الإمام السجّاد جهاد وأمجاد

الدكتور حسين الحاج حسن

الإمام السجّاد جهاد وأمجاد

المؤلف:

الدكتور حسين الحاج حسن


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: دار المرتضى
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٨٠
  نسخة غير مصححة

١

٢

الإهداء

إلى الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ..

هذه ورقات متواضعة حبرتها بدم القلب وضوء العين عن حفيدك الإمام السجاد ، بقية السيف من أبناء الحسين ، أبي الشهداء ، الذي تسايرت الركبان بذكره وفضله ، أرفعها إليك وأملي يا سيدي منك القبول.

عبدك

حسين الحاج حسن

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) [ طه : ١١٤ ]

اللهم ساعدني على قول الحق بما يسطره قلمي في هذه الرسالة الخالدة ، رائد الفكر الإنساني ومهد المعرفة والتي تهدي للتي هي أقوم.

« هذا زين العابدين ، قدوة الزاهدين ، وسيد المتقين ، وإمام المؤمنين ، شيمته تشهد له أنه من سلالة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسمته تثبت مقام قربه من الله زلفى ، ونفثاته تسجل بكثرة صلاته وتهجده ، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها ، درت له أخلاق التقوى فتفوقها ، وأشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها ، وألفته أوراد العبادة فأنس بصحبتها وحالفته وظائف الطاعة فتحلى بحليتها ، طالما اتخذ الليل مطية ركبها لقطع طريق الآخرة ، وظمأ الهواجر دليلا استرشد به في مفازة المسافرة ، وله الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة ، وثبت بالآثار المتواترة ، وشهد له أنه من ملوك الآخرة ».

مطالب السّؤول

٥
٦

معالم الحياة العامة في عصر الامام (ع)

عصر الامام (ع) :

مني عصر الإمام زين العابدين (ع) باضطراب سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي ، لم يشهده عصر من قبل. فقد شحن بالفتن الفظيعة والأحداث الجسام مما جعله يفقد روح الاستقرار والطمأنينة ويعيش في دوامة من القلق والقتل والتشريد والتجويع. لقد أمعن الحكم الأموي في نشر الظلم والاضطهاد ، فأرغم الناس على ما يكرهون حتى بات كل فرد منهم يعيش على أعصابه لما يساوره من الهموم والآلام والمصائب التي ينتظرها في كل حين.

وسوف نوجز القول عن معالم الحياة العامة في عصر الإمام عليه‌السلام والأحداث السياسية التي داهمت المسلمين والتي عانوا منها أمر الفتن وأخطر الخطوب.

كما نتحدث عن معالم الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، ذلك أن معرفة الظروف هذه التي كانت تحيط بالإمام (ع) تعطينا وضوحا كاملا عن مواقف وأهداف وأحداث تعامل معها الإمام في زمنه ، ومع أشخاص عاصرهم سواء كانوا ملوكا أو ولاة أو علماء أو عامة الناس.

إن المعرفة التفصيلية لهذه الأمور تساعدنا كثيرا على فهم شخصية الإمام (ع).

٧

ملوك عصره :

عاصر الإمام (ع) يزيد بن معاوية ، ومعاوية بن يزيد ، ومروان بن الحكم ، وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك.

ومن الولاة : الحجاج بن يوسف الثقفي ، وعبيد الله بن زياد ، وهشام بن اسماعيل والي المدينة.

الأئمة الذين عاصرهم :

عاصر الإمام علي (ع) وله من العمر سنتان ، والإمام الحسن (ع) عشر سنين ، ومع الإمام الحسين (ع) عشر سنين ، وكان عمره يقارب السبع والخمسين سنة.

وهكذا نرى كيف أن الإمام (ع) فتح عينيه على صراعات المحن والحروب ومكابدة الإمام علي (ع) ضد معاوية الذي تمسك بكرسي الحكم غاصبا معاندا ؛ وكيف تقاعس أهل العراق عن مناصرة الإمام الحسن (ع) حتى عقد الصلح مع معاوية مكرها.

ثم شاهد الإمام بأم عينيه ، وهو في ريعان شبابه مأساة أبيه الحسين (ع) في كربلاء ، وأهل بيته ، ورأى مقتلهم واحدا واحدا ، ورأى سبي النساء إلى دمشق ، وتحمل ثقل القيود ومجابهة يزيد وعبيد الله بن زياد ، والأمة التي خذلتهم وتفرجت على قتلهم ثم عادت فبكت عليهم نادمة تائبة.

الحياة السياسية :

ساد الحياة السياسية في عصر الإمام (ع) ألوان من القلق والاضطراب ، فقد خيم الذعر والخوف على الناس وفقدوا جميع أشكال

٨

الأمن والاستقرار ، مما سبب تفكك المجتمع وشيوع الأزمات السياسية الحادة ، واندلاع الثورات المتلاحقة. والسبب الأول والأخير في كل هذه الأحداث المؤلمة يعود إلى طبيعة الحكم الأموي والفساد الذي استشرى في البلاد من قبل الملوك والولاة. وقد صور هذا الحكم الفاسد أحد الشعراء فقال :

فدع عنك ادّكارك آل سعدى

فنحن الأكثرون حصى ومالا

ونحن المالكون الناس قسرا

نسومهم المذلة والنكالا

ونوردهم حياض الخسف ذلا

وما نألوهم إلا خبالا

لقد سبب الحكم الأموي الكثير من المصائب والخطوب للكثير من المسلمين وأحدث لهم الفتن والمصاعب التي ألقتهم في أدهى الشرور. من هذه المظاهر البارزة لهذا الحكم الظالم :

أ ـ الجور والاستبداد :

لقد استبد الأمويون في حكمهم الشعوب الإسلامية وجاروا كثيرا ، فلم يكن هناك قانون تسير عليه الدولة ، وإنما كان حكما مزاجيا يخضع لمشيئة ملوكهم ورغباتهم ، وأهواء وزرائهم وعواطف ولاتهم. وقد وصفه العلامة الشيخ عبد الله العلايلي فقال : « إن نظام الحكم في عهد ملوك الأمويين لم يكن إلا ما نسميه في لغة العصر بـ ( نظام الأحكام العرفية ) ، هذا النظام الذي يهدر الدماء ، ويرفع التعارف على المنطق القانوني ، ويهدد كل امرىء في وجوده ، وفي هذا العصر إذا كان يتخذ في ظروف استثنائية ، ولحالات خاصة يراد بها الإرهاب ، وإقرار الأمن ، فقد كان في العهد الأموي هذا النظام السائد ، وفي الحق أنه لا يمكننا أن نسمي هذا سلطة قضائية البتة ، بل ننكر بكل قوة أن يكون في العصر الأموي سلطة قضائية بالمعنى الصحيح إلا في فترات لا تلبث حتى يكون التباين طاغيا ، وأكبر الشواهد على هذا أن الخليفة أو حكومته تأتي ما تهوى بدون أن

٩

تتخذ لمآتيها شكليات قانونية على الأقل مما يشعر باحترام السلطة .. » (١).

لقد أصبح الاستبداد السياسي الظاهرة البارزة في الحكم الأموي اتخذ فيه الملوك الأمويون ، منهجا خاصا ، انهارت بسببه قواعد العدل السياسي ومبادىء الحرية الاجتماعية.

ب ـ الإرهاب والتجويع :

استخدم معاوية أبشع أنواع القتل والإرهاب فدس السم في العسل وغيره ، كما سمّ الإمام الحسن (ع) وكان يقول : إن لله جنودا من عسل .. ولا يتوانى عن الفتك والقتل في أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم وأنصارهم.

كتب معاوية إلى عماله كتابا واحدا إلى جميع البلدان : « انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه » ثم أتبع ذلك بنسخة أخرى قال فيها : « من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره .. وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي (ع) فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة ، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي (ع) فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق فيها معروف منهم » (٢).

ج ـ القضاء على الحريات العامة :

لقد قضي على الحريات العامة في العهود الأموية ولم يعد لها أي

__________________

(١) الإمام الحسين ، ص ٣٣٩.

(٢) ثورة الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين / عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ص ٧٠ وما بعدها.

١٠

ظل على واقع الحياة ، وبصورة خاصة حرية الرأي والقول ، فبات أي فرد من المواطنين لا يستطيع أن يدلي برأيه ، وبما يفكر به وبالأخص في ما يتعلق بالولاء لأهل البيت (ع) ، فكل من يتظاهر بحبهم والولاء لهم يتهم بالكفر والإلحاد والزندقة. وقد علقت في الساحات العامة في الكوفة مجموعة من جثث رجال الفكر والعلم في الإسلام قد صلبوا أياما على الأعمدة بسبب حبهم للإمام أمير المؤمنين (ع) كميثم التمّار ورشيد الهجري ...

د ـ إحياء النزعة القبلية :

اتبع معاوية سياسة ( فرق تسد ) بين القبائل العربية حفاظا على ملكه وهي السياسة الاستعمارية نفسها ، والتي نفذها ولا يزال ينفذها الاستعمار الغربي في بلادنا. وهدف معاوية من هذه السياسة إلهاء القبائل عن حكمه بالمشاكل الداخلية والخلافات القبلية ، فكان يثير النزاعات بين مضر وربيعة والأزد .. وكان الأنصار يعارضون حكمه على أساس ديني ويرفضون سياسة الظلم والإرهاب فكان من واجبهم وتكليفهم الشرعي معارضة الأمويين ، فجاء معاوية بشاعر البلاط الأموي الأخطل ، وهو نصراني ، يرد عليهم فهجاهم بقصيدة منها :

ذهبت قريش بالمكارم والعلى

واللؤم تحت عمائم الأنصار

ثم بدأ معاوية بإثارة الضغائن بين الأوس والخزرج القبيلتين العربيتين ، المعروفتين بعدائهما القديم. « وهكذا بث معاوية روح البغضاء والنفرة بين القبائل العربية فشغلت هذه القبائل بأحقادها الصغيرة عن مقارعة خصمها الحقيقي ـ الحكم الأموي ـ وشغل زعماء هذه القبائل بالسعي عند الملوك الأمويين للوقيعة بأعدائهم القبليين ، وفاز معاوية وخلفاؤه من بعده ، بكونه حكما بين أعداء هو الذي أشعل النيران العدائية بينهم من حيث لا يشعرون ، ووحدهم في طاعته من حيث لا يدرون ، وقد

١١

دفعهم هذا الوضع إلى أن يقفوا دائما مع الحاكمين ضد الثائرين ليحافظوا على الامتيازات الممنوحة لهم ، فكانوا يقفون في وجه كل محاولة تهدف إلى الثورة على النظام القائم وينخذلون عنها بل ويتسابقون في استخدام أقصى ما يملكون من نفوذ ودهاء في هذا السبيل للتأكيد على ولائهم التام للسلطة القائمة » (١).

وبديهي أن الإسلام حارب العنصرية بلا هوادة وجعلها نوعا من أنواع الجاهلية فقد قال الله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) وقال رسول الله (ص) : « لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى ، كلكم لآدم وآدم من تراب ».

فكان بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي من الصحابة المقربين جدا لرسول الله (ص) لإخلاصهم في الدين وقربهم من الله تعالى. لكننا نرى أن معاوية أثار الجاهلية من جديد بعد أن خبت ، وأحياها بعدما ماتت في نفوس المؤمنين. فعمل على تعميقها وركز على التفرقة بين العرب والعجم.

« استدعى معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب وقال لهما : إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت وأراها قد قطعت على السلف ، وكأنهم أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان فقد رأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق ، وعمارة الطريق. وكان هذا الموقف العدائي من الموالي سببا في امتهانهم وإرهاقهم بالضرائب وفرض الجزية والخراج عليهم وإسقاطهم من العطاء فكان الجنود الموالي يقاتلون من غير عطاء » (٢).

__________________

(١) ثورة الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين ، ص ١٠٠.

(٢) المصدر نفسه ، ص ١٠٣.

١٢

ه ـ إقصاء الإسلام :

أهمل الملوك الأمويون الشريعة الإسلامية وتنكروا للإسلام فأقصوا جميع نظمه ومبادئه عن المسلمين ، ولم يعد لأحكام القرآن أي وجود في أجهزتهم وإداراتهم. يقول نيكلسون : « كان الأمويون طغاة ، مستبدين ، لانتهاكهم قوانين الإسلام وشرائعه ، وامتهانهم لمثله العليا ، ووطئها بأقدامهم .. » (١).

لقد جاهر أكثر ملوكهم بالكفر والإلحاد ودفنوا المبادىء الإسلامية ونظمها ، فشربوا الخمر وعاثوا في الأرض فسادا وانتقصوا النبي الأعظم (ص) وخصوصا يزيد بن معاوية المعروف بفسقه وإلحاده وتنكره للمبادىء الإسلامية النبيلة وهو القائل :

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل (٢)

و ـ القضاء على الروح الثورية :

لم يكتف معاوية بأساليب التفرقة والقتل والترغيب والترهيب في القضاء على مناوئيه ، فلإحكام سيطرته على الناس ولإضفاء الطابع الديني على حكمه .. استغل الجانب الديني استغلالا مشوها ومنحرفا عن هدفه الأصيل ، ومن هذه الأساليب اختلاق الأحاديث والأساطير والبدع الغريبة عن روح الإسلام.

« ذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي : إن معاوية وضع قوما من الصحابة ، وقوما من التابعين على رواية أخبار كاذبة وقبيحة في علي بن أبي طالب (ع) ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا

__________________

(١) الإمام الحسين ، ص ٦٤.

(٢) من قصيدة لابن الزبعري.

١٣

يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه ومنهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير.

روى أبو هريرة ، شيخ المضيرة ، عن رسول الله (ص) : إن الله ائتمن على وحيه ثلاثا : أنا وجبريل ومعاوية ، وإن النبي (ص) ناول معاوية سهما وقال له : خذ هذا حتى تلقاني في الجنة ؛ وحديث آخر زاد في آخره : « أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها ».

ثم الأحاديث المختلقة التي تجوّر الظلم منها : « من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه ، فإن من فارق الجماعة شبرا فمات إلا ميتة جاهلية » (١).

ولا ريب أن أبا هريرة من عملاء معاوية المرتزقة فقد انتحل هذا الحديث وانتحل غيره. ومما أضفى عليه من النعوت المختلقة أنه كان كاتبا للوحي. والغريب أنه كيف يأتمن الرسول (ص) على كتابة الوحي من رب العالمين مثل هذا الإنسان الجاهلي البعيد كل البعد عن الإسلام ، والذي لم يلج في ضميره أي بصيص من نور الهداية والحق ، وإنما بقي ملوثا بأفكاره الجاهلية السوداء. وقد سخر المحدثين التجار والمرتزقة من وعاظ السلاطين ليختلقوا له الأحاديث المزورة والمختلقة ليوهم الناس بها. لكن من يقرأ سيرته بإمعان وتجرد يجده إرهابيا محترفا لا علاقة له بالمثل الكريمة والصفات الخيرة ، ولا قرابة بينه وبين الدين الإسلامي.

من تلك البدع التي اخترعها : مذهب الجبر.

شجع معاوية على نشر هذا المذهب لأن ذلك يساعد على تدعيم ملكه وإضفاء الشرعية عليه إذ أن فكرته تقول : إن كل ما يحدث لنا هو من الله ، وإن الملوك والأمراء منصبون من قبل الله علينا ـ سواء رضينا أم أبينا ـ وإننا مجبورون في أفعالنا ، فكان الرجل منهم يزني ويقول : أنا مجبور على

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ١١٢.

١٤

عملي .. ويسرق ويقول : أنا مجبور على ذلك .. وهذا ما يعطي تبريرا مزيقا لكل أحكام الظلم والجور والقتل التي كان يستخدمها الملوك الأمويون أمثال معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد ..

ز ـ سياسة التجهيل :

إن جهل الناس للأمور يفقدهم المقاييس التي يقيسون بها الأشياء والأحداث ، وهذا مما يفيد السلطة الغاشمة ، إذ يتيح لها الفرصة بعدم مراقبة الناس لهم ومحاسبتهم على أخطائهم. وهذه السياسة الغاشمة شجعت الأمويين على نشر الجهل ولم يهتموا بنشر العلم بين أفراد الأمة ، ولم يوضحوا أحكام الله كما هي على حقيقتها بل حرفوها واختلقوا الأحاديث الموضوعة كما رأينا .. فبرز الأدعياء الجاهلون والمرتزقة المحترفون ، وتوارى العلماء والمؤمنون عن الساحة وأصبح الوضع كما قال أبو العلاء المعري :

فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص

ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل

ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا

تجاهلت حتى ظن أني جاهل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة

ويا نفس جدي إن دهرك هازل

هذه السياسة قد فعلت فعلها وأثرت تأثيرا كبيرا في الأمة ... « لذلك نجد أن سوق الكذابين والوضاعين وحتى بعض من أسلم من أهل الكتاب أن سوقهم قد راج وصاروا هم أهل العلم والمعرفة والثقافة للأمة حينما انضووا تحت لواء الحكام ، وأبعد أهل البيت عن الساحة وأجبروهم عن التخلي عنها. حتى لنجد الإمام السجاد يقول في الصحيفة السجادية في دعاء له خاص يوم الجمعة وعرفة :

« اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ، ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلا وكتابك منبوذا وفرائضك محرّفة عن

١٥

جهات أشراعك ، وسنن نبيك متروكة » (١).

كل هذه السياسات الخبيثة والمدبرة فعلت فعلها في المجتمع الإسلامي وضللت قطاعات واسعة من الأمة. حتى التبست أمور كثيرة في أذهان الناس ، واختلط الحق بالباطل وأثمرت سياسة معاوية حسب مخططها وآتت أكلها.

« فقد علّمت سياسة معاوية المالية وأسلوبه الوحشي ، الناس على الدجل والنفاق والسكوت عن الحق ، والتظاهر بخلاف ما يعتقدون توصلا إلى دنيا معاوية وتمسكا بروحهم القبلية التي تفرض عليهم أن يتبعوا ساداتهم القبليين دون تروّ أو تفكير ، وهذا الوضع الشاذ الذي فرض عليهم ، أن يخفوا دوما ما يعتقدونه حقا واقعا ، وأن يتظاهروا بما تريده السلطة منهم ، ولّد عندهم ازدواج الشخصية ، هذا الازدواج الذي يرجع إليه سر المأساة الدامية الطويلة الأمد التي عاشها الثائرون على حكام الجور من الأمويين والعباسيين ومن تلاهم من الظالمين ، هذا الازدواج في الشخصية صوّره الفرزدق للإمام الحسين (ع) حين لقيه في بعض الطريق فسأله عن أهل الكوفة فقال له : « قلوبهم معك وسيوفهم عليك » (٢).

الوضع النفسي للأمة :

الحروب المتلاحقة خلال خمس سنوات تقريبا ، حروب الجمل وصفين والنهروان ، والحروب الخاطفة التي نشبت بين القطع الشامية وبين مراكز لحدود في العراق والحجاز واليمن بعد التحكيم ولدت في نفوس أصحاب الإمام علي (ع) حنينا إلى السلم والاستراحة. فقد مرت عليهم سنوات وهم لا يضعون سلاحهم من حرب إلا ليشهروه في حرب أخرى

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ١١٢

(٢) المصدر نفسه ، ص ١٢٤.

١٦

إلى جانب هذا كانوا لا يحاربون جماعات غريبة عنهم ، وإنما يحاربون إخوانهم وعشائرهم وأصحابهم الذين تربطهم بهم مودة ومعرفة. ولا ريب أن مثل هذا الشعور بدأ يظهر بوضوح في آخر عهد الإمام علي إثر إحساسهم بالهزيمة أمام مراوغة خصمهم في يوم التحكيم ، حيث اكتشف زعماء القبائل ومن إليهم أن سياسة أمير المؤمنين لا يمكن أن تلبي مطامحهم التي تزكيها سياسة معاوية في دفع المال وإقطاع الولايات ، فحاولوا إذكاء هذا الشعور والتأكيد عليه. وقد ساعد على تأثير هؤلاء الزعماء ونفوذهم في أوساط المجتمع الروح القبلية التي استفحلت في عهد عثمان بعد أن أطلقت من عقالها بعد وفاة النبي (ص).

ولا يخفى أن الإنسان القبلي عالمه قبيلته ، ينفعل بانفعالاتها ويطمح بطموحاتها ، ويعادي من يعاديها. فهو كما وصفه أحد الشعراء :

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

وقد عبر الناس عن رغبتهم في الدعة وكراهيتهم للقتال بتثاقلهم عن الخروج لحرب الفرق السورية التي كانت تغير على الحجاز واليمن وحدود العراق. فلم يستجيبوا للإمام علي حين دعاهم للخروج ثانية إلى صفين.

ولما استشهد الإمام علي (ع) وبويع للإمام الحسن بالخلافة برزت هذه الظاهرة على أشدها ، وخاصة عندما دعاهم الإمام الحسن للتجهيز لحرب الشام ، حيث كانت الاستجابة باردة جدا. ثم جهز جيشا ضخما إلا أنه كتب عليه الهزيمة قبل ملاقاة العدو وذلك بسبب التيارات المتعددة التي كانت تتجاذبه. فقد « خف معه أخلاط من الناس : بعضهم شيعة له ولأبيه ، وبعضهم خوارج يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة ، وبعضهم أصحاب حيلة وطمع في الغنائم ، وبعضهم شكاك وأصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم ». وكان هؤلاء قد باعوا أنفسهم من معاوية واعدين بأن يسلموه الحسن حيا أو ميتا. وحين خطبهم الإمام الحسن ليختبر مدى إخلاصهم هتفوا من كل جانب « البقية البقية » بينما هاجمته طائفة تريد قتله. وفي

١٧

الوقت نفسه أخذ الزعماء يتسللون تحت جنح الليل بعشائرهم.

ولما رأى الإمام الحسن ، أمام هذا الوضع السيىء ، أن الظروف النفسية والاجتماعية في مجتمع العراق جعلت هذا المجتمع عاجزا عن النهوض بتبعات القتال ، ورأى أن الحرب ستكلفه استئصال المخلصين من أتباعه بينما يتمتع معاوية بنصر حاسم ، حينئذ جنح إلى الصلح بشروطها.

هكذا كانت الحال في عهد الإمام الحسن أما حالة الناس أثناء ثورة الإمام الحسين (ع) وفيما بعدها فقد ازدادت سوءا أو أصبح الأمر أكثر حراجة : فالذعر والخوف قد أطبق على الناس ، وقل الديانون كما أشار إلى ذلك الإمام الحسين بقوله : « الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون ».

وظل الحسين (ع) يقاتل مع قلة من أهل بيته وأصحابه حتى سقط شهيدا مخضبا بدمائه الطاهرة على رمال كربلاء التي شهدت تلك المأساة الدموية التي لم يشهد التاريخ فظاعتها. وحينما استشهد الإمام الحسين (ع) مع أهل بيته وأصحابه تصور الأمويون وعامة الناس أن أهل البيت قد انتهى أمرهم ، وأفل نجمهم ، فلا الأمويون يخافونهم ، ولا غير الأمويين يرجونهم .. إلى جانب هذا لم يجرأ أحد على الاتصال بهم ، والجهل المطبق بالإسلام ، فكانت الردة عن أهل البيت (ع) عامة وشاملة. هذه هي الوضعية الاجتماعية والسياسية التي كان يعيش في ظلها الإمام زين العابدين (ع). وقد عايشها بوضوح كامل مع عمه الحسن (ع) ومع أبيه الحسين (ع) واستمرت هذه الظروف على أشدها طوال حياته ... فكيف يتصرف؟ وكيف يتحرك؟ وكيف تعامل مع الملوك والولاة الظالمين؟ هل يترك الأمور على ما هي؟ أم يرفع السيف للحرب؟.

المعروف عن الإمام زين العابدين (ع) أنه لم يرفع السيف في ذلك الوقت ولم يجهز جيشا للقيام بثورة ، إنما اتجه اتجاهات أخرى كانت في نظره أجدى في بناء الأمة وإعدادها للوقوف أمام تلك الانحرافات الخطيرة

١٨

التي حدثت على نطاق الحكم وفي داخل المجتمع. فما هي الأسباب التي دفعت الإمام (ع) إلى الامتناع عن القيام بالثورة في ذلك الوقت.

أ ـ الوضع السياسي والاجتماعي للأمة :

لقد وصلت الأمة إلى حالة من الإنهماك النفسي والجسدي بحيث لا يمكنها القيام بثورة شاملة. رأينا موقف المقاتلين المأساوي من الإمام الحسن (ع). كما رأينا كيف فعلت رشاوي معاوية فعلها بين رؤساء القبائل ، أضف إلى ذلك : التضليل الديني والسياسي وإحياء النزعات القبلية الجاهلية ، أمام هذه الأسباب وصلت الأمة إلى حالة من القعود والاسترخاء بحيث أصبحت غير مؤهلة لحمل الرسالة وأداء الأمانة ، فكيف سيكون موقف الإمام (ع) لو دعا إلى الثورة؟

ستكون النتيجة حتما الخذلان والفشل.

ب ـ عدم وجود قوة كافية ومؤهلة للثورة :

لم تكن هناك قوة كافية ناصرة ومؤيدة واعية لأهداف الثورة التي على الإمام القيام بها. وقد أكد عليه‌السلام على ذلك مرارا ، « روى النهدي قال : سمعت علي بن الحسين (ع) يقول : ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا » (١). والحب الذي يعنيه الإمام هو الحب المقرون بالاتباع والإخلاص لأهل البيت ـ عليهم‌السلام ـ فكيف يمكن للإمام أن يثور بشلة قليلة أمام جيش أموي كبير؟ لا يمكن تصور ذلك أبدا. علما أن الإمام السجاد (ع) كان واقعيا جدا في تصرفاته الحكيمة والدقيقة. إن الصفات الإسلامية المطلوبة في الثائرين غير موجودة. وفي الرواية التالية يبين لنا الإمام (ع)

__________________

(١) بحار الأنوار ، ج ٤٦ ، ص ١٤٣.

١٩

رأيه بوضوح « عن أبي عبد الله (ع) قال : لقي عباد البصري علي بن الحسين في طريق مكة فقال له : يا علي بن الحسين تركت الجهاد بصعوبته وأقبلت على الحج ولينته ، إن الله عز وجل يقول : ( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ * يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ * وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١). فقال له عليه‌السلام :

أتم الآية ، فقال : ( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢).

إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم ، فالجهاد معهم أفضل من الحج » (٣).

فإذا وجد الثوار المتمثلة فيهم هذه الصفات بحيث تجري في دمائهم وهي جزء لا يتجزأ من كيانهم فإنه يقدم والله تعالى سينصرهم حتما وسينتصر بهم : « التائبون ، العابدون ... هؤلاء هم أنصار الله وأحباؤه ... وليس المراؤون المخادعون الكذابون المراوغون. ذلك أن الله مع الذين اتقوا والذين هم صادقون .. وقد وجد هؤلاء في عهد الرسول (ص) وانتصر بهم انتصارا باهرا بإذن الله فانتشروا في بقاع الأرض ونشروا معهم الرسالة الإسلامية ثمرة من ثمار إخلاصهم للدين الحنيف فوصلوا إلى الدرجات الرفيعة والصفات السامية النابعة من روح الإسلام العظيم.

ج ـ الاستفادة من التجارب السابقة :

لقد تجرع الإمام الكثير من الآلام بسبب ما أصابه من غم وهم

__________________

(١) التوبة ، الآية ١١١.

(٢) التوبة ، الآية ١١٢.

(٣) الكافي الكليني ، ج ٥ ، ص ٢٦.

٢٠