّر وخشوع يتحرك في داخل العقول والقلوب ، وإنّما هو منهج حياة واقعي ، يدعو إلى استنهاض الهمم والعزائم وتقوية الارادة ؛ لتنطلق في الواقع مجسدة للمفاهيم والقيم الالهية بصورة عملية ، وهو يدعو إلى النهوض بالتكاليف الالهية في عالم الضمير

__________________

١) تحف العقول : ١٩.

١٣

وعالم الواقع على حدٍّ سواء ، والاستقامة على ضوئها.

وبما ان الإنسان يحمل في جوانحه الاستعدادات المختلفة للخير والشر وللفضيلة والفجور ، ويتأثر بالعوامل الخارجية كالمغريات والمثيرات المتنوعة ، اضافة إلى دور الشيطان في الوسوسة والاغراء ، فهو بحاجة إلى من يهديه ويرشده ويقوّم له تصوراته وعواطفه وممارساته العملية ، لتكون موصولة بالعقيدة والشريعة الإسلامية ، ولهذا شرّع الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقوم به الإنسان المسلم إيقاظا للقلوب البشرية الغافلة ، وتحريكا للارادات الضعيفة لتستقيم على أساس المفاهيم والموازين الالهية.

فأوجب سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعله من التكاليف الأساسية ؛ لأنّه غاية الدين كما عبّر عنه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام : « غاية الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود » (١).

وقال عليه‌السلام : « قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود » (٢).

__________________

١) تصنيف غرر الحكم : ٣٣٢.

٢) تصنيف غرر الحكم : ٣٣٢.

١٤

أدلة الوجوب :

أولاً : القرآن الكريم :

اعتمد أغلب الفقهاء على الآيات القرآنية في اثبات الوجوب دون ذكر تفاصيل الاستدلال (١) ، اقرارا منهم بوضوح دلالتها حتّى قيل : (إنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة دينية عند المسلمين يستدلُّ بها ، ولا يستدل عليها) (٢).

وفيما يلي نستعرض الآيات القرآنية الواقعة في مقام الاستدلال على الوجوب.

الآية الاُولى : « وَلتكُن مِنكُم أُمّة يَدعُونَ إلى الخَيرِ ويَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المنكَرِ وأُولئك هُمُ المفلحِونَ » (٣).

المخاطب بهذه الآية القرآنية هم المؤمنون كافة ، فهم مكلفون بأن (ينتخبوا منهم أُمّة تقوم بهذه الفريضة ، وذلك بأن يكون لكلِّ فرد منهم ارادة وعمل في ايجادها) (٤).

وهي واضحة الدلالة على الوجوب ، فإنّ قوله تعالى : « ولتكن »أمر ، وظاهر الأمر الايجاب هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى حصرت الآية الفلاح بهذا العمل.

__________________

١) التبيان ٢ : ٥٤٩. وكشف الغطاء : ٤١٩. وجواهر الكلام : ٤١٩. وروح المعاني ٤ : ٢١.

٢) التفسير المبين : ٨٠.

٣) سورة آل عمران : ٣ / ١٠٤.

٤) تفسير المراغي ٢ : ٢٢.

١٥

و (مِنْ) في (منكم) للتبعيض (١) ، لذا استدلّ أغلب الفقهاء على أن الوجوب كفائي (٢) فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين.

الآية الثانية : « كُنتُم خَيرَ أُمّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمرُونَ بِالمعرُوفِ وَتَنهونَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤمِنونَ بِاللّه » (٣).

قرنت الآية القرآنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالايمان باللّه تعالى ، وقدّمتهما عليه (لانهما سياج الإيمان وحفاظه) (٤).

ومعنى الآية : (صرتم خير أُمّة خُلقت ؛ لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم باللّه ، فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا) (٥).

وهذه الخيرية ( لا يستحقّها من أقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وصام رمضان ، وحجّ البيت الحرام ، والتزم الحلال ، واجتنب الحرام مع الاخلاص الذي هو روح الإسلام ، إلاّ بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ) (٦).

واستدل الفقهاء بهذا الثناء الذي انحصر بهذه المزايا الثلاث على الوجوب (فمدحهم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما مدحهم

__________________

١) الكشاف ١ : ٤٥٢.

٢) التبيان ٢ : ٥٤٩. وفتح القدير ١ : ٣٦٩. والكشاف ١ : ٤٥٢.

٣) سورة آل عمران : ٣ / ١١٠.

٤) تفسير المراغي ٤ : ٣٠.

٥) مجمع البيان في تفسير القرآن ١ : ٤٨٦.

٦) تفسير المنار ٤ : ٥٨.

١٦

بالايمان باللّه تعالى ، وهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (١).

وقد اكتفى كثير من الفقهاء بذكر الآية دليلاً دون تفصيل (٢) ، لاقتران الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالايمان باللّه تعالى ، ووقوعهما في مستواه ، وتخصيص الثناء والمدح بالخيرية بهذه الصفات الثلاث.

الآية الثالثة : « لَيسُوا سَوَاءً مِن أهلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمةٌ يَتلُونَ آياتِ اللّه آناءَ الليلِ وَهم يَسجُدُونَ * يُؤمِنُونَ بِاللّه وَاليومِ الآخرِ ويَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المنكَرِ وَيُسارِعُونَ في الخَيراتِ وأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحينَ » (٣).

جعل اللّه تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات القيام بالواجبات ، ومن علامات الصلاح ، فلم يشهد اللّه تعالى لهم بالصلاح بمجرد الايمان باللّه واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤).

ومفهوم الآية هو انّ الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لا يعدّون من الصالحين ، ولولا الوجوب لما نفى صفة الصلاح عنهم.

الآية الرابعة : « والمؤمِنُونَ والمؤمِناتُ بَعضُهُم أولياءُ بعضٍ يأمرُونَ بالمعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ويُقيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتَونَ الزَّكاةَ ويُطيعُونَ اللّه

__________________

١) المقنعة : ٨٠٨.

٢) كشف الغطاء : ٤١٩. وجواهر الكلام ٢١ : ٣٥٢.

٣) سورة آل عمران : ٣ / ١١٣ ـ ١١٤.

٤) المحجّة البيضاء ٤ : ٩٦.

١٧

وَرَسولَهُ أولئِكَ سَيرحمُهُمُ اللّه إنَّ اللّه عَزيزٌ حكيمٌ » (١).

جعل اللّه تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الاوصاف الخاصة بالمؤمنين ، وهما من شؤون ولاية بعض المؤمنين على بعض.

وعلى هذا فالذي يهجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون خارجا عن (هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية) (٢).

واخراج التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جماعة المؤمنين لا يصحّ ولا يستقيم إلاّ إذا كانا واجبين ، وعليهما تترتب الرحمة.

ويؤيد ثبوت الوجوب انّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وردا في سياق الواجبات كاقامة الصلاة وايتاء الزكاة وطاعة اللّه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهما واجبان بدلالة وحدة السياق ، وتكرّر اقترانهما مع الواجبات يفيد الاطمئنان بوجوبهما.

الآية الخامسة : « لَولا يَنهاهُمُ الرَّبَّانيُونَ والأحبارُ عَن قَولِهِم الإثمَ وأكلِهِمُ السُّحتَ لَبئسَ ما كَانُوا يَصنعُونَ » (٣).

ذمّ اللّه تعالى ووبَّخ بني اسرائيل لقولهم الأثم وأكلهم السحت ، وذمّ علماءهم لعدم قيامهم بنهيهم ، فذمّ (هؤلاء بمثل اللفظة التي ذم بها اولئك ، وفي هذه الآية دلالة على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه) (٤).

__________________

١) سورة التوبة : ٩ / ٧١.

٢) المحجة البيضاء ٤ : ٩٧.

٣) سورة المائدة : ٥ / ٦٣.

٤) مجمع البيان في تفسير القرآن ٢ : ٢١٨.

١٨

فالتوبيخ شامل لمرتكب المنكر والساكت عن النهي عنه ، فقد وبَّخ اللّه تعالى (الربانيين والاحبار في سكوتهم عنهم ، وعدم نهيهم عن ارتكاب هذه الموبقات من الآثام والمعاصي ، وهم عالمون بأنّها معاصٍ وذنوب) (١).

فقد بين اللّه تعالى ان الربانيين والأحبار أثموا بترك النهي عن المنكر والدلالة واضحة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو لم يكونا واجبين لما ترتب الأثم على تركهما ، ولما وبّخهم اللّه تعالى على سكوتهم ؛ لأنّ التوبيخ يستتبع العمل السيئ ، وترك النهي عن المنكر هو أحد مصاديقه.

الآية السادسة : « لُعِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن بَني إسرائيلَ عَلى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابنِ مَريَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوا وَّكَانُوا يَعتدُونَ * كَانُوا لا يَتَناهَونَ عَن مُّنكَرٍ فَعلَوهُ لَبِئسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ » (٢).

لعن اللّه تعالى بني اسرائيل بعصيانهم واعتدائهم ، ثمّ بيّن حالهم ، فقال : « كَانُوا لا يَتَناهَونَ عَن مُّنكَرٍ فَعلُوهُ » أي لم يكن ينهى بعضهم بعضا ، ولا ينتهون أي لا يكفّون عمّا نهوا عنه (٣).

وقد علّل اللّه تعالى استحقاقهم اللعنة (بتركهم النهي عن المنكر) (٤).

فلولم يكن النهي عن المنكر واجبا لما استحقوا اللعنة بتركهم إيّاه؛ لأنّ

__________________

١) الميزان في تفسير القرآن ٦ : ٣١.

٢) سورة المائدة : ٥ / ٧٨ ـ ٧٩.

٣) مجمع البيان في تفسير القرآن ٢ : ٢٣١.

٤) المحجة البيضاء ٤ : ٩٧.

١٩

اللعنة تختص بترك الواجب.

ويؤيد الوجوب ما روي عن ابن عباس في تفسير رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للآية، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، ولتأخذنَّ على يد السفيه ، ولتأطرنه على الحق اطرا أو ليضربنّ اللّه قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم » (١).

الآية السابعة : « يَا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا قُوا أنفُسَكُم وأهلِيكُم نَارا وقُودُها النَّاسُ والحِجارةُ ... » (٢).

وقاية الأهل من النار تتم (بدعائهم إلى الطاعة وتعليمهم الفرائض ، ونهيهم عن القبائح ، وحثّهم على أفعال الخير) (٣).

والوقاية هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « لمّا نزلت هذه الآية ... جلس رجل من المسلمين يبكي ، وقال : أنا عجزت عن نفسي ، كُلّفت أهلي ، فقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك ، وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك » (٤).

وفعل الأمر (قوا) يدل على الوجوب ، ويتحقق هذا الفعل ان قام الإنسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما واجبان ؛ لأنهما مقدمة من مقدمات الهداية والانقاذ من النار.

وقد وردت آيات في غير موضع من القرآن الكريم قرنت الأمر

__________________

١) مجمع البيان في تفسير القرآن ٢ : ٢٣١.

٢) سورة التحريم : ٦٦ / ٦.

٣) مجمع البيان في تفسير القرآن ٥ : ٣١٨.

٤) الكافي ٥ : ٦٢.

٢٠