🚖

الإمام المهدي عليه السلام بين التواتر وحساب الإحتمال

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

الإمام المهدي عليه السلام بين التواتر وحساب الإحتمال

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة: ٠
ISBN: 964-319-230-X
الصفحات: ٤٨
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

١

٢

دليل الكتاب

مقدّمة المركز................................................................... ٤

تمهيد.......................................................................... ٦

التشكيك في فكرة الإمام المهدي عليه‌السلام........................................... ٧

البعد الأول التشكيك في أصل الفكرة............................................. ٨

الاستدلال بالآيات في بطلان التشكيك............................................ ٩

الاستدلال بالروايات على بطلان التشكيك........................................ ١٠

البعد الثاني : التشكيك في الولادة................................................. ١٢

أربع قضايا مهمّة............................................................ ١٤

القضية الأولى طرق إثبات المسائل التاريخية.............................................................. ١٤

القضية الثانية في الخبر المتواتر............................................................... ١٦

القضية الثالثة في اختلاف الأخبار في الخصوصيات واشتراكها في مدلول واحد............................................................... ١٧

القضية الرابعة الاجتهاد في مقابل النص........................................ ١٩

عوامل نشوء اليقين بولادة الإمام المهدي عليه‌السلام.................................. ٢٢

العامل الأول الأحاديث المتفق عليها بين الفريقين................................... ٢٢

٣

العامل الثاني إخبار النبي والأئمة بولادة الإمام المهدي............................. ٢٦

العامل الثالث رؤية بعض الشيعة للإمام المهدي............................................................... ٣٢

العامل الرابع وضوح فكرة ولادة الإمام المهدي بين الشيعة................................................................ ٣٨

العامل الخامس السفراء الأربعة والتوقيعات.............................................................. ٤٠

العامل السادس تصرّف السلطة.............................................................. ٤٢

العامل السابع كلمات المؤرخين................................................... ٤٤

العامل الثامن تباني الشيعة واتفاقهم على ولادة الإمام المهدي......................... ٤٦

حساب الاحتمال............................................................... ٤٧

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز :

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والإفهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة ، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة ، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك ، فقد بادر مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور : عقد الندوات العقائديّة المختصّة ، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين ، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة ، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها ، ثم يخضع ذلك الموضوع

٥

ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولأجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الإنترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً ، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان « سلسلة الندوات العقائدية » بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الأبحاث العقائدية

فارس الحسّون

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيـد :

الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قال الله عزوجل في كتابه الكريم : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ) (١).

بحثنا إن شاء الله تعالى في هذه المحاضرة يدور حول الإمام المهدي روحي وأرواح العالمين له الفداء ، والبحث عن فكرة الإمام المهدي ذات جوانب وجهات متعدّدة ، وانتخبت لكم الحديث عن واحد من تلك الجوانب ، وهو جانب ولادة الإمام صلوات الله وسلامه عليه ، لأقوم في محاضرتي هذه بإثبات الولادة ونفي التشكيك عن ذلك.

__________________

(١) الصف : ٨.

٧
٨

التشكيك في فكرة الإمام المهدي عليه‌السلام

التشكيك في فكرة الإمام المهدي صلوات الله عليه يمكن إبرازه في بعدين :

البعد الأول : التشكيك في الفكرة من الأساس ، فالإمام المهدي سلام الله عليه لم يولد ولا يولد ويرفض القول بأنّه سوف يظهر في آخر الزمان رجل يتم إصلاح العالم على يديه ، مثل هذا الشخص لم يولد ولا يولد ولا تتحقق مثل هذه الفكرة ، هذا بُعد من التشكيك في فكرة الإمام المهدي.

البعد الثاني : أن يسلّم بفكرة الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه في الجملة ، ولكن يدّعى أنّ هذه الفكرة بعد لم تولد ، وإنّما تولد فيما بعد ، فشخص بعنوان الإمام المهدي لم يتحقق بعد ، وإذا كان هناك مصلح يتحقق على يديه إزالة الظلم فذلك يتحقق ويولد فيما بعد.

البعد الأول : التشكيك في أصل الفكرة

إذا لاحظنا البُعد الأول من التشكيك ، أي : التشكيك في الفكرة من الأساس ، فبالامكان أن نجد المسلمين متفقين تقريباً على بطلان مثل ذلك ، فالإمامية وغيرهم قد اتفقت كلمتهم على أنّه سيظهر في آخر

٩

الزمان رجلٌ يتم إصلاح العالم على يده المباركة ، وقد دلّت على ذلك آيات كثيرة ، كما دلّت على ذلك مجموعة كبيرة من الروايات.

الاستدلال بالآيات في بطلان التشكيك :

أمّا الآيات فأتمكن أن أقول هي بين خمس إلى ست ، طبيعي الآيات التي لا تحتاج إلى تفسير من قبل أهل البيت سلام الله عليهم والتي هي ظاهرة بنفسها ، وواحدة من تلك الآيات ما تلوته على مسامعكم الشريفة : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بأَفْواهِهِمْ ) ، نور الله هو الإسلام ( وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) ، هذا إخبار من الله عزوجل بأنّ نوره سوف يتمّه على جميع الكرة الأرضية ، ومصداق ذلك لم يتحقق بعد ، وحيث أنّه لا يحتمل في حقه سبحانه عز وجل الأخبار على خلاف الواقع ، فلا بد وأنّ إتمام النور سوف يتحقق يوماً من الأيام ، ولا يحتمل تحقّقه إلاّ على يد هذا المصلح وهو الإمام صلوات الله عليه ، هذه الآية بنفسها ظاهرة بلا حاجة إلى تفسير روائي.

ومن هذا القبيل قوله تعالى ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُون ) (١) ، المقصود من الأرض جميع الأرض ، ولحدّ الآن لم يرث جميع الأرض العباد الصالحون ، ولا بدّ وأن يتحقق هذا فيما بعد في المستقبل ، ولا يحتمل تحققه إلاّ على يد الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

هاتان الايتان وغيرهما من الآيات ـ طبيعي أنا لا أريد أن أقف عند

__________________

(١) الأنبياء : ١٠٥.

١٠

هذا البعد من التشكيك ، وإنّما أريد أن أمرّ عليه مرّ الكرام كتمهيد إلى البعد الثاني الذي هو أساس بحثي ـ تدلّ على فكرة الإمام المهدي.

ولكن أعود لأؤكد لكم من جديد أنّ هذه الآيات لا تدلّ على أنّ هذا الشخص قد ولد الآن وهو موجود الآن وغائب عن أعيننا الآن ، هذه تدل على أنّه سوف يتحقق هذا الحلم وهذه الأمنية في يوم من الأيام ، الأرض يرثها العباد الصالحون ـ جميع الأرض ـ ومن الممكن أنّ الإمام لم يولد بعد وسوف يولد في المستقبل ، وتتحقق هذه الأمنية على يده في المستقبل من دون أن يكون مولوداً الآن ، فمثل هذه الآيات لا تثبت ولادة الإمام وأنّه غائب ، بل من المحتمل أنّه سوف يولد مثل هذا الشخص في المستقبل.

الاستدلال بالروايات على بطلان التشكيك :

الروايات أيضاً في هذه المجال ـ في أصل فكرة الإمام المهدي ، وأنّه سوف تتحقق هذه الأمنية ، ولو من دون دلالة على أنّ هذا الشخص مولود بالفعل ـ كثيرة وسلّم بها غير الإمامية أيضاً ، وألّفوا كتباً في جمع هذه الروايات الدالة على الإمام المهدي وأنّه سوف يظهر في آخر الزمان شخص باسم المهدي ، والذي اطلعت عليه أنا أكثر من ثلاثين كتاباً للأخوة من العامة غير الإمامية في هذا المجال.

ومن باب المثال أقرأ لكم بعض الروايات :

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ

١١

من أهل بيتي يواطئ إسمه إسمي » (١).

حديث آخر : « لا تقوم الساعة حتى تملا الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً » (٢).

وعلى هذا النسق روايات آخرى كثيرة موجودة.

وقد سلّم بهذه الروايات وبهذه الفكرة في الجملة غيرنا من الأخوة العامّة ، بما فيهم ابن تيمية وابن حجر (٣) ، بل في الآونة الأخيرة سلّم بها عبد العزيز بن باز كما ورد في مجلّة الجامعة التي تصدر من المدينة المنوّرة (٤) وذكر أنّ هذه الفكرة صحيحة والروايات صحيحة ولا يمكن إنكار هذه الفكرة.

فالمسلمون إذن بشكل عام قد سلّموا بهذه الفكرة ، للآيات والروايات.

وإذا كان هناك منكر فهو قليل ، ويمكن أن يعدّ شاذاً ، من قبيل ابن خلدون في تاريخه (٥) وأبو زهرة في كتابه الإمام الصادق (٦) ومحمد

__________________

(١) مسند أحمد ١ : ٣٧٧ ح ٣٥٦٣ ، ونحوه الصواعق المحرقة : ٢٤٩.

(٢) مسند أحمد ٣ : ٣٦ ح ١٠٩٢٠ ، كنز العمال ١٤ : ٢٧١ ح ٣٨٦٩١ ، وفيه : « رجل من عترتي ».

(٣) الصواعق المحرقة : ٢٤٩.

(٤) مجلة الجامعة الإسلامية العدد ٣ من السنة الأولى ١٦١ ـ ١٦٢.

(٥) تاريخ ابن خلدون ١ : ١٩٩.

(٦) الإمام الصادق : ١٩٩.

١٢

رشيد رضا في كتابه تفسير المنار (١) في قوله تعالي : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ ) (٢) ، فانه حينما يمرّ بها هناك يقول : الروايات ضعيفة ، فهو يحاول تضعيف الروايات بمجرد دعوى ذلك لا أكثر.

على أي حال أصل فكرة الإمام المهدي وأنّه سوف يتحقق هذا الحلم وتتحقق هذه الأمنية مسلّمة من قبل عامة المسلمين تقريباً إلاّ من شذّ ، وقد دلّت عليها الآيات كما قلت ، والروايات الكثيرة التي جمعت في ثلاثين كتاب أو أكثر للاخوة العامة فقط.

البعد الثاني : التشكيك في الولادة :

البعد الثاني للتشكيك هو التشكيك في ولادة الإمام سلام الله عليه ، بمعنى أن يقال : نحن نسلّم بهذه الفكرة وأنّه سيظهر شخص ، لكن هذا الشخص لا يلزم أن يكون هو الإمام المهدي ، ولا يلزم أن يكون مولوداً الآن ، ولا يلزم أن يكون قد غاب ، ولعلّه يولد في المستقبل والآن غير موجود ، ولا توجد غيبة ، فكيف نتمكن أن نثبت ولادة الإمام المهدي الآن وأنّه قد تحققت ولادته ؟ إن المهم في محاضرتي هذه هو إثبات هذا الموضوع ، وعنونت محاضرتي بعنوان « الإمام المهدي سلام الله عليه بين التواتر وحساب الإحتمال » وسأحاول إن شاء الله إثبات ولادة الإمام من خلال هذين الطريقين ، أي : طريق التواتر مرّة ، وطريق حساب الإحتمال أخرى.

__________________

(١) تفسير المنار ١٠ : ٣٩٣ ، سورة التوبة ، وله مناقشات حول روايات الإمام المهدي عليه‌السلام راجع ٩ : ٤٩٩ ـ ٥٠٧.

(٢) التوبة : ٣٢.

١٣
١٤

أربع قضايا مهمّة

وقبل أن اشرع بالبحث أودّ أن أبيّن أربع قضايا كمقدمة لتحقيق الهدف :

القضية الأولى :

أي مسألة تاريخية إذا ما أردنا إثباتها فهناك طريقان لاثباتها :

أحدهما : التواتر.

ثانيهما : حساب الاحتمال.

والتواتر كما تعلمون يعني : أن يخبر بالقضية مجموعة كبيرة من المخبرين بحيث لا نحتمل اجتماعهم واتفاقهم وتواطئهم على الكذب ، فإذا كان خبر من الأخبار جاء ثلاثمائة شخص أو مائتا شخص أخبرونا به ، وكلّ واحد نفترضه من مكان غير مكان الآخر ، في مثل هذه الحالة لا نحتمل تواطؤ الجميع واتفاقهم على الكذب ، مثل هذا الخبر يقال له الخبر المتواتر.

هذا طريق لتحصيل العلم بالقضية والمسألة التاريخية.

الطريق الثاني : أن نفترض أنّ الخبر ليس متواتراً ، كما اذا أخبر به واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة من دون تواتر ، ولكن انظمّت

١٥

إلى ذلك قرائن من هنا وهناك ، يحصل العلم بسببها على مستوى حساب الاحتمال.

فلنفترض أنّ هناك شخصاً مصاب بمرض عضال ، وجاء شخص وأخبر بأنّ فلاناً قد شوفي من مرضه ، يحصل احتمال أنّه شوفي بدرجة ثلاثين بالمائة مثلاً ، لكن إذا انضمّت إلى ذلك قرائن فسوف ترتفع القيمة الاحتمالية من ثلاثين إلى أربعين وإلى خمسين وإلى أكثر ، افترض أنّنا شاهدناه لا يستعمل الدواء بعد ذلك وكان حينما يحضر في مكان يستعمل الدواء ، فهذا يقوّي احتمال الشفاء ، وإذا كانت القيمة الاحتمالية للشفاء بدرجة ثلاثين الآن ترتفع وتصير بدرجة أربعين مثلاً ، وأيضاً شاهدناه يجلس في المجلس ضاحكاً مستبشراً ، هذه الظاهرة أيضاً تصعّد من القيمة الاحتمالية لهذا الخبر ، وهكذا حينما تنضمّ قرائن من هذا القبيل ، فسوف ترتفع القيمة الاحتمالية للخبر إلى أن تصل إلى درجة مائة بالمائة.

هذا الخبر هو في الحقيقة ليس خبراً متواتراً ، لكن لانضمام القرائن حصل العلم.

فهنا حصول العلم يحصل بحساب الإحتمال ، يعني بتقوّي القيمة الاحتمالية بسبب انضمام القرائن.

إذن ، حصول العلم بأي قضية تاريخيّة يتمّ من خلال أمرين :

من خلال التواتر.

ومن طريق حساب الإحتمال بتجميع القرائن.

هذه القضية الأولى التي أحببت الإشارة إليها.

١٦

القضية الثانية :

لا يلزم في الخبر المتواتر أن يكون المخبر من الثقات ، فان اشتراط الوثاقة في المخبر يلزم في الخبر غير المتواتر ، كما إذا جاءنا شخص واحد أو اثنان أو ثلاثة وأخبرونا بقضية ، هنا يشترط أن يكون المخبر ـ لأجل أن يكون هذا الخبر حجة ـ عادلاً ، أما لو كانت القضية أخبر بها مائة أو مائتان أو ثلاثمائة ، يعني العدد كان يشكّل التواتر فليس من الضروري عدالة المخبر ؟ فالعدالة والوثاقة هي شرط في الخبر غير المتواتر.

وأرجو أن لا يحصل خلط في هذه القضية بين الخبر المتواتر وبين الخبر غير المتواتر ، إذ البعض يتصور أنّ مسألة الوثاقة ومسألة عدالة الراوي يلزم تطبيقهما حتى في الخبر المتواتر ، هذا غير صحيح ، بل الذي نشترط فيه العدالة والوثاقة هو الخبر غير المتواتر.

لماذا لا نشترط في الخبر المتواتر العدالة والوثاقة ؟

النكتة هي : أنّ الخبر المتواتر حسب الفرض يفيد العلم ، لكثرة المخبرين ، وبعد ما أفاد العلم لا معنى لاشتراط الوثاقة والعدالة ، إذ المفروض أنّ العلم حصل ، وليس بعد العلم شيء يُقصد ، فلا معنى إذن لاشتراط الوثاقة والعدالة في باب الخبر المتواتر ، وهذه قضيّة بديهيّة وواضحة في سوق العلم.

وعلى أساس هذه القضيّة ليس من الحق وليس من الصواب أن نأتي إلى الروايات الدالة على ولادة الإمام المهدي عليه‌السلام أو أي قضية ترتبط بالإمام المهدي سلام الله عليه ونقول : هذه الرواية ضعيفة السند ، الرواة مجاهيل ، هذا مجهول أو ذاك مجهول ، هذه الرواية الأولى إذن نطرحها ،

١٧

الرواية الثانية الراوي فيها مجهول إذن نطرحها ، والثالثة كذلك ، الرابعة هكذا و ...

هذا ليس بصحيح ، فان هذا صحيح لو فرض أنّ الرواية كانت واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو عشر ، أما بعد فرض أن تكون الروايات الدالة على ولادة الإمام المهدي سلام الله عليه قد بلغت حدّ التواتر لا معنى أن نقول هذه الرواية الأولى ضعيفة السند ، والثانية ضعيفة السند لجهالة الراوي والثالثة هكذا ، فان هذه الطريقة وجيهة في الخبر غير المتواتر ، أمّا في الخبر المتواتر فلا معنى لها.

هذه القضيّة الثانية التي أحببت الإشارة إليها.

القضية الثالثة :

إذا فرض أنّ لدينا مجموعة من الأخبار تختلف في الخصوصيّات والتفاصيل ، لكن الجميع يشترك في مدلول واحد من زاوية ، كما لو فرضنا أنّه جاءنا مجموعة كبيرة من الاشخاص يخبروننا عن تماثل ذلك الشخص المريض للشفاء ، لكن الشخص الأول جاء وأخبر بالشفاء في الساعة الواحدة ، والثاني حينما جاء أخبر بالشفاء أيضاً لكن في الساعة الثانية ، والثالث حينما جاء أخبر بشفائه لكن في الساعة الثالثة ، فاختلفوا في رقم الساعة ، لكن الكلّ متفق على أنّه قد شوفي ، والخامس أو السادس جاء وأخبر بالشفاء لكن بهذا الدواء ، والآخر قال بذلك الدواء ، فكان الاختلاف بمثل هذا الشكل ، أي : اختلاف في الخصوصيّات ، لكن الكلّ متفق من زاوية واحدة ، وهي أنّه قد شوفي.

في مثل هذه الحالة هل يثبت الشفاء ؟

١٨

نعم أصل الشفاء يثبت بنحو العلم.

والنكتة في ذلك ، أنّ المخبر الأول في الحقيقة يخبر بخبرين لا بخبر واحد : الخبر الأول الذي يخبر به أنّه شوفي ، والخبر الثاني أنّه شوفي في الساعة الأولى ، الثاني حينما يخبر أيضاً يخبر بأنه شوفي ، والثالث حينما يخبر أيضاً يخبر بأنّه شوفي ، إذن هم متفقون في الأخبار الأول أنه شوفي ، لكن يختلفون في الأخبار الثاني ، إذن في الأخبار الأول التواتر موجود والاتفاق بين الجميع موجود.

ومن هنا نخرج بهذه النتيجة : أنّ الأخبار الكثيرة إذا اتفقت من زاوية على شيء معيّن فالعلم يحصل بذلك الشيء ، وإن اختلفت هذه الأخبار من الجوانب الأخرى في التفاصيل.

وبعد هذا فليس من حقّنا أن نناقش في روايات الإمام المهدي عليه‌السلام ونقول : هذه مختلفة في التفاصيل ، واحدة تقول بأنّ أم الإمام المهدي اسمها نرجس والثانية تقول أنّ أم الإمام اسمها سوسن والثالثة تقول اسمها شيء ثالث ، أو أن واحدة تقول وُلد في هذه الليلة والثانية تقول وُلد في تلك الليلة أو واحدة تقول وُلد في هذه السنة والأخرى تقول في السنة الأخرى ، فعلى هذا الأساس هذه الروايات لا يمكن أن نأخذ بها ، وليست متواترة وليست مقبولة ، لأنها تختلف في التفاصيل ، ولا تنفع في إثبات التواتر وفي تحصيل العلم بولادة الإمام سلام الله عليه ، لأنها مختلفة ومتضاربة فيما بينها حيث اختلفت بهذا الشكل.

إنه باطل ، لان المفروض أن كل هذه الأخبار متفقة في جانب واحد ، وهو الأخبار بولادة الإمام سلام الله عليه ، ولئن اختلفت فهي مختلفة في

١٩

تفاصيل وخصوصيات اُخرى ، لكن في أصل ولادة الإمام هي متفقة ، فالعلم يحصل والتواتر يثبت من هذه الناحية.

هذه القضية الثالثة.

القضية الرابعة :

وهي الأخيرة التي أردت الإشارة إليها : ليس من حق شخص أن يجتهد في مقابل النص ، فإذا كان عندنا نص صريح الدلالة وتام السند من كلتا الجهتين ، فلا حق لاحد أن يأتي ويقول أنا أجتهد في هذه المسألة.

فالله عزوجل يقول : ( وَأقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (١) ، وهذه الآية بوضوح تدلّ على الطلب ، غاية ما في الأمر ليست صريحة في الطلب الوجوبي ، لكن في أصل الطلب ـ طلب الصلاة وطلب الزكاة ـ دلالتها صريحة وسند القرآن لا مناقشة فيه.

فلا يحق لاحد أن يقول : أنا أريد أن أجتهد في هذه المسألة وأقول هي لا تدل على الطلب !! ليس له هذا الحق ، وهذا يسمونه اجتهاد في مقابل النص.

نعم إذا كان يجتهد في الدلالة ويقول لا تدل على الوجوب بل تدل على الاستحباب ، فهذا جيد ، لأنّ الدلالة ليست صريحة على الوجوب ، أمّا أن يجتهد في الدلالة على أصل الطلب ويقول أنا أجتهد وأقول لا تدل هذه على اصل الطلب في رأيي فهذا لا معنى له ، لأنّ دلالتها على الطلب صريحة والسند أيضاً قطعي.

__________________

(١) البقرة : ٤٣.

٢٠