الآلوسي والتشيع

السيد أمير محمد القزويني

الآلوسي والتشيع

المؤلف:

السيد أمير محمد القزويني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٤٥
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

كلمة المركز :

كثيرة هي الكتب التي يفتري مؤلّفوها على الشّيعة ، وقديم هو التّأليف في هذا المجال ... ، ومن بين هذه الكتب كتاب محمود شكري الآلوسي ، الموسوم بعنوان : « المنحة الإلهيّة ، تلخيص ترجمة التّحفة الإثني عشريّة ». وقد صدر في طبعة أولى في بومبي ، وفي طبعة ثانية في مصر.

يلفت عنوان هذا الكتاب اهتمام القارئ ، ويحثّه على قراءته ، لكنّه لا يلبث أن يفاجأ بما يتضمّنه من افتراءات على الشّيعة تصل إلى حدّ رميهم بالكفر ، وعدّهم من الطّوائف الخارجة عن الإسلام.

وإن يكن هذا ليس جديدا في هذا المجال ، فإن الآلوسي يزعم ، وهو يتدفّق بسيل الشّتائم للشّيعة أنّه مسلم تقي ، ينتمي إلى شيعة الإمام علي عليهم‌السلام ، وينتسب إلى السلالة الحسينيّة الطّاهرة.

وإذا كان هذا الزّعم صحيحا فكيف يدين ، كما يبدو في كتابه ، بدين أعداء الموالين لأهل البيت عليهم‌السلام ، ومريدي إطفاء أنوار العترة الطّاهرة؟

لعلّه لا يعلم أن الشّيعة هم فرقة الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام المسمّون بشيعته في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأن القول بتفضيل الإمام علي عليه‌السلام وموالاته الذي هو معنى التشيّع كان موجودا في عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستمرّ إلى اليوم؟

وإن لم يكن هذا الزّعم صحيحا ، ألا يجدر به ، بوصفه كاتبا يبحث في موضوع خلافي ، أن يعود إلى كتب من يبحث في شأنهم فيكتسب معرفة ما ، إن لم نقل معرفة

٥

شاملة وعميقة ، تؤهّله لأن يقول ما صار لديه به علم؟

إن الآلوسي ، وللأسف ، وكما يبدو من كتابه ، لم يفعل ما هو جدير بمسلم تقي يزعم أنه يحبّ أهل البيت عليهم‌السلام وينتسب إلى سلالتهم ، بل إنه لم يفعل ما هو جدير بأيّ باحث عن الحقيقة ، ذلك أنه عاد إلى كتب خصوم الشّيعة ، واستند إليها في سوق الافتراءات ، وراح يكيل السّباب والشّتائم ... ، ما يعني أن رياح الهوى البغيض عصفت به ، فجعلته عاجزا عن البصر والتّبصر الجديرين بكاتب يعيش في هذا العصر.

وقد أدرك مؤلّف هذا الكتاب حقيقة ما صنع الآلوسي في كتابه ، بعد أن قرأه بتمعّن ، وتساءل : أليس من الظّلم الفاحش أن يحكم الإنسان على أمّة كبيرة من المسلمين بالكفر ، ولا يجد أمامه من مستند سوى ما يترامى إليه من أعدائها من افتراءات يتبرءون هم منها؟

وخشية من أن تغدو هذه الافتراءات حقائق متداولة ، عزم المؤلّف على مناقشة ما جاء به الآلوسي ، محتكما إلى آيات كتاب الله البيّنات وأحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجياد ، فكان هذا الكتاب الذي نرجو من نشره أن نسهم في بيان الحقيقة ، فعسى أن نكون قد وفّقنا ، والله الموفّق في كل حال.

مركز الغدير للدّراسات الإسلامية

٦

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) [ النساء : ١١٢ ]

ـ صدق الله العليّ العظيم ـ

الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على نبيّه وصفيّه ، وأفضل أنبيائه ورسله وأشرف خلقه محمّد وآله المعصومين خلفائه ، وعلى أصحابه الّذين نصروه في حياته ولم يبدّلوا بعد وفاته ، وعلى التّابعين له بإحسان.

كنت اطلعت على الكتاب المسمى : ( المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الإثني عشرية ) لمحمود شكري الآلوسي البغدادي المطبوع جديدا في مصر القاهرة (١) ولقد حداني اسمه إلى أن أقرأه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات ، وكنت أثناء مروري على صفحاته أرى خلالها كلمات ترمز إلى الضلال والإضلال ، وعلى الرغم من كثرة شطنها كنت أوطن النفس على حسن الظن بمؤلّفه ، وأرجو أن يكون الهدف الّذي ألّفه في سبيله حكمة بالغة وإن خانه النظر فأخطأ مقدماتها الصحيحة.

افتتح الآلوسي كتابه بالبحث عن الشيعة الإثني عشرية ، وبعد أن رماهم باسم الكفر والإلحاد نسب إليهم بعض الطوائف الخارجة عن الإسلام المنتحلة هذا الاسم ممن لا تعرفهم الشيعة ، بل لا يصح عدّهم من فرق المسلمين كالخطابيين والغلاة وغيرهم وقال إنهم من الشيعة ، ورأيت فوق ذلك تحاملات ورهاء ، ومزاعم جوفاء قد شحنه بعبارات الذم والقدح ، بحيث تشمئز منها

__________________

(١) وللكتاب طبعة أولى بمطبعة بومبوي الهند ، سنة ( ١٣٠١ ه‍ ) وهي التي ننقل عنها مزاعمه في هذا الكتاب ، لأنه لا توجد لدينا نسخة من الطبعة الجديدة.

٧

النفوس ، وتقشعر منها الأبدان ، وقد بلغ به الشطط إلى الحكم عليهم بالخروج عن الإسلام ، بعد أن عزا إليهم كلّ أنواع المخازي والمرديات.

والحق أن الآلوسي كتب عن الشيعة ما كتب وهو على غير بيّنة من أمرهم ، ولا يعرف أحدا من رجالاتهم ، ولا قولا من أقوالهم ، ولا يعرف شيئا عن عقائدهم ، وخواصّهم ، وكتبهم ، وأحاديثهم ، وإنما كتب ما كتب معتمدا على أمثال ابن تيمية ، وابن خلدون ، وابن حزم ، والشهرستاني من خصوم الشيعة وأعدائها ، دون أن يشعر أن الخصم لا يكون حكما ، وما تفرّد به لا يكون حجّة على خصمه الّذي يتبرأ من مبدئه ورأيه.

وليته علم أن سوء التفاهم يجر إلى الاختلاف ، وحسن التفاهم والمجادلة بالتي هي أحسن يوجبان الائتلاف ، والمؤمن من عشاق البرهان يميل معه حيث مال لا يلوي جيدا إلى مخالفته لهواه.

ونحن قد فحصنا عبارات الآلوسي ودرسنا كلماته فلم نر فيها من ردّ ولا تفنيد ولا نقد ولا تدليل ، بل كلّ ما وجدنا تحت عباراته وخلال كلماته تهجمات العاجز ، وسباب المخذول ، فهو لم يتصدّ للردّ على شيء من أقوالهم كما يزعم ، ولم يبرهن على بطلانها كما تبرهن العلماء.

ولعل فيما أدلى من السباب والشتائم ما يحسبه أدلة رصينة وبراهين متينة لدحض أقوالهم ، ونحن نربا عن مقابلته بالمثل لأننا مؤمنون ، والمؤمن مثال الفضيلة ، وعنوان الإنسانية ، ودعامة الأخلاق ، وبيت العدل ، والذي يريد النزول في ميدان المناظرة ، ويخوض معمعة المجادلات للوقوف على الحقّ والصواب ، عليه أن يتسلح بسلاح الفضيلة ، ويتصف بالإنصاف ، ولا يزيل عقله بتيار هواه ، فلا يمسّ العواطف ، ويجرح الضمائر ، ويثير النقمة ، ويذبح الحقيقة ، ويميت الدين ، ويقضي على الحق واليقين ، وهكذا صنع الآلوسي في كتابه مع أخصامه ، فنال من الشيعة ومن علمائهم ، وتدارك عليهم بالكفر والإلحاد.

أيها القارئ : إن علماء السّوء الّذين يكتمون علمهم عن النّاس ولا يزودونهم بعلمهم الّذي يوصلهم إلى سعادتهم في الدارين ، بل يمرنونهم على حب

٨

الانتقام ، ويولدون فيهم روح الحط من كرامة الآخرين والنيل منهم ، ويوحون إليهم زخرف القول ، ويموهون عليهم الحقائق بألسنة المكر والخداع ليصدوهم عن دين الله ، أولئك الّذين شغفهم حبّ الذات ، وطاب لهم التبصبص حول العروش والتيجان ، فهم يتفانون في سبيل أطماعهم والاحتفاظ بوضعهم ، فيبيعون الأمة بالثمن القليل من رواد المنافع والأصفر الرنان ، لهم أضرّ على أمتنا من عدو الله إبليس اللّعين ، والعالم المخادع أضر على العالم من الشياطين.

إننا نمقت كلّ من يحيد عن طريق الحقّ ، وينحرف عن جادّة الصواب إزاء حبّ الإثرة والأطماع ، ونسمهم بسمات أهل الزيغ ، ونسجلهم في سجل المشاغبين وصحائف أهل البغي والضلال.

فها هي ذي كتب الشيعة الإمامية (١) مملوءة بالأدلة المفندة لآراء مخالفيهم ، ومشحونة بالبراهين القويّة التي تزيّف مزاعم خصومهم ، وتقلعها من جذورها ، وتقطعها من أصلها ، وقد ملأت الخافقين على كثرتها ، فليتصدّ من يروم التصدي للردّ عليها وتفنيدها بالأدلة المقبولة لا بالمفتريات والطعون الكاذبة والآراء الزائفة التي كانت تدلي بها عقول أناس لم يتفقهوا في الدين ، ولم يعرفوا شيئا من أصوله وفروعه ، الّذين ركبوا بغلة العناد ، وأخذوا بزمام التعصب ، وتسربلوا بسربال المكابرة ، وانصرفوا لوحي شياطين الإنس ، واندفعوا بمؤثراتها ، لا يعرفون باب الهدى ليدخلوا منه ، ولا باب العمى فيبتعدوا عنه.

نحن وأيم الله قوم نحترم الدليل ، ونستضيء بنور البرهان ، ونجلّ الأحاديث النبوية المتفق عليها بين الأمة ، ونحتج بها على خصمائنا في إثبات أقوالنا ، ونبرهن على صحتها بدلالتها ، ونعرب عن جميل أصلها بحسن فرعها ، فهلموا إلينا بما لديكم من حجج وأدلة مقبولة عند أهل النظر ، ومعتبرة عند أهل العرفان لنذعن للحقيقة والصواب ، أما أنكم تسيرون على طرق معوجة ، وخطوط متعرجة ، وتدلون علينا بالمفتريات ، والشتم والسباب ، فذلك ما نحن عنه بمعزل

__________________

(١) الشيعة الإمامية هم الذين يقولون بإمامة اثني عشر إماما ، تسعة من ولد الإمام الحسين عليه‌السلام كما نصّت عليه أحاديث الفريقين المتواترة.

٩

لا نحرك له قلما ، ولا نضيّع في سبيله ورقا ولو لا خشية أن تنطلي بمر الأيام على أذهان البسطاء فيحسبوها يوما ما كحقائق راهنة لها أثرها وقيمتها.

إذ من المؤكد أن الأكاذيب الملفقة ، والحكايات المموهة إذا تناولتها الأقلام بالضبط لا بد أن تصبح يوما ما كحقائق عند الزعانف والأغرار ، لذا ترى كثيرا من الناس مخدوعين بتلك المفتريات التي ألصقوها بالشيعة ، دون أن يشعروا بما يفرضه العقل عليهم من التثبت والتحقيق تجاه تلك الأضاليل والتشنيعات الشائنة ، خاصة إذا كانت مخالفة للعيان والوجدان.

فالمذهب الشيعي عند الآلوسي مؤسس على الكيد والخداع ، وملفق من اليهودية والنصرانية ، والمجوسية والخارجية ، بل مؤسس على الكفر والإلحاد ، والزندقة والعناد ، والشيعة أنفسهم كافرون منافقون ، يكتبون بعض الكتب وينسبونها إلى أعلام السنّة ، ومع ذلك فهم كذابون ضالّون ، يضعون الأحاديث في المسانيد ، ولا يتوقفون عن الإنتصار لمذهبهم بكلّ وسيلة يأملون من خلالها إظهار مذهبهم وإن كانت لا صلة بينها وبين الحق أبدا ، فهم يضعون الأحاديث التي توافق فكرتهم وينسبونها إلى مشاهير علماء أهل السنّة ، وبهذا أضلّوا كثيرا من أهل السنّة ، بل وقد انخداع الكثير من أعلام أهل السنّة بهذا التمويه والخداع ، وهم يضعون على لسان عليّ عليه‌السلام ما من شأنه الكذب ، وهم الّذين استفادوا مذهبهم بدون واسطة من رئيس المضلّين إبليس اللّعين ، وكانوا منافقين جهروا بكلمة الإسلام وأضمروا في بطونهم عداوة أهله ، وتوصلوا بذلك النفاق إلى الدخول في زمرة المسلمين ، كلّ ذلك مما سجله الآلوسي على الشيعة ونسبه إلى مذهبهم ، على أننا لم نذكر سائر كلماته التي كلّها على هذا النمط.

وسأوضح لك أيها القارئ ما اشتمل عليه كتابه وأدلته التي هي أو هي من بيت العنكبوت ، وإنه لأوهن البيوت ، وكيف أنه لم يحو سوى التناقض القبيح ، وكيف أنه لم يقصد من ورائه إلاّ التضليل وإثارة الفتنة المائتة ، وإهاجة الضغائن الهادئة ، تلميحا تارة وتصريحا أخرى ، وطريقتي في نقده هو أني أضع ملخص ما تناوله من المباحث المهمّة والمواضيع التي تستحق المناقشة ثم نعود إلى ما نراه

١٠

جديرا بالتفنيد ، فنحكي ألفاظه بعينها ، ونتبعها بما يزيح تمويهها ويجتث فسادها من منبته.

وقبل أن نخوض في هذه المباحث مع صاحب الكتاب يجب أن تعلم بأن الّذي يجب تحكيمه بيننا وبينه هو آيات كتاب الله البينات ، وأحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجياد التي اتفق الفريقان على صحتها أو ما يشهد لصحته من صحيحها ، ونجعل ذلك أصولا موضوعة نرجع إليها في قطع الخصومة ورفع النزاع ، إذ لا مرجع إلاّ إليهما لاتفاق الخصمين على قبولهما ، فبهما تقوم الحجّة على المتناظرين كما تقوم الحجّة على أحدهما فيما تثبت صحته في مذهبه وإن لم يكن صحيحا عند خصمه الآخر لكونه حجة عنده يلزمه العمل على طبقه ، وكلّ دليل لم يكن من هذا النوع فهو تضليل ساقط لا قيمة له.

ونحن لا نسلك في اقتناص الحقيقة غير هذا الطريق ، ولا ننحو في طلب الحق غير هذا المنحا ، وهو الكفيل في الحصول عليه لا سواه.

ويجدر بنا قبل أن نخوض في تزييف هذه المزاعم أن نذكر للقارئ صورة صغيرة من عقائد الشيعة توقفه على حقيقة أمرها في طي تمهيد يتضمن ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : في معنى الشيعة الإثني عشرية.

المبحث الثاني : في ما تعتقده الشيعة من الأصول.

المبحث الثالث : في اعتقاد الشيعة في الفروع.

١١
١٢

تمهيد

المبحث الأول : في معنى الشيعة الإثني عشرية

الشيعة في القاموس : ـ شيعة الرجل بالكسر ـ أتباع الرجل وأنصاره ، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا وأهل بيته حتى صار اسما لهم خاصا.

وفي تاج العروس : كلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة.

وفي لسان العرب : ـ الشيعة ـ أتباع الرجل وأنصاره ، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا وأهل بيته ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ حتى صار لهم اسما خاصا ، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم ، وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة.

وقال الأزهري : والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويوالونهم.

وفي المنجد : الشيعة أتباع الرجل ، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا وأهل بيته.

وهكذا صرح به بطرس البطراي في محيط المحيط.

ويقول ابن عباس حبر الأمة : لما نزلت هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [ البينة : ٧ ]

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ : « هم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين ، ويأتي عدوّك غضابا مقمحين » (١).

__________________

(١) أخرجه ابن الصباغ المكي المالكي في الفصول المهمة : ١٢٢ ، وابن حجر الهيتمي في صواعقه في الآية الحادية عشرة من الآيات الواردة في فضائل أهل البيت النبويّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الباب الحادي عشر : ١٥٩ ، ويشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه ص ٦ من جزئه الأول في باب حب الأنصار وعليّ عليه‌السلام من الإيمان من كتاب الإيمان ، والعسقلاني في إصابته : ٢٧١ من جزئه الرابع في الباب ـ

١٣

وقال الشيخ أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي : أصول الفرق أربع فرق ـ وعدّ منهم الشيعة ـ وقال : فالشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام المسمون بشيعة عليّ في زمان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما بعده كانوا معروفين بانقطاعهم إليه والقول بإمامته ، منهم المقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري ، وعمار بن ياسر ومن وافق مودّته مودّة عليّ ، وهم أول من سمي باسم التشيع في هذه الأمة ؛ لأن اسم التشيع قديما كان لشيعة إبراهيم عليه‌السلام وهكذا قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني في كتاب الزينة.

فهذه كلمات أساطين أهل اللّغة ، وتلك السنّة النبوية الشريفة تلوناهما عليك لتعلم أن الشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام المسمون بشيعته في زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما بعده ، وأن القول بتفضيل علي عليه‌السلام وموالاته الذي هو معنى التشيّع كان موجودا في عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستمر إلى اليوم ، وأنهم إنما سموا بهذا الاسم لأنهم شايعوا عليّا عليه‌السلام وبنيه عليهم‌السلام وتابعوهم وأطاعوهم لأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بطاعتهم ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينظر إليهم بعين خاصة وجعلهم ولاة الأمر بعده.

فإذا كانت الشيعة قوما يهوون هوى عترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويوالونهم ، ومعروفين بانقطاعهم إليهم عليهم‌السلام والقول بخلافتهم بعد سيّدهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلما ذا يا ترى حكم هذا الآلوسي عليهم بالكفر؟ والغريب منه زعمه أنه من شيعة عليّ عليه‌السلام في ص : (٢٥) من وريقاته! وهو قد حكم بكفر شيعته دون أن يشعر بأنه صار هو بذلك كافرا! بل ترقى وزعم أنه من المنتسبين إلى السلالة الحسينية الطاهرة وهو يدين بدين أعدائهم ومريدي إطفاء نورهم من الّذين تقدموا عليهم ودفعوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله تعالى فيها ، لذا كان من الحقيق بنا أن نقول فيه وفي غيره من المتطفلين على أهل البيت عليهم‌السلام المنقطعين إلى مناوئيهم الألداء

__________________

نفسه ، والخطيب في تاريخ بغداد : ٤١٧ من جزئه الثامن ، وابن عبد البر في ترجمة عليّ عليه‌السلام من الاستيعاب : ٤٧٢ و ٤٧٤ من جزئه الثاني ، وغيرهم من حفاظ أهل السنة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : ( يا عليّ لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق ).

١٤

كمعاوية بن أبي سفيان ، وابن النابغة عمرو بن العاص ، وطلحة ، والزبير وغيرهم من المستبدين الظالمين للوصيّ وآل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما قاله الشاعر العربي :

إذا العلويّ تابع ناصبيا

بمذهبه فما هو من أبيه

فإن الكلب أشرف منه طبعا

لأن الكلب طبع أبيه فيه

ولو صح ما زعمه العدو من انتسابه إلى البيت النبويّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو إلى شيعتهم لاهتدى بهديهم ولم ينقطع إلى سواهم ممن لم يمتّ إليهم عليهم‌السلام بنسب ، ولم يتصل بهم بسبب ، ولما نظر إليهم عليهم‌السلام وإلى شيعتهم نظر العدو لعدوه البغيض ، واستسهل في شأنهم كلّ شنيع وفظيع.

أيها القارئ أليس من الظلم الفاحش أن يحكم الإنسان على أمة كبيرة من المسلمين بالكفر ، ولا يجد أمامه من مستند سوى ما يترامى إليها من أعدائها من نسب قبيحة ، ووصمات فظيعة تترفع عنها نقاوة ثيابهم النظيفة ، ويتبرءون منها براءتهم من إبليس.

وبعد فإنا لا نريد بالشيعة عند ما نطلق عليهم هذا الاسم سوى المذهب الإمامي الإثني عشري السائد في كثير من أنحاء العالم ، وهم الّذين ندافع عنهم وننافح عن شرفهم وقداسة مذهبهم حينما تنتابهم دواعي الخطر وعوادي السوء من أعدائهم ، أما سائر الفرق التي جاء الألوسي على ذكرها ، ومن أجلها ثار ، وفار ، وطغى ، وبغى عليهم فاجتاز خارج الحدود فهي مما لا تعرفه الشيعة ، وتتبرأ منهم وترفض آراءهم ، وتنبذ عقائدهم ، وتضرب بمذاهبهم عرض الحائط ، وتلعنهم كما تلعن من ينسبها إليهم بهتانا وزورا.

المبحث الثاني : فيما تعتقده الشيعة من الأصول

الشيعة مسلمون مؤمنون يعتقدون لله تعالى بالوحدانية ، ولمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرسالة ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، ويؤمنون بكلّ ما جاء به من عند الله بواسطة وحيه وأمينه جبرائيل عليه‌السلام ويعتقدون بالمعاد الجسماني ، وأن الأجسام سوف تعاد بعد تفرقها في المعاد للحساب ، وأنه حق واقع ، وأن الإسلام

١٥

هو الإقرار بالشهادتين والالتزام بأحكام الشريعة كلّها ، وأن هذا ما تدور عليه الأحكام من التناكح والتوارث وغير ذلك من لوازمه ، ويعتقدون أن القرآن الكريم الموجود اليوم بأيدي المسلمين هو الّذي أنزله الله تعالى على سيّد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينقص منه حرف ولم يزد فيه حرف ، ويعتقدون كما يقول القرآن أن الإيمان معنى أسمى من الإسلام وأخصّ منه على ما اقتص خبره الكتاب العزيز : ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) [ الحجرات : ١٤ ].

فهم لا يفترقون عن المسلمين في أصول العقائد إلاّ في مسألة الإمامة وعصمة الإمام ووجوب العدل على الله تعالى ، فإنهم يعتقدون عدله وأنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة ، وإلاّ في مسألة أفعال المكلّفين فإنهم يعتقدون أن العباد هم الخالقون لأفعالهم وليس الخالق لها هو الله تعالى.

ويعتقدون عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكبائر والصغائر مطلقا في الصغر والكبر ، قبل البعثة وبعدها ، ويعتقدون باستحالة أن يكون الله تعالى جسما أو حالاّ في جسم ، أو يحويه مكان ، أو يرى بالبصر مطلقا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ويعتقدون كما يقول الكتاب أن القرآن كتاب الله محدث وليس بقديم ، لقوله تعالى : ( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) [ الشعراء : ٥ ] وقوله تعالى : ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) [ الأنبياء : ٢ ] ويعتقدون بأنه تعالى منزّه عن المكان والجهة ، وتفصيل ذلك كلّه بدليله موكول إلى محلّه من كتبهم في علم الكلام.

المبحث الثالث : في اعتقاد الشيعة في الفروع

أما الضروري من الفروع كالصّلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والجهاد في سبيل الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها من الضروريات فعلا كان أو تركا ، مما نزل به القرآن وجاءت به السنّة القطعية وثبت بالضرورة من دين المسلمين فلا يخالفون غيرهم من المسلمين في شيء منها ، وأما الفروع النظرية المتعلقة بالأمور العبادية ، والمعاشية ، والقضائية ، والسياسية فإنهم وإن خالفوا

١٦

غيرهم في بعضها ولكن ليس هذا إلاّ على معنى الاختلاف بين المذاهب الأربعة ، بل ما من قول للشيعة إلاّ فيه حديث من طريق أهل السنّة على وجه يستطيع الباحث أن يحتج به على خصومه ، وإن أنت راجعت صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من صحاح أهل السنّة ومسانيدهم لتجلّى لك بوضوح صحة هذه الدعوى (١).

هذه صورة صغيرة عن الشيعة تلوناها عليك لتعرف كيف يكون بحث الآلوسي عنهم ، وكيف أنه حكم عليهم بالكفر والبغي ، في حين أنهم أثبتوا لدى الملأ في شتى أدوارهم ومختلف أجيالهم ألاّ مذهب لهم إلاّ مذهب أئمة أهل البيت النبويّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، وأنهم يستمدون العلم والهدى باتباعهم عليهم‌السلام لأن الحق معهم وفيهم وبهم ، فهم الأئمة البررة الّذين يحملون العلم عن جدّهم النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي آتاهم من كلّ ما لديه من علوم وأحكام جاء بها القرآن ، وقررته شريعته الخاتمة.

فهل يريد الآلوسي وأخوه الهندي من الشيعة أن يأخذوا بمذاهب اختلقها الغرباء وابتدعها الأجانب ممن لا يربطه مع البيت النبويّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رابط ، وإنما اعتمد في أحكامه على رواية الضعفاء والفقهاء من سوانح القياس والاستحسان ، والظنون والآراء التي ما أنزل الله بها من سلطان ويتركوا مذهب أهل البيت عليهم‌السلام الّذين هم الباب الوحيد الموصل إلى العلم والهدى بعد جدهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يشير إليه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين : ( من تمسّك بهم كان على الهدى ، ومن أخطأهم ضلّ وهوى ) وهيهات ذلك.

__________________

(١) ومن أراد الوقوف على شيء من ذلك فليراجع كتابنا ( أصول الشيعة وفروعها ).

١٧
١٨

الفصل الأول

عليّ عليه‌السلام والخلافة

حكم المتقاعد عن نصرة عليّ عليه‌السلام

قال الآلوسي ص : (٤) : « الفرقة الأولى ـ من الشيعة ـ الشيعة الأولى ويسمّون بالشيعة المخلصين ، بيد أن منهم من قاتل مع عليّ عليه‌السلام في حرب صفين ، ومنهم من تقاعد عن القتال تورعا واحتياطا ، ومن مشهوري هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب (رض) لكنه مع ذلك كان قائما بمحبته وتعظيمه ثم بعد ذلك ندم غاية الندم على قعوده ، ومنهم من غلب عليه القضاء والقدر فوقع منه ما أدّى إلى قتاله كطلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ، فهم وإن وقع بينهم وبين الأمير عليه‌السلام ما وقع يوم الجمل محبّون له عارفون له فضله ، إذ ليس بين ذلك وبين القتال الواقع في البين تناف ، لأن القتال لم يكن مقصودا بل وقع من غير قصد فوقع ما وقع إن شاء وإن أبى أبو الحسنين عليه‌السلام فكلّ من الفريقين معذور : ( وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) [ الأحزاب : ٣٨ ].

ثم قال : قال الجد بعد ذلك الكلام على القتال : لو فرض كان قصدا فهو بشبهة قوية عند المقاتل أوجبت عليه أن يقاتل وهو بزعمه من الدين وليس من الغي ، ومتى كان كذلك فهو لا ينافي المحبة ، ونحو هذا يجاب عن أصحاب صفين من رؤساء الفرقة الباغية على عليّ عليه‌السلام إلى أن قال : فقف عند مقدرك فما أنت وإن بلغت الثريا إلاّ دون ثرى نعال أولئك انتهى وبثرى نعال أولئك » انتهى.

المؤلف : إن ما جاء به الآلوسي هنا فيه وجوه من الفساد والخلل :

الأول : إنه لا يصح نسبة التشيّع لعليّ عليه‌السلام إلى من خالفه وتقاعد عن نصرته ، فضلا عن كونه من الشيعة المخلصين لما تقدم من معنى الشيعة وأنها

١٩

المشايعة والمتابعة والموالاة لشخص المتبوع من التابع ، فلا يصح إطلاقه مطلقا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا على من خالفه وترك إتباعه وعصى أمره ، وإلاّ لصح أن يكون إبليس شيعة لله ، وامرأة نوح عليه‌السلام وابنه شيعة لنوح عليه‌السلام ونمرود شيعة لإبراهيم عليه‌السلام وفرعون شيعة لموسى عليه‌السلام وأبو جهل وغيره من المشركين شيعة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي القرآن يقول الله تعالى : ( فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) [ القصص : ١٥ ] ويقول تعالى : ( هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ ) [ القصص : ١٥ ] وهو يفيد أنه لا واسطة بين شيعته وبين عدوّه ، فكلّ من خالفه كان من عدوّه ، وكلّ من تابعه كان من شيعته.

فالآلوسي إما أن يقول بصحة إطلاق الشيعة على مخالفي عليّ عليه‌السلام ومقاتليه أو لا يقول بصحته ، فإن قال بالأول ـ وهو قوله ـ صح أن يكون من خالف أبا بكر وعمر وعثمان (رض) وغيرهم من أوليائهم وقاتليهم شيعة لهم ، سواء أكان ذلك منهم قصدا أو من غير قصد ، أو بشبهة قويّة أوجبت عليهم المخالفة والقتال ، وهو بزعمهم من الدين وليس من الغي ـ على حدّ تعبير جدّه ـ فإن صح هذا عنده والتزم به كان طاعنا في نفسه مبذرا : ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) [ الإسراء : ٢٧ ] في تأليف هذا الكتاب الّذي يزعم أنه يردّ به على الّذين خالفوا أولياءه وهم شيعة لهم على ما اختاره وارتضاه ، وإلاّ كان متناقضا مبطلا لا يفهم ما يقول ، وأيّا كان فهو دليل على فساد زعمه ، فقعود الجماعة عن نصرة عليّ عليه‌السلام وعدم القتال معه يمنع من إطلاق اسم الشيعة عليهم ، فإذا بطل هذا ثبت أن عبد الله بن عمر (رض) في قعوده عن نصرة عليّ عليه‌السلام كان من أعدائه لا من شيعته كما يزعم الآلوسي.

الثاني : إذا كان قعود عبد الله بن عمر عن نصرة عليّ عليه‌السلام تورعا واحتياطا كان ندمه عليه باطلا ؛ لأن التورع والاحتياط في الدين مما أمر به الدين وحسّنه وهو فضيلة فلا يجوز الندم على فعله بعد أن كان منه لا من غيره ، وإنّما يصح الندم على فعل المعصية دونه ، وهل قول الآلوسي بذلك إلاّ تناقض بيّن! ثم كيف يصح لعاقل أن يقول إن ابن عمر (رض) كان يهوى عليّا وبنيه عليهم‌السلام الّذي هو

٢٠