🚖

المرأة في ظلّ الإسلام

السّيدة مريم نور الدّين فضل الله

المرأة في ظلّ الإسلام

المؤلف:

السّيدة مريم نور الدّين فضل الله


الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: دار الزهراء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٧٥
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١
٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله اشرف الخلق اجمعين.

سنوات عديدة مضت من حياتي ، وانا اترقب الفرص لكي اكتب في موضوع « المرأة » خدمة لبنات جنسي الحائرات.

لا اغالي ان قلت ان فكرة هذا الكتاب ، كانت تلمع في صدري التماع البرق في طيات السحاب ، وتغلي في ذهني غليان الغيرة في رؤوس الشباب ، وقد جهدت في تأليفه وتعبت في تصنيفه ، وما أرجو من عملي إلا الإصلاح ما استطعت اليه سبيلا ، سائلة المولى سبحانه أن يوفقني إلى كتابة معتدلة صادقة وان يظفر كتابي هذا بالقراء المنصفين.

فالمرأة هي شريكة الرجل في هذا العالم ، المؤلف من ذكر وانثى ، فهل يمكن ان ننكر هذا النصف ونغالط الواقع في أهمية المرأة ومالها من دور فعال في اتصال التناسل وبناء المجتمع ، فهي أم الرجل ... وزوجته ... واخته ... وابنته ... ورفيقته في جميع مراحل حياته. وبما أنها تكوِّن نسبة معادلة للرجل بل تفوقه عدداً ، فهي جديرة بالدرس والتحقيق ، على ضوء العلم الحديث وهدى الإسلام.

٥

وعندما نتناول هذا الموضوع كبحث يجب ان نعالجه معالجة وافية سواء بدراسته في الازمنة القديمة ، أو في العصور الوسطى أو في العصر الحديث.

وإنني حريصة على ان تكون هذه المعالجة كاملة التفاصيل ، إلى حد ما بقدر ما يسمح به المجال.

إن أي كاتب أو باحث يقف حائراً ، حينما يريد ان يتناول هذا الموضوع فالدراسات عن المرأة مفتقرة إلى المصادر التاريخية.

ان المؤرخين سواء في البلاد العربية أو الإسلامية ، أو الشرقية أو الغربية ، لم يدونوا سوى تراجم الكتاب والرجال العظماء ، وسير الشعراء والأدباء ، ولم يعطوا العناية الكافية إلا لسرد حوادث الملوك والسلاطين والأبطال والأمراء. فتاريخنا الموجود بين أيدينا تاريخ أفراد لا تاريخ مجتمعات ، ولم يتعرضوا للمجتمعات حولهم ، اقتصادياً أو اجتماعياً أو فكرياً سعة وضيقاً ، إلا فيما يمس حياة هؤلاء الأفراد.

ولما لم تمثل المرأة إلا البعض من هؤلاء الأفراد ، ظلت منحصرة ضمن هذه المجتمعات التي أهمل الباحثون دراسة أحوالها ، وأهملت المرأة تبعاً لهذا الإهمال عبر العصور ، وكانت نسياً منسياً.

ذلك ان المجتمع في العصور القديمة وما يزال ، رغم تطور الحياة الفكرية لدى البشر ، لا ينظر اليها كعنصر فعال له اهميته في دفع عجلة التاريخ وله احترامه ، ومكانته ، بل ينظر اليها كانثى لها رقتها وجاذبيتها.

واني بذلت الجهد ، وحاولت ان أقدم إلى القراء الاعزاء لمحة موجزة عن تطور حياة المرأة في الزمن القديم ، والحديث ، ومدى تقدمها في ميدان الثقافة والفكر في ظل الإسلام وذلك بقدر ما يسمح به مجال هذه الصفحات المحدودة.

٦

واني وأنا المسلمة ، اعترف بان المرأة في عصرنا الحاضر تواجه أعنف المشاكل ، وأكثرها صعوبة وتعقيداً.

فما زلنا نسمع الأراجيف والأسئلة ، وكلها تخرصات وافتراء على الإسلام وتشريعه ، بانه ظلم المرأة ، وبخسها حقها ، وامتهن كرامتها ، وجعلها عبارة عن خادمة للرجل تؤدي حاجته ، وتلبي رغبته ، وتلد له الأطفال.

وإذا مال به الهوى سئمها ... ونبذها نبذ النواة.

هذه أصوات الاستنكار تتعالى ، وخصوصاً من الذين يدعون إلى الحرية ، ويتشدقون بالمدينة ... يصرخون قائلين ... حرروا المرأة ... اكسروا قيودها ... اطلقوا هذا المارد الجبار من عقاله ... ايقظوا المرأة من سباتها العميق ... انفضوا عن وجهها غبار السنين ... دعوها تفجر طاقاتها لتلحق باخواتها في الشرق والغرب من المتمدنين ... دعوها تنزع اسمال التأخر والانحطاط لتنهض وتتكامل فتواكب ركب الحضارة والمدنية ... دعوها تؤدي دورها في دفع عربة الانسانية الى الامام ، جنباً الى جنب مع الرجل ، قسيمها ورفيقها في هذه الدنيا ...

انزعوا حجاب المرأة ... دعوها تظهر سافرة حرة ... دعوها تبدى زينتها ... اطلقوا لها الحرية ... اجعلوها اختا للرجل في جميع أعماله ... اخرجوها من قوقعتها ... ارحموها الخ ...

صرخات ... وهتافات ... نسمعها تترد في كل حين ، من هنا ... وهناك ، تطلقها حناجر تزعم انها تريد الخير للمرأة ... تريد لها العزة والكرامة ... تريد رفع مستواها ... وتتمنى للأمة التقدم والازدهار.

ان أصحاب القلوب الطيبة ، تركض لاهثة ، وراء هذه الصرخات والهتافات وهي تظن انها تريد الخير للمرأة ، وان الغاية شريفة. وهي ويا للاسف قد

٧

استغلتها نفوس أثيمة غيرت مسيرتها الرائعة ، وزينت لها طريقاً مدلهما في ظلام دامس.

لقد ظنت هذه القلوب بطيبتها انه الطريق الصحيح ، الذي يوصلها الى الأهداف السامية. فأخذت تطالب بحقوقها ، فاندفعت بكل قواها من غير وعي أو تؤدة ، أو تفكير ، غير عالمة بما ستؤول اليه حالتها ، وسارت شوطاً بعيداً ضمن هذا الخط الذي رسموه لها ، ولكن الى أين وصلت ؟؟ وأين حطت رحلها ؟؟ وماذا جنت ؟؟

وصلت الى متاهات ... وضياع ... فوقفت لا تدري أين هي البقعة الصلبة التي يمكنها أن تضع عليها قدمها ، لئلا تنزلق فتصل الى مهاو لا تحمد عقباها.

ضياع ... ومتاهات ... وحيرة ... وارتباك ... ومحنة أليمة ، تتقاذف المرأة فتجعلها في دوامة.

ومن قلب هذا الضياع الذي نعيشه ، تطلعت فوجدت ان الوقت قد حان لتناول هذا الموضوع الجليل ( المرأة في ظل الاسلام ) ولأني رأيته حافلا ، جديراً بالبحث والدرس والتحقيق ، وتجربة نادرة فذة ، ليس من السهل أن انصرف عنها بعد أن اتجهت اليها.

واني اذ أكتب في هذا الموضوع ، أو اعطه اهتماماً من التأمل والتنقيب ، قدر الامكان ، ذلك لأني رأيت أن أغلب الذين كتبوا قبلي عن المرأة ، مال بهم الهوى عن الحق ، فمنهم من تنكب الطريق فجعلها شيطاناً مريداً ، ومنهم من زين له ايمانه فنزهها وجعلها ملاكا رحيما.

ولكن ماذا أقول : وقد أصبحنا في زمن طغت فيه المادة على الروح واجتاحت التيارات الالحادية التعاليم السماوية.

٨

ألا ليت شعري ما يتخرص المتخرصون !؟ ويتقول أهل الالحاد على قدسية الاسلام ، من نفث سمومهم في أذهان الناس وافترائهم على النظم الاسلامية ، بالكذب ـ والزور ـ والبهتان.

فمن قائل ان الاسلام ظلم المرأة ... ومن متبجح ـ لقد أجحفت القوانين الاسلامية بحق المرأة وغالت بحرمانها.

وكم من مرة التقيت بكثيرات من اللواتي يركضن وراء المدنية الزائفة ، وكلهن بلسان واحد وعلى وتيرة واحدة.

لماذا تظلم المرأة المسلمة دون غيرها من النساء ؟

لماذا انقصها الشرع ميراثها ؟

لماذا فرض عليها الحجاب ؟

لماذا جعلها في سجن أبدي وجعل مفتاح السجن بيد الرجل ؟

لماذا لا تذهب إلى الحرب وتدافع عن وطنها لماذا ... لماذا ... لماذا ... الخ تمهِّلن رويداً أيها المسلمات ، هل عرفتن عن الإسلام إلا إسمه ؟ ... أو ما شوهت وجهه الاكاذيب ، وتناقلته الألسن.

فمهلاً ... مهلاً ... يا أخواتي لا تنظرن إلى الإسلام من غير وعي لمبادئه البناءة ، وأهدافه الخيرة.

ويا اخواتي المسلمات لنقف من منعطف التاريخ ، ونلقي نظرة عبر القرون الغابرة ، والأجيال السالفة ، ونسأل بلا تذمر أو تأفف أو شكوى ، ثم نعود القهقرى حتى نرى ـ هل ان المرأة في الحضارات القديمة كانت أحسن من المسلمة ؟

وهل ان المرأة في تلك الحقبة من الزمن كانت ترتع بحرية زائدة ... حتى

٩

جاء الإسلام وحرمها هذه الحرية ـ ؟

هل ان الإسلام ضيق على المرأة الخناق وحبسها في سجن ... وهل ... وهل ... الخ.

ولا بد لنا من استطلاع صفحات التاريخ ليحدثنا عما كانت عليه المرأة قبل الإسلام ، وكيف كانت تعامل عند الامم السابقة المتحضرة في العصور القديمة ـ والوسطى ، وكيف كانت حالتها ومدى ما اعطيت من الحقوق ـ والمنزلة ـ والكرامة ونجعل من التاريخ حكماً نسد به أفواه المتشدقين.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب وهو حسبي ونعم الوكيل.

مريم نور الدين فضل الله

١٠

تمهيد

الإنسان عالم في حد ذاته ، ففي تركيب جسمه وقواه ومواهبه ، ورغباته وحاجاته كذلك عواطفه ومشاعره ، وعلاقته بكل ما يحيط به من ألوف الأشياء ، وتاثره فيها ، وتأثيرها عليه ، كل هذه الأشياء تحتضن عالماً بنفسه لا يدرك كنهه.

وتحسب انك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

لقد حاول الإنسان بما اوتي من تدبير وتفكير ، ان يجد قانوناً شاملاً ، وحلاً عادلاً ، يتماشى مع جميع متطلبات أفراد البشر.

ولكن أكثر هذه المحاولات كانت تأتي بنتائج معكوسة ؛ فيصبح الحيف ، والظلم ، على الإنسان الضعيف ، وهو المرأة.

إن لرغبات النفس ونوازعها وعواطفها وميولها ، التأثير البالغ في تفكير الإنسان ، تصرفه عن الحقائق ، وتضله عن جادة الصواب. لو راجعنا بطون التاريخ واستنطقنا صفحاته لرأينا سلسلة من الاضطهاد والحرمان ، جارية في جميع أدواره وبين الأمم والشعوب القديمة من دون استثناء ، عند أهل الحضارة والرقي أو أهل البداوة والجاهلية أو أهل الشرائع والأنظمة المدنية ، وكلها جائرة في حق المرأة.

ففي البلدان المتحضرة والشعوب المتمدنة ، ظهرت شريعة حمورابي في بابل

١١

وقوانين روما واليونان القدماء ومقررات مصر والصين وفارس القديمة وجميعها تحمل بين طياتها الانظمة والقوانين الكثيرة على اختلافها وتشعب اتجاهاتها وكلها تنظر للمرأة على أنها انسان ضعيف لا تستطيع ان تتحمل أعباء الحياة ، لا يمكنها ادارة شؤونها بنفسها.

ان البحث التاريخي الذي سأورده في هذه الصفحات ، يؤكد ان المرأة كانت تتقلب في دياجير مظلمة من العسف والجور تباع وتشترى كانها سلعة ، محرومة من جميع حقوق الإرث والملكية ، معدومة الشخصية وهي مجموعة من الذل والاثم والعار.

١٢

المرأة قبل الاسلام

المرأة عند العرب في الجاهلية :

لنلقي نظرة خاطفة على حالة المرأة العربية في الجاهلية قبل الإسلام ، وكيف كانت تعامل في ذلك العهد ، وما هي مكانتها الاجتماعية.

كانت المرأة العربية في الجاهلية ، أحط من أي سلعة فهي لا ترث وليس لها حق المطالبة ، لأنها لا تذود عن الحمى في الحرب ، وزواجها يرجع إلى أمر وليها ، وليس لها حق الاعتراض ولا المشورة حتى أن الولد يمنع أرملة أبيه من الزواج حتى تعطيه جميع ما أخذت من ميراث أبيه ، هذا إذ لم يضع ثوبه عليها قائلاً : ورثتها كما ورثت مال أبي.

فإذا أراد أن يتزوجها ـ تزوجها هو بغير مهر ، أو زوجها لغيره وتسلم هو مهرها (١).

ومن جملة قولهم للعروس عند زفافها (٢) اذهبي فإنك تلدين الأعداء وتدنين البعداء.

والعرب مثل غيرهم من الشعوب القديمة ، كانوا يفرحون إذا ولد لهم ولد

__________________

(١) الاخلاق الاسلامية ـ السيد علي فضل الله الحسني.

(٢) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ج ٤ ص ٦٤٧.

١٣

ذكر ، ويغتمون إذا ولدت لهم انثى ، وكان الرجل العربي الجاهل يصاب بضيق صدر ، وهمّ بالغ ، إذا قيل له إن زوجته وضعت انثى وقد أشار الباري سبحانه وتعالى بقوله إلى هذا : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) (١).

كان العدل والحق في زمن الجاهلية ، هو بجانب صاحب القوة ( كما في زماننا الحاضر ) وصار القوي المنيع هو صاحب الحق في الغالب.

ولما كان الرجل بتركيب جسمه الطبيعي وفطرته أقوى من المرأة منح نفسه حق سن الأحكام عندها صار الحق في الجاهلية في جانبه ورفع نفسه عنها في أكثر الأحكام وحرمها ميراثها وقايضها بديونه.

يقول الدكتور جواد علي (٢) : وفي زواج البدل ، وفي منع المرأة من الزواج إلا من قريبها لوجود حق الدم عليها ، وفي منع زواج زوجات الآباء إلا برضى ابناء الأب وذوي قرابته ، لأنهم أحق بالزواج منها. وغير ذلك من سنن الجاهلية التي كانت توحي إليهم أن المرأة دون الرجل في الحقوق ، لأنها خلقت دون الرجل في القوة ، ولم يكن أمامها بالطبع إلا الاستسلام.

ولما جاء الإسلام حرَّم كثيراً من هذه السنن ، التي لم يكن أهل الجاهلية يرونها تنافي العدالة. وقد ورد أنَّ ( كبشة بنت معن بن عاصم ) امرأة ( أبي قيس بن الأسلت ) انطلقت إلى الرسول فقالت : « إن أبا قيس قد هلك ، وإنَّ ابنه من خيار الحمى قد خطبني. » فسكت الرسول (ص) ثم نزلت الآية ( وَلا

__________________

(١) سورة النحل ـ آية ـ ٥٨ وعن مجمع البيان للطبرسي ( ظل وجهه مسوداً ) أي صار لون وجهه متغيراً الى السواد لما يظهر فيه من أثر الحزن والكراهة.

(٢) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ٥ ـ صفحة ٤٨٥.

١٤

تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ ) (١) فهي أول امرأة حرمت على ابن زوجها (٢).

روي عن ابن عباس أنه قال : ( إذا مات الرجل وترك جارية ، القى عليها حميمه ثوبه ، فيمنعها من الناس ، فإن كان جميلة تزوجها. وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت ) وظل هذا شأنهم إلى أن نزل الوحي بتحريم ذلك ( وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً ) (٣).

هذا الظلم الفادح الذي كان ينزل بالمرأة بسبب ضعفها ، وبسبب عرف الجاهلية في حقها ، وأبشع العادات وأفظعها ، عادة وأد البنات التي تميَّز بها عرب الجاهلية ، وعدُّوها من المكرمات قال الشاعر :

القبر أخفى سترة للبنات

ودفنها يروى من المكرمات

وأد البنات :

إن في الدين الإسلامي حيوية ومرونة ومسايرة ، لكل عصر وزمان. ففي النظم الإسلامية من الحلول ما يكفي لجميع المشكلات التي تعترض حياة الإنسان ، فالإسلام قد حرَّم وأد البنات ، وحفظ بل أبقى على هذا المخلوق البريء حياته قال عز من قائل : ( وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) (٤).

__________________

(١) سورة النساء آية ٢١.

(٢) تاريخ العرب في الجاهلية قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي.

(٣) تفسير الطبري ـ ج ٤ ـ ص ٢٠٧.

(٤) سورة التكوير ـ آية ـ ٨ ـ ٩.

١٥

إن مسألة الوأد جديرة بأن نوليها الاهتمام ، فهي نقطة هامة في الحياة الاجتماعية.

هذه العادة القبيحة ، اللإنسانية ، كانت واسعة الانتشار في أيام الجاهلية ، في الجزيرة العربية عند أهل البادية في الصحراء وفي المدن المتحضرة.

يقول الدكتور جواد علي : وقد اختلف في هذا القول ، فقال لين پول ـ Laine Poole ـ انها كانت عادة سيئة ، ولكنها كانت نادرة الحدوث في الصحراء. ولكن الميداني يقول : إن عادة وأد البنات ، كانت متبعة عند قبائل العرب قاطبة ، وظلت هذه العادة جارية ومتبعة عند جميع قبائل العربية حتى جاء الاسلام فأبطلها وحرَّمها.

ولقد اختلفت مذاهب القبائل العربية في مسألة الوأد ، والنظر اليها ، فمنهم من كان يئد البنات ، غيرة على العرض ، ومخافة من لحوق العار لأنهم أهل سطو وغزو ، وكانت تساق الذراري مع الغنائم ، ويؤخذ السبي فتكون بناتهم عند الأعداء ، وهذا منتهى الذل والعار ، وكانت بنو تميم ـ وكندة من أشهر القبائل ، التي تئد بناتها خوفاً لمزيد الغيرة.

ولعل السبب في ذلك راجع إلى تلك القصة ، التي يرويها التاريخ ، وهي أن بني تميم ، منعوا الملك النعمان ضريبة الأتاوة التي كانت عليهم ، فجرد عليهم النعمان أخاه الريان مع ( دوسرا ) إحدى كتائبه وكان أكثر رجالها من بني بكر بن وائل ، فاستاق النعمان سبي ذراريهم. فوفدت وفود بني تميم على النعمان بن المنذر ، وكلموه في الذراري ، فحكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء ، فأية امرأة اختارت زوجها ردت إليه، فشكروا له هذا الصنيع.

وكانت من بين النساء بنت قيس بن عاصم فاختارت سابيها على زوجها

١٦

فغضب قيس بن عاصم ، ونذر أن يدس كل بنت تولد في التراب ، فوأد بضع عشرة بنتاً (١).

وقد ظلت هذه العادة السيئة جارية ، وكأنها قانون لا يمكن إزالته ، حتى ظهر الاسلام فحرمها وعاقب عليها.

وفي بعض الروايات ، أن أول قبيلة وأدت من العرب هي قبيلة ربيعة وذلك على ما يروى ، أن قوماً من الأعراب أغاروا على قبيلة ربيعة وسبوا بنتا لأمير لهم فاستردها بعد الصلح وبعد أن خيروها بين أن ترجع إلى أبيها ، أو تبقى عند من هي عنده من الأعداء ، فاختارت سابيها وآثرته على أبيها ، عند ذلك غضب وسن لقومه قانون الوأد ، ففعلوا غيرة منهم ، وخوفاً من تكرار هذه الحادثة (٢).

ومن القبائل من كانت تئد البنات ، لا لغيرة أو خوف من عار ، بل إذا كانت مشوهة أو بها عاهة مثلاً : إذا كانت زرقاء ... أو سوداء ... أو برشاء ... أو كسحاء ... ويمسكون من البنات من كانت على غير تلك الصفات لكن مع ذل وعلى كره منهم.

وذكر بعض المؤرخين (٣) أن سنين شديدة كانت تنزل بالناس تكون قاسية على أكثرهم ولا سيما على الفقراء ، فيأكلون ( العلهز ) وهو الوبر بالدم ، وذلك من شدة الجوع ، وبهذا الفقر وهذه الفاقة وذلك الاملاق ، كل هذا حملهم على وأد البنات حذر الوقوع في الغواية. وذلك قوله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (٤).

__________________

(١) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي.

(٢) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ص ٨٧ المجلد الخامس.

(٣) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ص ٨٨ المجلد الخامس.

(٤) سورة الانعام ـ آية ـ ١٥١.

١٧

وقال تعالى : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) (١).

وقال تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ) (٢).

روى أهل السير : أن العرب كانوا يحفرون حفرة ، فإذا ولدت الحامل بنتاً ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموها في تلك الحفرة ، أو أنهم كانوا يقولون للأم بأن تهيء ابنتها للوأد وذلك بتطييبها وتزيينها فإذا زينت وطيبت اخذها أبوها الى حفرة يكون قد احتفرها فيدفعها فيها ويهيل عليها التراب حتى تستوي الحفرة في الأرض (٣).

وذُكر أيضاً أن الرجل منهم كان إذا ولدت له بنتاً فأراد أن يستحييها (٤) ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية (٥) فيقول لامها طيبيها (٦) وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها ، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض.

__________________

(١) سورة الانعام ـ آية ـ ١٤٠.

(٢) سورة الاسراء ـ آية ـ ٣١.

(٣) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ج ٤ ـ ص ١٨٨.

(٤) أي أبقاها على قيد الحياة.

(٥) أي يتركها حتى يصبح عمرها ست سنوات.

(٦) كان العرب يزينون البنت ويطيبونها قبل أن يئدوها ، وكانوا في بلاد النيل يزينون الفتاة بأجمل زينة ثم يلقونها في مياه النيل حتى يفيض عليهم بخيراته. وكان الهنود يزينون المرأة قبل أن يحرقوها. وأغلب الظن ان هذه العادات هي من بقايا الوثنية والتقاليد الدينية يقدمون القرابين والضحايا بأجمل زينة.

١٨

قصة رجل وأد ابنته وقد أظهر ندمه عند النبي (ص) :

روي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يزال مغتماً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك تكون محزوناً ؟ فقال يا رسول الله إني أذنبت ذنباً في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت فقال له : أخبرني عن ذنبك ؟ فقال : يا رسول الله ، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل النساء فخطبوها ، فدخلتني الحمية ، ولم يتحمل قلبي أن أزوجها ، أو أتركها في البيت بغير زواج ، فقلت للمرأة إني أريد أن أذهب الى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فأبعثيها معي ، فسرَّت بذلك ، وزينتها بالثياب والحلي ، وأخذت عليَّ المواثيق بألا أخونها ، فذهبت الى رأس بئر فنظرت في البئر ، ففطنت الجارية أني اريد ان ألقيها في البئر فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت إيش تريد أن تفعل بي (١) ؟ فرحمتها ، ثم نظرت في البئر فدخلت عليَّ الحمية ، ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي ! فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها ، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر : يا أبتِ قتلتني ؟! ومكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت.

فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقال : لو أُمرت أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك (٢).

ومهما كانت كيفية الوأد ، واختلاف المسببات ، فلقد حاربه الاسلام ،

__________________

(١) ايش : تريد ان تفعل بي ـ كذا وردت في الأصل.

(٢) العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ج ٥.

١٩

وندد به ، وعاقب عليه وجعله من الكبائر ، حتى محى أثره من الوجود ، وأصبح قصة يرويها الرواة ، من جملة ما يروونه من أخبار الماضي.

ولم يكتف الاسلام بذلك ، بل رفع من شأن المرأة ، وساوي بينها وبين الرجل في كثير من شؤون الحياة. وفي الحديث « إن أحسن الناس عند الله من أحسن صحبة أزواجه وبناته ».

وقد أكثر الشعراء العرب في وصف حالهم وحال المرأة في ذلك العهد وعجزها عن العمل والمقاومة ، في حين أن البنين أقوى منهن ، ويتاح لهم ما لا يتاح للبنت. قال بعض الشعراء :

وزادني رغبة في العيش معرفتي

ذل اليتيمة بحفوها ذوو الرحم

أخشى فظاظة عمٍ أو جفاء أخ

وكنت أبكي عليها من اذى الكلم

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً

والموت أكرم نزال على الحرم

إذا تذكرت بنتي حين تندبني

فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم

ووصف سروره واستقراره بعد أَن تخلص من ابنته حيث يقول :

فالآن تمت فلا همُّ يؤرقني

بعد الهدوء بلا وجدٍ ولا حل

٢٠