جواهر الكلام - ج ٢٠

الشيخ محمّد حسن النّجفي

جواهر الكلام - ج ٢٠

المؤلف:

الشيخ محمّد حسن النّجفي


المحقق: الشيخ عبّاس القوچاني
الموضوع : الفقه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٥
  نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

( القول في الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود )

( فـ ) اعلم أنه إذا قضى الحاج ما عرفته من مناسكه بمكة من طواف الزيارة والسعي وطواف النساء فالواجب العود إلى منى للمبيت بها ، ويجب عليه أن يبيت بها ليلتي الحادي عشر والثاني عشر مطلقا والثالث عشر على تفصيل تسمعه إنشاء الله بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل عن أكثر العامة موافقتنا عليه ، مضافا الى النصوص التي إن لم تكن متواترة فهي مقطوعة المضمون ، منها‌ قول الصادق عليه‌السلام في صحيح معاوية (١) « لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى ، فان بت في غيرها فعليك دم ، وإن خرجت أول الليل فلا ينتصف لك الليل إلا وأنت بمنى إلا أن يكون شغلك بنسكك أوقد خرجت من مكة وإن خرجت نصف الليل فلا يضرك أن تصبح بغيرها ، قال : وسألته عن رجل زاد عشاء فلم يزل في طوافه ودعائه في السعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر قال. ليس عليه شي‌ء كان في طاعة الله تعالى » وغيره من النصوص ، بل في‌ المروي من طرق العامة عن ابن عباس (٢) « انه لم يرخص النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأحد أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته » نحو‌ المروي عن العلل بسنده عن مالك بن أعين (٣) عن أبي جعفر عليه‌السلام « ان العباس استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى فأذن له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل سقاية‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٩.

(٢) سنن البيهقي ج ٥ ص ١٥٣.

(٣) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٢١.

٣

الحاج » فما عن تبيان الشيخ من القول باستحباب المبيت نادر كالمحكي عن الطبرسي من القول باستحباب جميع مناسك منى السابقة واللاحقة ، وقد تقدم سابقا بعض الكلام في ذلك ، ويمكن أن يكون نحو المحكي عن بعض الكتب من جعله المبيت من السنة أو حصر واجبات الحج في غيره أو الحكم بأنه إذا طاف للنساء تمت مناسكه أو حجه أو نحو ذلك مما لا ينافي الوجوب ولو من جهة السنة وكونه خارجا عن الحج ، وإن حكي عن الحلبي التصريح بكونه من مناسكه ، قيل : ولذا اتفقوا على وجوب الفداء لو أخل به ، وإن كان فيه أن ذلك لا ينافي خروجه عن الحج.

وكيف كان فتجب فيه النية التي هي الأصل في كل مأمور به ، وقد نص عليه في الدروس وغيرها ، ولكن عن اللمعة الحلية أنه يستحب ، وضعفه واضح ، نعم يكفي فيها الداعي الذي قد تكرر لك ذكره وإن كان المحكي عن الفخرية ينوي أنه يبيت هذه الليلة بمنى لحج المتمتع حج الإسلام مثلا قربة الى الله تعالى ، إذ يمكن إرادته تحليل الداعي ، وحينئذ فإن أخل بالنية عمدا اثم ، وفي الفدية وجهان كما في المسالك بل نفي فيها البعد عن عدم الفدية ، ولعله للأصل وعدم معلومية شمول إطلاق ما دل على لزوم الفدية بترك المبيت لمثله لانصرافه بحكم التبادر الى الترك الحقيقي لا الحكمي ، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه.

وعلى كل حال فلو بات الليلتين بغيرها كان عليه عن كل ليلة شاة وفاقا للمشهور ، بل عن صريح الخلاف والغنية وغيرهما وظاهر المنتهى وغيره الإجماع عليه ، وما عن المقنعة والهداية والمراسم والكافي وجمل العلم والعمل ـ من أن على من باب ليالي منى بغيرها دما نحو صحيح‌

٤

معاوية (١) السابق وما تسمعه في صحيح علي بن جعفر (٢) محمول على إرادة الجنسية لا إرادة التسوية بين ليلة وليلتين وثلاث ، أو لا يجب الدم إلا بثلاث وإلا كان محجوجا بما عرفت وبعض المعتبرة الدالة على أصل الحكم ، منها صحيح معاوية السابق الذي قيل مقتضى إطلاقه وجوب الشاة ليلة ، فلليلتين شاتان ، وإن كان فيه نظر ، إلا أنه لا بأس به جمعا بينه وبين ما دل على ذلك من النص ومعاقد الإجماعات وغير ذلك ، وخبر جعفر بن ناجبة (٣) « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عمن بات ليالي منى بمكة قال : عليه ثلاث من الغنم يذبحهن » وصحيح صفوان (٤) عنه عليه‌السلام أيضا أو عن أبي الحسن عليه‌السلام « سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة فقلت لا أدري ، فقلت له جعلت فداك ما تقول فيها. قال : عليه دم إذا بات ، فقلت إن كان حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذة عليه شي‌ء مثل ما على هذا ، قال : ليس هذا مثل هذا ، وما أحب أن ينشق له الفجر إلا وهو في منى » وصحيح علي بن جعفر (٥) عن أخيه عليه‌السلام « عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح قال : إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه » بناء على إرادة الجنس من الدم لا الوحدة ، وعن‌ قرب الإسناد روايته بزيادة « وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شي‌ء » وصحيح جميل (٦) عن أبي عبد الله عليه‌السلام « زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم ، وإن كان قد خرج منها فليس عليه شي‌ء وإن أصبح دون‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٨.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٢.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٦.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٥ عن أبي الحسن عليه‌السلام.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٢.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١٦.

٥

منى » وخبر علي (١) عن أبي إبراهيم عليه‌السلام « سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم رجع فغلبته عيناه في الطريق فنام حتى أصبح قال : عليه شاة » الى غير ذلك.

لكن في‌ صحيح العيص بن القاسم (٢) « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى قال : ليس عليه شي‌ء وقد أساء » وصحيح سعيد بن يسار (٣) « قلت له أيضا : فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل قال لا بأس » بعد قصورهما عن المعارضة من وجوه ، فلا بأس بطرحهما أو حملهما على التقية المفهومة من الصحيح السابق أو غير ذلك مما لا ينافي الأول.

ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي ما صرح به بعض من عدم الفرق في ذلك بين الجاهل والناسي والمضطر وغيرهم على إشكال في الأخير ، بل قيل إن فيه وجهين ، أظهرهما العدم ، للأصل وانتفاء العموم في النصوص ، ولأن الفدية كفارة عن ترك الواجب ، ولا وجوب عليه ، وفيه أن الأصل مقطوع بالإطلاق الذي هو بمنزلة العموم ، ولعل الفدية جبران لا كفارة ، نعم قد يقال بانسياق غير المضطر من الإطلاق المزبور ، إلا أن الأحوط ثبوتها ، بل عن الحواشي المنسوبة للشهيد أنه لا شي‌ء على الجاهل ، وربما مال اليه بعض الناس قال : ويمكن حمل خبري العيص وسعيد السابقين عليه ، بل لولا تخيل الإجماع على هذا الحكم لأمكن القول بمضمونهما وحمل ما تضمن لزوم الدم على الاستحباب وإن كان هو كما ترى بعد ما سمعت من قصورهما عن المعارضة‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١٠.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٧.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١٢.

٦

من وجوه نحو النصوص (١) الدالة على عدم شي‌ء عليه لو خرج من مكة وإن نام في الطريق اختيارا أو أصبح دون منى التي منها ما سمعته في صحيح جميل (٢) السابق وحسن هشام بن الحكم (٣) أو صحيحه « إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاور بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شي‌ء عليه » وصحيح محمد بن إسماعيل (٤) عن أبي الحسن عليه‌السلام « في الرجل يزور فينام دون منى فقال : إذا جاوز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام » المحكي عن أبي علي والشيخ في كتابي الأخبار الفتوى به ، وخبر عبد الغفار الجازي (٥) سأل الصادق عليه‌السلام « عن رجل خرج من منى يريد البيت فأصبح بمكة قال : لا يصلح له حتى يتصدق بها صدقة أو يهريق دما » وخبر أبي البختري (٦) المروي عن الحميري في قرب الإسناد عن الصادق عليه‌السلام « في رجل أفاض الى البيت فغلبته عيناه حتى أصبح قال : لا بأس عليه ويستغفر الله ولا يعود » إلا أنه ـ مع الطعن في سند بعضها ولا جابر بل والدلالة إذ لم نجد من أفتى بشي‌ء منها عدا ما سمعته من أبي علي والشيخ في كتابي الأخبار ـ لا تقاوم تلك النصوص المعتضدة بالعمل ، وإن توقف لأجلها في المدارك حتى قال : إن المسألة قوية الإشكال ، بل في الرياض « لا يخلو القول بها عن قوة إن لم ينعقد الإجماع على خلافه ، لوضوح دلالتها مضافا الى صحتها وكثرتها وموافقتها الأصل مع عدم وضوح معارض لها إلا إطلاق بعض الصحاح السابقة ويقبل التقييد بها ، وخبر علي بن إبراهيم السابق (٧) وفي سنده ضعف ، ويحتمل‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٠.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١٦.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١٧.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١٥.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١٤.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٢٢.

(٧) لم يتقدم لعلي بن إبراهيم خبر ، والظاهر انه سهو من قلم الناسخ والصحيح خبر علي عن أبي إبراهيم عليه‌السلام المتقدم في ص ٦.

٧

تقييد الطريق فيه بطريق في حدود مكة لا خارج عنها ، ولا بعد فيه سيما بعد ملاحظة الصحيح السابق » لكن لا يخفي عليك ما في ذلك كله بعد الإحاطة بما ذكرناه سيما عمل الأصحاب.

وحينئذ فالمتجه وجوب الشاة على من بات في غيرها ولو الطريق إلا ان يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة كما هو المشهور ، لقول الصادق عليه‌السلام في صحيح معاوية (١) « إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا تبت إلا بمنى إلا أن يكون شغلك في نسكك » وصحيحه الآخر (٢) أيضا المتقدم آنفا الذي مقتضى قوله عليه‌السلام فيه : « ليس عليه شي‌ء كان في طاعة الله عز وجل » العموم لكل عبادة واجبة أو مندوبة ، خلافا للمحكي عن ابن إدريس فأوجب الدم للعموم المخصص بما عرفت ، بل قيل مقتضاه أيضا ما نص عليه الشهيدان من لزوم استيعاب الليل إلا ما يضطر اليه من غداء أو شرب أو نوم يغلب عليه ، وإن كان فيه منع واضح باعتبار كون ذلك في سئواله ، اللهم إلا أن يكون لقاعدة الاقتصار على المتيقن فيما خالف ما دل على وجوب الدم ، ولعل وجه استثناء الأولين حملا لإطلاق النص على الغالب بل لعل الثالث أيضا كذلك ، واحتمل في الدروس كون القدر الواجب ما كان يجب عليه بمنى ، وهو أن يتجاوز نصف الليل ، ولكنه كما ترى أيضا.

نعم له المضي في الليل إلى منى كما صرح به غير واحد ، لظاهر النصوص السابقة ، بل قد يستفاد من‌ صحيح صفوان (٣) السابق كراهية عدم العود إليها إلى الصبح ، لقوله عليه‌السلام فيه : « وما أحب أن ينشق الفجر له إلا وهو بمنى » كقول أحدهما عليهما‌السلام في صحيح ابن مسلم (٤) « إذا خرجت من منى قبل غروب‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٩.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٥.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٣.

٨

الشمس فلا تصبح إلا بمنى » ونحوه صحيح جميل (١) عن الصادق عليه‌السلام ، وفي صحيح العيص (٢) عنه عليه‌السلام أيضا « ان زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى » بل قد تومئ هذه النصوص إلى إدراك المبيت بمنى بذلك فلا تجب الشاة حينئذ إلا بالمبيت تمام الليل في غيرها ، ولكن لم أجد من أفتى به.

بل اقتصروا في الاستثناء على الاشتغال بالنسك أو يخرج من منى بعد نصف الليل ولم يدخل مكة إلا بعد الفجر بلا خلاف أجده فيه ، لقول الصادق عليه‌السلام في خبر عبد الغفار الجازي (٣) : « فإن خرج من مني بعد نصف الليل لم يضره شي‌ء » وفي‌ خبر جعفر بن ناجية (٤) « إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا وهو بمنى ، وإذا خرج بعد النصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها » وفي‌ صحيح العيص (٥) « ان زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى ، وإن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة » بل قد يدل عليه أيضا صحيح معاوية السابق (٦).

بل صريح بعض هذه النصوص وظاهر غيره كالفتاوى جواز دخول مكة قبل الفجر ، خلافا للمحكي عن النهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر والجامع من أنه إذا خرج من منى بعد الانتصاف فلا يدخل مكة قبل الفجر ، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله وقيل بشرط ان لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر ولكن لم نعرف له مأخذا معتدا به كما اعترف به في الدروس‌

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١٩.

(٢) الوسائل الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٤.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١٤.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٢٠.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٤.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٩.

٩

وإن قيل لعلهم استندوا الى ما مر من الأخبار الناطقة بأن الخارج من مكة ليلا إلى منى يجوز له النوم في الطريق إذا جاز بيوت مكة ، لدلالتها على أن الطريق في حكم منى ، فيجوز أن يريدوا الفضل لما مر من أن الأفضل الكون الى الفجر والوجوب اقتصارا على اليقين ، وهو جواز الخروج بعد الانتصاف من منى لا مما هو في حكمها : ولا يعارضه ما في قرب الاسناد من‌ قول الكاظم عليه‌السلام لعلي بن جعفر (١) : « وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شي‌ء » ولا صحيح العيص (٢) المتقدم لاحتمالهما ، بل يمكن أن يكونوا استظهروا منهما ما ذكروه ، إلا أنها كما ترى مجرد تهجس لا يصلح مدركا فضلا عن أن يعارض ما عرفت.

وعلى كل حال يكون القدر الواجب من المبيت بناء على ما عرفت هو الكون بها ليلا حتى يتجاوز نصف الليل ، بل في الرياض « أن ظاهر الأصحاب انحصاره في النصف الأول فأوجبوا عليه الكون بها قبل الغروب الى النصف الثاني » بل صرح به ثاني الشهيدين في المسالك والروضة ، وزاد وجوب مقارنة النية لأول الليل ، نعم قد يستفاد من خبر ابن ناجية (٣) وخبر معاوية (٤) السابقين تساوي نصفي الليل في تحصيل الامتثال كما عن الحلبي ، بل قد عرفت سابقا أن أقصى ما يستفاد من النصوص ترتب الدم على مبيت الليالي المذكورة في غير منى بحيث يكون خارجا عنها من أول الليل الى آخره كما اعترف به بعض ، واستحسنه أخر إلا أن الشهرة بين الأصحاب إن لم يكن الإجماع على الوجه المزبور يجبر دلالة‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٢٣.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٤.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٢٠.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٨.

١٠

الأخبار عليه ، بل في كشف اللثام نفي الاشكال عن وجوب استيعاب النصف من الليل أو كله ، وأنه لا يكفي المسمى ، مضافا الى الاحتياط.

بل الأفضل الكون بها الى الفجر كما صرح به غير واحد ، لما سمعته من النصوص ، بل ظاهر خبر أبي الصباح (١) سأل الصادق عليه‌السلام « عن الدلجة إلى مكة أيام منى وهو يريد أن يزور البيت قال : لا حتى ينشق الفجر كراهية أن يبيت الرجل بغير منى » وعن الوسيلة التصريح بذلك ، وإن قال الفاضل في محكي المختصر ان خبر الجازي (٢) ينفيها وان كان الأفضل المبيت بها الى الفجر ، ومما ذكرنا يظهر لك انه لا وقع لما قيل من أن الكلام في أن الأصل أهو المبيت جميع الليل فلا يستثنى منه إلا ما قطع باستثنائه ، ويبقى الباقي على الوجوب أم الأصل الكون بها ليلا فلا يجب إلا ما قطع بوجوبه ، وهو النصف ، وهو مبني على معنى البيتوتة؟ فعن الفراء « بات الليل كله إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية » وفي العين « البيتوتة دخولك في الليل ، تقول : بت اصنع كذا إذا كان بالليل وبالنهار ظللت » وعن الزجاج « كل من أدرك الليل فقد بات » وعن ابن عباس « من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين فقد بات لله ساجدا وقائما » وفي الكشاف في تفسير قوله تعالى (٣) ( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ) : « البيتوتة خلاف الظلول ، وهي أن يدركك الليل ، نمت أو لم تنم وقالوا من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما ، وقيل هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء ،

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١١.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١٤.

(٣) سورة الفرقان الآية ٦٥.

١١

والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره ، يقال : يظل فلان صائما ويبيت قائما » ويجوز أن يكون انما استظهر هذا للمقام ، وكلام المنتهى يعطى فهم الاستيعاب ، لقوله لأن المتجاوز عن النصف هو معظم ذلك الشي‌ء ، ويطلق عليه اسمه ، قال امرء القيس.

فبات عليه سرجه ولجامه وبات بعين قائما غير مرسل.

وظاهره الاستيعاب ، ضرورة أن ذلك كله لا يوافق ما سمعت ، بل يمكن دعوى الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب وعلى عدم كفاية المسمى ، فالأحوط والأولى مراعاة ما سمعته من الأصحاب من الكون بها قبل الغروب الى نصف الليل.

هذا كله في المختارين ، وأما ذوو الأعذار فلا أجد خلافا بين الأصحاب في جواز المبيت لهم بغير منى ، ولعله لنفي الحرج في الدين ، وفحوى الرخصة للرعاة والسقاية ، فإن العامة روت ترخصهم (١) ، وعن الخلاف والمنتهى نفي الخلاف عنه ، وفي‌ خبر مالك بن أعين (٢) عن أبي جعفر عليه‌السلام المروي عن كتاب العلل « ان العباس استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى ، فأذن له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل سقاية الحاج » ولعله لذا كان المحكي عن مالك وأبي حنيفة قصر الرخصة على أولاد عباس ، وإن كان ذلك خصوصا من الثاني منهما الذي شرع القياس وغيره غريبا على أن مقتضى الجمود الاقتصار على العباس لا إلحاق أولاده به.

نعم ربما قيل إن للرعاة ترك المبيت ما لم تغرب الشمس عليهم بمنى ، فان غربت وجب عليهم ، بخلاف السقاة ، لاختصاص شغل الرعاة‌

__________________

(١) سنن البيهقي ج ٥ ص ١٥٠ و ١٥٣.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٢١.

١٢

بالنهار بخلاف السقاة ، بل عن التحرير والدروس الفتوى بهذا الفرق ، وفي كشف اللثام وهو حسن ، قلت : المدار على ارتفاع العذر وعدمه ، وإلا فلو فرض احتياج الرعاة الى الرعي ليلا كان لهم ذلك وان غربت الشمس لهم بمنى ، ومن هنا ألحقنا جميع ذوي الأعذار بهم ، قال في محكي الخلاف : « وأما من له مريض يخاف عليه أو مال يخاف ضياعه فعندنا يجوز له ذلك ، لقوله تعالى (١) ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) وإلزام المبيت والحال ما وصفناه حرج ، وللشافعي فيه وجهان » ونحوه عن المنتهى ، بل قيل هو فتوى التحرير والدروس ومقرب التذكرة ، بل في الدروس وكذا لو منع من المبيت منعا خاصا أو عاما كنفر الحجيج ليلا ، قال : « ولا إثم في هذه المواضع ، وتسقط الفدية عن أهل السقاية والرعاة ، وفي سقوطهما عن الباقين نظر » قلت : لعل الفرق ظهور خصوص.

الرخصة فيهما بذلك أما غيرهم فلعموم نفي الحرج الذي مقتضاه عدم الإثم دون الفدية التي عرفت سابقا ظهور النصوص (٢) في وجوبها ، ولا ريب في أنه الأحوط ، وعن بعض العامة تعليل الفرق بأن شغل الأولين ينفع الحجيج عامة وشغل الباقين يخصهم ، ولكنه كما ترى ، والله العالم.

وكيف كان فقد قيل والقائل الشيخ في محكي النهاية وابن إدريس بل في المدارك نسبته الى جمع من الأصحاب غيرهما لو بات الليالي الثلاث بغير منى لزمه ثلاث شياه لإطلاق منا سمعته من خبر جعفر بن ناجية ، بل وغيره من النصوص ولكن هو محمول على من غربت عليه الشمس في الليلة الثالثة وهو بمنى أو من لم يتق الصيد‌

__________________

(١) سورة الحج الآية ٧٧.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب العود إلى منى.

١٣

والنساء في إحرامه ، لاختصاص وجوب مبيت الثالثة فيها بهما دون غيرهما كما ستعرف تحقيق الحال في الثاني منهما إنشاء الله ، أما الأول فلا أجد فيه خلافا ، بل عن المنتهى وظاهر التذكرة الإجماع عليه ، لقول الصادق عليه‌السلام في حسن الحلبي (١) : « فإن أدركه المساء بات ولم ينفر » وفي‌ خبر ابن عمار (٢) « إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح » وفي‌ خبر أبي بصير (٣) « فان هو لم ينفر حتى يكون غروبها فلا ينفر وليبت بمنى ، حتى إذا أصبح وطلعت الشمس فلينفر متى شاء » بل قيل ولأن الآية (٤) إنما سوغت التعجيل في يومين ، وبالغروب ينقضي اليومان وإن كان فيه ما فيه ، إلا أن ما تقدم كاف في إثبات المطلوب الذي هو وجوب المبيت عليه وإن كان متقيا للصيد والنساء.

ولو رحل فغربت قبل خروجه من منى فعن المنتهى لم يلزمه المقام على إشكال ، وعن التذكرة الأقرب ذلك مستندا فيها إلى المشقة في الحط والرحال ، لكنه كما ترى لا يصلح معارضا لما سمعته من ظواهر النصوص ، ولذا قال في الدروس الأشبه المقام ، وتبعه في المسالك وغيرها ضرورة كون المراد بغروب الشمس هنا هو الغروب المعتبر في حل الصلاة والإفطار ، من غير فرق بين من تأهب للخروج وغربت عليه قبل أن يخرج وغيره ، وبين من نفر ولم يتجاوز حدود منى وغيره ، لصدق الغروب عليه بمنى ، فإن أجزائها متساوية في وجوب المبيت بها.

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٢.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ٤.

(٤) سورة البقرة الآية ١٩٩.

١٤

نعم لو خرج منها قبله ثم رجع بعده لأخذ شي‌ء نسيه مثلا لم يجب عليه المبيت ، بل وكذا لو عاد لتدارك واجب عليه بها ، ولو رجع قبل الغروب فغربت عليه بها ففي المسالك في وجوب الإقامة عليه وجهان وقرب العلامة الوجوب ، والوجهان آتيان في وجوب الرمي ، قلت : لا ريب في أن الأقوى الوجوب ، كما أنه لا إشكال في الوجوب عليه لو غربت في أثناء التأهب كما عن المنتهى والتحرير الجزم به وإن قال في محكي التذكرة إنه أقرب ، إلا أنه لا ريب في ضعف احتمال عدم الوجوب مع فرض كون رجوعه على غير الوجه الذي ذكرناه سابقا وقول أحدهما عليهما‌السلام في خبر علي (١) : « في رجل بعث ثقله يوم النفر الأول وأقام هو الى الأخير انه ممن تعجل في يومين » لا دلالة فيه على عدم وجوب المبيت على من خرج وغربت عليه الشمس قبل الخروج من حدود منى ، فضلا عن غيره ، وإن احتمله بعض الناس.

وعلى كل حال فلا يجب مبيت الثالثة إلا عليهما ، وتجب الفدية حينئذ لو أخلا بها ، بل ظاهر المصنف حمل القول المزبور على ذلك أيضا ولعله للإجماع وغيره على جواز النفر في اليوم الثاني عشر لغيرهما ، فلا يجب مبيت ولا رمي في اليوم الثالث عشر ، والله العالم.

ويجب أن يرمي كل يوم من أيام التشريق اي الحادي عشر والثاني عشر الجمار الثلاث كل جمرة بسبع حصيات بلا خلاف محقق أجده فيه كما اعترف به بعضهم ، قال في محكي السرائر لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا ولا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه ، وإن الأخبار به متواترة ، وفي محكي الخلاف « الإجماع على وجوب الترتيب » ‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٩ ـ من أبواب العود إلى منى ـ الحديث ١٢.

١٥

بين رمي الثلاث وتفريق الحصا ووجوب القضاء » وفي محكي التذكرة والمنتهى لا نعلم فيه مخالفا ، قال الصادق عليه‌السلام في حسن ابن أذينة (١) « الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمى الجمار » بل في‌ خبر عبد الله بن جبلة (٢) « من ترك رمي الجمار متعمدا لم تحل له النساء ، وعليه الحج من قابل » وإن كان هو محمولا على المبالغة في الوجوب ، إذ لم نجد قائلا به كما اعترف به في محكي الذخيرة بعد أن نسبه الى الشذوذ.

بل وكذا يجب الرمي أيضا في اليوم الثالث عشر إن أقام ليلته فيها كما صرح به الفاضل وغيره ، بل في كشف اللثام لعله لا خلاف فيه ولعله للتأسي وإطلاق بعض النصوص (٣) وعلى كل حال فما عن التبيان من عده الرمي من المسنون محمول على إرادة ثبوت وجوبه بالسنة ، وكذا ما عن الجمل والعقود في الكلام في رمي جمرة العقبة في يوم النحر أن الرمي مسنون ، كما عن السرائر والمنتهى الاعتراف به ، والله العالم‌ ويجب هنا زيادة على ما تضمنه شروط الرمي الترتيب ، يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه بل المحكي منه صريحا وظاهرا. مستفيض كالنصوص التي منها‌ خبر معاوية بن عمار (٤) عن أبي عبد الله عليه‌السلام « ارم في كل يوم عند زوال الشمس ، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة ، فابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل ، وقل كما قلت يوم النحر ،

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٥.

(٣) المستدرك الباب ـ ٥ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ١.

(٤) ذكر صدره في الوسائل في الباب ـ ١٢ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ١ وذيله في الباب ١٠ منها الحديث ٢.

١٦

ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله وأثن عليه وصل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية ، واصنع كما صنعت بالأولى ، وتقف وتدعو الله كما دعوت ، ثم تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار فارم ولا تقف عندها » فإن الأمر بالبدأة والعطف بثم ظاهر في الترتيب ، ونحوه غيره ، مضافا الى التأسي.

وحينئذ فـ ( لو رماها منكوسة ) عمدا أو جهلا أو سهوا أعاد على الوسطى وجمرة العقبة بلا خلاف ولا إشكال ، بل الإجماع بقسميه عليه تحصيلا لإيقاع المأمور به على وجهه ، وفي‌ صحيح معاوية أو حسنه (١) عن أبي عبد الله عليه‌السلام « في رجل نسي رمي الجمار يوم النحر فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى قال : يؤخر ما رمى بما رمى ويرمي الجمرة الوسطى ثم جمرة العقبة » أي يؤخر ما قدم رميه نسيانا ولو بقرينة‌ صحيحه الآخر (٢) عنه عليه‌السلام أيضا « قلت له : الرجل يرمي الجمار منكوسة قال : يعيدها على الوسطى وجمرة العقبة » والله العالم.

ووقت الرمي للمختار ما بين طلوع الشمس الى غروبها وفاقا للمشهور ، ولعله يرجع اليه ما في محكي الوسيلة « أن وقت الرمي طول النهار » وما عن الإشارة أنه من أول النهار ، خصوصا بعد ما عن بعض كتب أهل اللغة من كون النهار من طلوع الشمس الى الغروب ، بل وما عن رسالة علي بن بابويه أنه مطلق لك أن ترمي الجمار من أول النهار الى الزوال ، وقد روي من أول النهار الى آخره بناء على العمل منه بما أرسله ، وإلا كان مخالفا كالمحكي عن مقنع ولده « وارم الجمار في كل‌

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ٢ عن مسمع وفيه‌ « في رجل نسي رمي الجمار يوم الثاني ».

(٢) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من أبواب العود إلى منى الحديث ١.

١٧

يوم بعد طلوع الشمس الى الزوال ، وكلما قرب منه فهو أفضل » ومن لا يحضره الفقيه مع زيادة الرواية المرسلة ، وعن الغنية والإصباح والجواهر « أن وقته بعد الزوال » وفي الخلاف « لا يجوز الرمي أيام التشريق إلا بعد الزوال ، وقد روي رخصة قبل الزوال في الأيام كلها ، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة قال : وإن رمى يوم الثالث قبل الزوال جاز استحسانا ، وقال طاوس : يجوز قبل الزوال في الكل ، دليلنا إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط ، فان من فعل ما قلناه لا خلاف أنه يجزيه وإذا خالفه ففيه الخلاف » ونحوه الجواهر.

ولا ريب في أن الأقوى الأول لصحيح منصور بن حازم وأبي بصير (١) عن أبي عبد الله عليه‌السلام « رمى الجمار من طلوع الشمس الى غروبها » وصحيح جميل (٢) عنه عليه‌السلام أيضا في حديث « قلت له متى يكون رمى الجمار فقال : من ارتفاع النهار الى غروب الشمس » وصحيح زرارة أو حسنه (٣) عن أبي جعفر عليه‌السلام « أنه قال للحكم بن عيينة ما حد رمي الجمار فقال عند الزوال ، فقال أبو جعفر عليه‌السلام أرأيت لو كانا رجلين فقال أحدهما لصاحبه احفظ علينا متاعنا حتى أرجع كان يفوته الرمي ، هو والله ما بين طلوع الشمس الى غروبها » وصحيح صفوان (٤) « سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : رمي الجمار ما بين طلوع الشمس الى غروبها » وهي مع اعتبار أسانيدها وعمل الطائفة بها قديما وحديثا لا محيص عن العمل بها ، خصوصا بعد سلامتها عن معارضة ما عدا الإجماع المحكي الموهون بمصير معظم من تقدمه كابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد والصدوقين والمرتضى وجميع‌

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٦.

(٢) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٥.

(٤) الوسائل الباب ـ ١٣ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٢.

١٨

من تأخر عنه إلى خلافه ، بل هو قد رجع عنه في مبسوطة ونهايته ، ولذا قال في المختلف « انه شاذ لم يعمل به أحد من علمائنا ، حتى أن الشيخ المخالف وافق أصحابه ، فيكون إجماعا ، لأن الخلاف إن وقع منه قبل الوفاق فقد حصل الإجماع ، وإن وقع بعده لم يعتد به ، إذ لا اعتبار بخلاف من يخالف الإجماع » وإن كان لا يخلو من نظر ، وأما الاحتياط فهو معارض بالنصوص المعتبرة المعمول بها بين الطائفة ، على أن التحقيق العمل بأصل البراءة مع فرض الشك في أمثال ذلك ، وعدا‌ صحيح معاوية (١) عن أبي عبد الله عليه‌السلام « ارم في كل يوم عند زوال الشمس » القاصر عن المعارضة من وجوه الذي لا بأس بحمله حينئذ على الندب ، ومنه حينئذ يعلم الوجه فيما ذكره غير واحد من الأصحاب من كون الأفضل وقوعه عند الزوال ، مضافا الى كونه المحكي من فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان يبادر إلى الأفضل ، نعم لا دلالة فيه بل ولا في غيره على ما ذكره في محكي الهداية والفقيه والمقنع من أنه كلما قرب الى الزوال كان أفضل وإن توهمه بعض الناس ، بل وما عن المقنعة والمراسم ما قرب من الزوال أفضل فضلا عما عن الكافي من أنه قبل الزوال ، وما عن بعض نسخ المبسوط من أن الأفضل بعد الزوال ، نعم يحكي عن‌ الكتاب (٢) المنسوب الى الرضا عليه‌السلام أنه قال : « وأفضل ذلك ما قرب من الزوال » ولم تثبت نسبته عندنا ، فالأولى الاقتصار في الفضل على ما في الصحيح المزبور ، ومن الغريب ما في القواعد من امتداد الفضل من حين الزوال الى الغروب ، ولم أجده لغيره ، ولا ما يدل عليه ، والله العالم.

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٢ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ١.

(٢) المستدرك الباب ـ ١٢ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٢.

١٩

وكيف كان فـ ( لا يجوز ان يرمي ليلا ) لما عرفت إلا لعذر كالخائف والمريض والرعاة والعبيد بلا خلاف أجده فيه ، لقول الصادق عليه‌السلام في صحيح ابن سنان (١) : « لا بأس أن يرمي الخائف بالليل ويضحى ويفيض بالليل » وفي‌ موثق سماعة (٢) « ورخص للعبد والخائف والراعي في الرمي ليلا » وفي حسن زرارة ومحمد بن مسلم (٣) « في الخائف لا بأس أن يرمي الجمار بالليل ويفيض بالليل » وسأله عليه‌السلام أبو بصير (٤) أيضا « عن الذي ينبغي له أن يرمي بليل من هو قال : الحاطب والمملوك الذي لا يملك من أمره شيئا والخائف والمدين والمريض الذي لا يستطيع أن يرمي يحمل الى الجمار ، فان قدر على أن يرمي وإلا فارم عنه وهو حاضر » وفي‌ خبر أبي بصير الآخر (٥) عنه عليه‌السلام أيضا « رخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لرعاة الإبل إذا جاؤا بالليل أن يرموا ».

ولا فرق في الليل بين المتقدم والمتأخر لعموم النصوص والفتاوى كما اعترف به في كشف اللثام ، ولكن في المدارك « والظاهر أن المراد بالرمي ليلا رمي جمرات كل يوم في ليلته ، ولو لم يتمكن من ذلك لم يبعد جواز رمي الجميع في ليلة واحدة ، لأنه أولى من الترك أو التأخير ، وربما كان في إطلاق بعض (٦) الروايات المتقدمة دلالة عليه » قلت : هو العمدة وإلا فسابقه مجرد اعتبار ، بل ظاهر النصوص المزبورة ذلك وإن لم يعلم حاله فيما يأتي من الليالي ، والله العالم.

ومن حصل له رمي أربع حصيات ثم رمى على الجمرة الأخرى حصل الترتيب وإلا فلا بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض إلا‌

__________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٤ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ١.

(٢) الوسائل الباب ـ ١٤ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٢.

(٣) الوسائل الباب ـ ١٤ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٤.

(٤) الوسائل الباب ـ ١٤ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٧.

(٥) الوسائل الباب ـ ١٤ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٦.

(٦) الوسائل الباب ـ ١٤ ـ من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث ٦.

٢٠