جواهر الكلام - ج ٥

الشيخ محمّد حسن النّجفي

جواهر الكلام - ج ٥

المؤلف:

الشيخ محمّد حسن النّجفي


المحقق: الشيخ عبّاس القوچاني
الموضوع : الفقه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٧
الصفحات: ٣٨٢
  نسخة غير مصححة

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وإذ قد فرغ من الكلام في أكثر الأغسال الواجبة شرع في ذكر غيرها ، فقال :

( وأما الأغسال المسنونة )

بالأصل والذات وإلا فقد تجب بالعارض بنذر ونحوه ، كما أن المراد بالواجبة في السابق كذلك وإلا فقد تكون مستحبة حينئذ من جهة الغاية ونحوها ، فالمشهورة المعروف منها ثمانية وعشرون غسلا ، وإلا ففي النفلية أنه يستحب الغسل لخمسين ، بل في المصابيح « أن الأغسال المندوبة المذكورة هنا تقرب من مائة ـ وإن قال ـ : إن الثابت من هذه الأغسال بالنص أو غيره أكثر من ثمانين غسلا » انتهى. منها ستة عشر للوقت ، وهي غسل يوم الجمعة على المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا ، بل هي كذلك لانقراض الخلاف فيه على تقديره ، بل لم تعرف حكايته فيه بين من تقدم من أصحابنا كالمفيد ، بل ظاهره عدمه في المقنعة ، حيث قال : « وأما الأغسال المسنونة فغسل يوم الجمعة سنة للرجال والنساء ، وغسل الإحرام سنة أيضا بلا اختلاف » وكابن حمزة حيث قسم الغسل إلى فرض وواجب ، ومختلف فيه ، ومندوب ، وصدر المندوب بغسل الجمعة ، وكابن إدريس حيث حكى الاختلاف في الأغسال الواجبة خمسة أو ستة بزيادة غسل الأموات ، أو سبعة بزيادة قضاء الكسوف ، أو ثمانية بزيادتهما مع غسل الإحرام ، ثم قال : « فالأقوال في عدد الأغسال الواجبة أربعة »

٢

وعن شرح الجمل لابن البراج غسل الجمعة من السنن المؤكدة عندنا ، ونقل القول بالوجوب عن بعض العامة ، وظاهره الإجماع ، وكذا التهذيب بل في صريح الغنية وموضعين من الخلاف الإجماع عليه ، بل في أحدهما نسبة القول بالوجوب إلى أهل الظاهر داود وغيره.

نعم انما عرف ذلك من المصنف والعلامة ومن تأخر عنهما ، فنسبوا القول بالوجوب إلى الصدوقين ، حيث قالا : « وغسل الجمعة سنة واجبة فلا تدعه » كما عن الرسالة والمقنع ، ونحوه الفقيه والهداية لكن مع ذكر رواية الرخصة (١) في تركه النساء في السفر لقلة الماء ، بل والكليني حيث عقد في الكافي بابا لوجوب ذلك مع احتمال إرادة السنة الأكيدة اللازمة كالأخبار (٢) كما يومي اليه أنه وقع ما يقرب من ذلك ممن علم أن مذهبه الندب ، مضافا إلى ما عرفته سابقا ، إذ المتقدمون بعضهم أعرف بلسان بعض ، ويزيده تأييدا بل يعينه ما حكي عن ظاهر الصدوق في الأمالي من القول بالاستحباب مع نسبته له إلى الإمامية ، ولا ريب أن الكليني ووالده من أجلاء الإمامية ، مع أنهما عنده بمكانة عظيمة جدا سيما والده ، بل والكليني أيضا لأنه أستاذه ، هذا على أن قولهما : « سنة واجبة » إن حمل فيه لفظ السنة على حقيقته في زمانهما ونحوه من الاستحباب كانت عبارتهما أظهر في نفي الوجوب.

وكيف كان فالمختار الأول ، وعليه استقر المذهب للأصل والإجماع المحكي بل المحصل ، والسيرة المستمرة المستقيمة في سائر الأعصار والأمصار ، وكيف ولو وجب لاشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار لعموم البلوى به حينئذ ، إذ هو أعظم من غسل الجنابة والحيض وغيرهما ، لملازمة إدراك الجمعة لكل أحد دونهما.

وقول الصادق عليه‌السلام في صحيح زرارة (٣) بعد أن سأله عن غسل يوم

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب ـ الأغسال المسنونة ـ الحديث ١٧.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب ـ الأغسال المسنونة.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب ـ الأغسال المسنونة ـ الحديث ١٠.

٣

الجمعة : « سنة في السفر والحضر إلا أن يخاف المسافر على نفسه الضرر » ولفظ السنة إن لم تكن حقيقة فيما قابل الواجب كما هو الأقوى سيما في زمن الأئمة عليهم‌السلام ويرشد اليه ان عرف المتشرعة عنوان عرف الشارع ، فلا أقل من الاشتراك بينه وبين الواجب بالسنة دون الكتاب ، ويعين إرادة أحد المعنيين بما ذكرنا ، مضافا إلى ظهور سؤال مثل زرارة في ذلك لا عن أصل مشروعيته ، ولا عن كونه فرضا أو واجبا بالسنة مع عدم ظهور آية في كتاب الله يشتبه منها وجوبه حتى يكون من الأول ، إذ زرارة أجل من ذلك ، بل المتجه إرادة ما ذكرنا من لفظ السنة هنا ، حتى لو قلنا بمجازيته فيه لما عرفته من القرينة ، بل القرائن عليه ، وكذا لو منع أصل النقل في لفظ السنة وأبقي على المعنى اللغوي وهو الطريقة كان المفهوم منه إرادة الندب أيضا ، فتأمل.

وقول أبي الحسن عليه‌السلام في صحيح ابن يقطين (١) بعد أن سأل عن الغسل في الجمعة والأضحى والفطر : « سنة وليست بفريضة » والتقريب في ما تقدم ، مضافا إلى ضم العيدين معه ، وهما سنة بمعنى الاستحباب إجماعا ، وكذا قول الصادق عليه‌السلام في خبر ابن أبي حمزة (٢) بعد أن سأله عن غسل العيدين أواجب هو؟فقال : « هو سنة ، قلت : فالجمعة ، قال : هو سنة »

وفي خبر الحسين بن خالد عن أبي الحسن الأول عليه‌السلام (٣) « كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال : إن الله تعالى أتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة وأتم صيام الفريضة بصيام النافلة ، وأتم وضوء النافلة بغسل يوم الجمعة ما كان في ذلك من تقصير » الخبر. وعن البرقي في المحاسن روايته كذلك أيضا إلا أنه قال : « وضوء الفريضة » كما عن الفقيه والعلل « الوضوء » وعلى كل حال فالدلالة واضحة إلى غير ذلك من الأخبار (٤)

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٩.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١٢.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٧.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة.

٤

الكثيرة الدالة على المطلوب بأنواع الدلالات المروية في كتب المشايخ الثلاثة وغيرها من المقنعة والعلل والمحاسن والخصال وجمال الأسبوع للسيد ابن طاوس والفقه المنسوب إلى الرضا عليه‌السلام على ما حكي عنها. وفي بعضها التصريح بأنه تطوع ، كخبر أبي البختري (١) المروي عن جمال الأسبوع عن جعفر عن أبيه عليهما‌السلام عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « يا علي على الناس في كل سبعة أيام الغسل ، فاغتسل في كل جمعة ولو أنك تشتري الماء بقوت يومك وتطويه فإنه ليس شيء من التطوع أعظم منه » وفي آخر التصريح بعدم وجوبه على النساء في السفر والحضر ، كالمروي عن الباقر عليه‌السلام (٢) عن الخصال ، ويتم بالإجماع المركب ، وفي غيرهما نظمه مع المستحبات ودرجه فيها إلى غير ذلك.

كل ذا مع أنه لو قلنا بوجوبه فهو إما لنفسه أو لغيره ، فان كان الأول فهو مناف لحصر الواجبات في الأخبار (٣) المتواترة كما قيل فيما عداه ، وأما الثاني فمع أنه خلاف قول المخالف وأدلته كما في المصابيح ينافيه ضبط شرائط الصلاة وحصرها في كلام الأصحاب والأخبار ، كصحيحة زرارة (٤) « لا تعاد الصلاة إلا من خمس » إلى آخرها وغيرها في غيره ، وليس هو من الطهور قطعا لعدم رفع الحدث به عند الصدوقين أيضا كما حكي.

فظهر من هذا كله تعين الندب ، وهو في مقابلة أخبار (٥) دالة على الوجوب ، وفيها الصحيح ، وقد اشتملت على الأمر ولفظ الوجوب والنهي عن الترك ، وتفسيق

__________________

(١) المستدرك ـ الباب ـ ٣ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٩.

(٢) المستدرك ـ الباب ـ ٣ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٣.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب الجنابة.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الركوع ـ الحديث ٥ من كتاب الصلاة.

(٥) الوسائل ـ الباب ٦ و ٧ من أبواب الأغسال المسنونة.

٥

التارك وأمره بالاستغفار ونهيه عن العود ، مع اشتمالها على استثناء الخوف والرخصة للعليل ونحوها مما يفيد ذلك ويؤكده ، إلا أنها ـ مع عدم اعتبار سند بعضها والجابر مفقود بل الموهن موجود ـ لا تصلح لمعارضة ما قدمناه لوجوه كثيرة لا تخفى ، وكيف والأخبار متى كانت صريحة صحيحة وأعرض الأصحاب عنها لا يسوغ العمل بها فضلا عما لو وجد لها معارض أقوى منها ، فوجب حينئذ طرح ما لا يقبل التأويل منها لو كان ، وتأويل غيره بإرادة الثبوت والمبالغة والتأكيد لاستحبابه سيما بعد إطلاق لفظ الوجوب ونحوه على المعلوم استحبابه من الأغسال ، كغسل عرفة والزيارة ودخول البيت والمباهلة والاستسقاء ، وفي بعضها ان غسل دخول الحرم واجب ، ويستحب أن لا يدخله إلا بغسل ، وهو كالمفسر للوجوب فيه وفي غيره إلى غير ذلك من القرائن فيها الدالة على إرادة الندب من الوجوب ونحوه.

وقد تجاوز بعض المتأخرين فأنكر كون لفظ الوجوب حقيقة فيما عندنا في السابق ، ولا ريب في ضعفه سيما بالنسبة إلى زمن الأئمة عليهم‌السلام ، فالأولى حينئذ ما ذكرنا فيه وكذا غيره من الأمر بالاستغفار ونحوه مما تقدم عند تركه من إرادة الحث والترغيب والمبالغة حتى يداوم على مثل هذه السنة ، وقد ورد أشد من ذلك من الحث على المندوبات بل لعل التتبع يشهد أن كل ما زيد فيه من المبالغة في فعله وتركه كان إلى الاستحباب أقرب منه إلى الوجوب.

نعم قد يظهر من هذه الأخبار وغيرها ان تركه مكروه ، بل كراهة شديدة وإن لم ينص عليه أحد في كتب الفروع فيما أجد ، للنهي عن الترك فيها والأمر بالاستغفار عنده ، والتفسيق بسببه أيضا ، بل لعل أخبار الوجوب تكفي في إثبات الكراهة للترك ، لكونه أقرب المجازات عند انتفاء الحقيقة ، فالذي ينبغي حينئذ أن لا يترك لذلك لا لما ذكره بعض متأخري المتأخرين من قوة القول بالوجوب ، لما

٦

عرفت من ضعف الشبهة من هذه الجهة ، وفي خبر الأصبغ (١) « كان أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا أراد أن يوبخ الرجل يقول : والله لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة ، فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأخرى » وعن العلل كذلك إلا أنه قال : « في هم » بدل « طهر ».

ثم ان ظاهر الأدلة أن الجمعة لها غسل في يومها خاصة ، لكن نقل عن الحلبي في إشارة السبق إثبات آخر لليلتها ، ولم نعرف له موافقا ولا مستندا سوى ما يحكى عن ابن الجنيد من إثباته لكل زمان شريف.

وكيف كان ف وقته ما بين طلوع الفجر الثاني ، فلا يجوز تقديمه عليه في غير ما استثني بلا خلاف أجده فيه ، بل في الخلاف والتذكرة الإجماع عليه صريحا ، وكذا غيرها صريحا وظاهرا أيضا ، ويؤيده مضافا إلى ذلك وإلى ما تسمعه عن قريب أن العبادة توقيفية ، والمعلوم من التوظيف والتوقيف يوم الجمعة ، فيجتزى بالغسل إذا وقع بعد الفجر الصادق بحيث يكون اليوم ظرفا له بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في طهارة الخلاف ، بل لعل إجماعه فيها متناول له كاجماعه في باب الصلاة على ذلك ، وفي المصابيح « أما ان أول وقته من الفجر الثاني فهو موضع وفاق بين الأصحاب » قلت : ويدل عليه ـ مضافا إلى ذلك وإلى تحقق اليوم الذي أضيف إليه الغسل وأمر به فيه بطلوع الفجر لغة وعرفا وشرعا ـ صحيحة زرارة والفضيل (٢) قالا : « قلنا له : أيجزى إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر للجمعة؟ قال : نعم » وحسنة زرارة (٣) قال عليه‌السلام : إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة » إلى آخرها وخبر بكير عن الصادق عليه‌السلام (٤) في أغسال شهر رمضان قلت : « فان نام بعد الغسل قال :

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٧ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٢.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٣١ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٢.

٧

هو مثل غسل الجمعة ، إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك » إلى آخره.

نعم يمتد وقته من طلوع الفجر إلى الزوال كما هو المشهور بين الأصحاب ، بل لا أعرف فيه خلافا ولا حكي سوى ما عن علي بن بابويه وكذا ولده من ظهور الاجتزاء بالغسل للرواح أي للصلاة ولو بعد الزوال ، كالشيخ في الخلاف في باب الصلاة وقته ما بين طلوع الفجر الثاني إلى أن تصلى الجمعة ، ثم نقل خلاف مالك انه إن راح عقيب الاغتسال اجتزى به وإلا فلا ، وقال : دليلنا إجماع الفرقة ، مع أنه قال في باب الطهارة أيضا : يجوز غسل الجمعة من عند طلوع الفجر إلى قبل الزوال ، وكل ما قرب اليه كان أفضل ، إلى أن قال بعد أن حكى خلاف الأوزاعي : دليلنا إجماع الفرقة ، وهو مناف للأول إذا روعي المفهوم ، ويمكن إرجاع الجميع إلى المشهور بإرادة الغالب من زمن الرواح ، وهو قبل الزوال أو الزوال أو بعده بحيث يكون الغسل قبله وبأول وقت الصلاة من الصلاة ، وبالزمان الذي لا يمكن فيه الغسل مما قبل الزوال ، فيجتمع الجميع على إرادة التحديد بذلك.

وربما يرشد اليه ما في المعتبر من إجماع الناس على التحديد بما قبل الزوال ، مع أنه قبله بيسير ذكر التحديد بالصلاة عن الشيخ ، فالظاهر أنه لم يفهم منه الخلاف ، وما في التذكرة « ووقته ما بين طلوع الفجر الثاني إلى الزوال ، وكل ما قرب كان أفضل ، قاله علماؤنا » وما في الذكرى « ويمتد إلى الزوال إجماعا » وفي المصابيح ان عليه الإجماع المعلوم بالنقل والفتوى والعمل ، نعم ذكر جماعة من متأخري المتأخرين احتمالا ، ولم نعرف أحدا عض عليه بضرس قاطع منهم ، وهو استمرار استحبابه إلى خروج اليوم عملا بإطلاق أكثر الأدلة ، بل قيل انه قد يستفاد من نحو إطلاق المقنعة والاقتصاد والجمل والعقود والمراسم والكافي والوسيلة والغنية والإرشاد والنفلية مما اقتصر فيه على أصل الحكم ،

٨

وهو استحباب غسل الجمعة أو الغسل في يومها ، مع أن الظاهر خلافه لما عرفته من الإجماعات من القدماء والمتأخرين على عدم استمرار ذلك طول النهار.

فتحصل حينئذ من جميع ما ذكرنا أن الاحتمالات في المقام أو الأقوال أربعة ، المشهور هو التحديد بالزوال. أو بما قبل الزوال ، أو بالصلاة ، أو بالغروب ، والأقوى الأول لما عرفت ، مع أنه إن لم نقل به تعين القول بأحد الثلاثة الأخر ، والكل باطل ، أما الأول فيرده بعد الإجماعات السابقة الاستصحاب ، مع أنه لا شاهد له ، وقول الباقر عليه‌السلام في خبر زرارة الآتي (١) : « وليكن فراغك قبل الزوال » انما هو حتى تعلم وقوع تمام الغسل في وقته وعدم تجاوزه عن حده ، فان كان القائل بذلك يريد هذا المعنى فمرحبا بالوفاق وكان النزاع لفظيا ، والا فلا شاهد له فيه.

واحتمال أن يقال : ان مآل المشهور الى ما قبل الزوال أيضا لعدم تحقق المقارنة غالبا ، مع ظهور الرواية بعدم الاجتزاء بها لو تحققت ، لكن لشدة قرب بعض أفراد القبيلة إلى الزوال تسامح الأصحاب في التعبير عنه بالزوال تارة ، وما قبله أخرى ، كمقعد إجماع المعتبر وغيره ، بل لعل ذلك منهم يكون قرينة على خروج ما بعد « الى » عن الوقت الذي يجتزى به في عبارتهم الأولى ليس بأولى من العكس بأن يراد بما قبل الزوال الزوال ، بل هو أولى من وجوه ، وعلى كل حال فيتحد القولان حينئذ ، ويرتفع الخلاف من هذه الجهة.

وأما الثاني أي التحديد بالصلاة فيرده ـ مضافا الى الإجماعات السابقة وخبري سماعة (٢) وابن بكير (٣) الآتيين ـ أن الغسل مستحب حتى لمن لم يخاطب بصلاة الجمعة من العبيد والنساء وغيرهم بلا خلاف فيه ، فلا تصلح لأن تكون غاية له لعدم

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٤٧ ـ من أبواب صلاة الجمعة ـ الحديث ٣ من كتاب الصلاة.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٣.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٤.

٩

اطرادها ، وإرادة التحديد بالصلاة ولو من الغير يدفعه أيضا أنه غير منضبط ، لاختلاف وقوع الصلاة من المصلين ، وعادة الشارع تحديد مثل ذلك بالأمور المضبوطة ، وليس هنا إلا إرادة أول وقت الصلاة وهو الزوال ، وليس فيما دل من الأخبار على تعلق الغسل بالصلاة ، ومدخليته به في الجملة وارتباطه به كذلك ، وبيان مشروعيته منافاة لتحديده بالزوال ، لأن الغالب خصوصا في الصدر الأول إيقاع الصلاة سيما الجمعة في أول الوقت وهو الزوال.

وأما الثالث فيرده ـ بعد عدم المقتضي له إلا إطلاق الأمر بالغسل في يوم الجمعة الذي لا ينافي إرادة الأعم من القضاء والأداء فيها إذا قام الدليل على ما قلناه ـ الإجماعات السابقة أيضا وخبر سماعة بن مهران عن الصادق عليه‌السلام (١) « في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أول النهار ، قال : يقضيه آخر النهار ، فان لم يجد فليقضه يوم السبت » والمناقشة فيه بعدم كون القضاء حقيقة فيما عندنا في الزمن السابق مدفوعة بمنعه أولا خصوصا في زمن الصادق عليه‌السلام ، وبظهور إرادته منه هنا من حيث اتحاده مع السبت في ذلك. هذا مع الإغضاء عن الانجبار بفتاوى الأصحاب كالمناقشة بخروجه عن المدعى ، وهو الزوال بظهور كون المراد بأول النهار فيه الشطر الأول ، سيما بعد الإجماع على عدم اختصاصه بصدر النهار ، وأنه كل ما قرب من الزوال أفضل ، ولو سلم فهو لا ينافي الاستدلال بآخره على المطلوب وان ثبت ما عدا أول النهار الى الزوال بدليل آخر.

و‌خبر عبد الله بن بكير عنه عليه‌السلام (٢) قال : « سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة ، قال : يغتسل ما بينه وبين الليل ، فان فاته اغتسل يوم السبت » بناء على أظهر الوجهين فيها بأن يراد بفوات الغسل يوم الجمعة فواته في الزمان المتعارف المعهود ،

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٣.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٤.

١٠

وهو أول النهار بقرينة قوله (ع) : « يغتسل ما بينه وبين الليل » واحتمال الحديث معنى آخر لا يمنع من الاستدلال بظاهره المتقدم ، ولو سلم تساوي الاحتمالين فالمرجح لأحدهما من الإجماعات السابقة وغيرها موجود.

ويشهد لهما ما عن الهداية عن الصادق عليه‌السلام (١) « لأن نسيت الغسل أو فاتك لعلة فاغتسل بعد العصر أو يوم السبت » والمحكي عن فقه الرضا عليه‌السلام (٢) « وان نسيت الغسل ثم ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل » من حيث ظهور الفوات والنسيان في مضي الوقت ، وما دل (٣) على أصل مشروعيته من أن الأنصار كانوا يعملون بالنواضح ، فإذا جاؤوا يوم الجمعة تتأذى الناس بأرواح إباطهم وأجسادهم ، فأمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالغسل ، فجرت السنة ، وكذا الأخبار الدالة على إعادة الغسل والصلاة ان كان في وقت إذا نسي الغسل يوم الجمعة حتى صلى ، كخبر الساباطي (٤) « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى ، قال : ان كان في وقت فعليه أن يغتسل فيعيد الصلاة ، وان مضى الوقت جازت صلاته ».

وقد ينقدح من هذا وغيره ان لم يتحقق إجماع على خلافه ان غسل الجمعة له تعلق في الوقت وفي الصلاة ، وان كان لو حصل الأول في وقته أغنى عن الثاني ، وحصلت به الفضيلة بالنسبة للصلاة ، وأما مع عدمه فيستمر الى فعل الصلاة وان كان بعد الزوال ، ولعله من ذلك وأشباهه ذكر الشيخ استمراره الى فعل الصلاة فتأمل جيدا ، هذا

__________________

(١) الهداية ص ٢٣ المطبوعة بطهران سنة ١٣٧٧.

(٢) المستدرك ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١٥.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٨ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

١١

وفي المروي عن الحميري في قرب الإسناد في الصحيح عن الرضا عليه‌السلام (١) « انه كان أبي يغتسل للجمعة عند الرواح » فالمراد بالرواح فيه على الظاهر معناه المعهود وهو المضي إلى الصلاة دون الرواح بمعنى العشي ، أو ما بين الزوال إلى الليل ، كما يشهد لذلك قوله (ع) : « كان » الدال على الاستمرار ، إذ من المعلوم ان الغسل في هذا الوقت ليس من الأمر الراجح حتى يداوم عليه ، ولعل هذا الخبر هو مستند ما ذكره الصدوق في الفقيه ، حيث قال بعد ان ذكر انه يجوز الغسل من وقت طلوع الفجر الى قرب الزوال : « وان الأفضل ما قرب اليه ، ويجزى الغسل للجمعة كما يكون للرواح » وكان قوله : « ويجزى » لبيان انه لا يشترط في حصول وظيفة الغسل ان يكون عند الرواح إلى صلاة الجمعة كما نقل عن بعض العامة ، بل كما يكون للرواح إلى الصلاة يكون لسنة الوقت وظيفة اليوم وان لم يتعقبه الرواح كذا قيل ، قلت : ولعل حملها على ما ذكرناه سابقا من تعلق الغسل بالوقت والصلاة ، وانه يجزى الثاني عن الأول عند الصدوق وان كان بعد الزوال أولى فتأمل. وكيف كان فمن الغريب ما اتفق لبعض الأعاظم من ضبط لفظ الرواح بالزاء المعجمة والجيم وذكر في توجيهه ما يقضي منه العجب ، ولقد أطنب فيه في الحدائق ، والأمر سهل.

وقد ظهر لك من ذلك كله مستند كل من الاحتمالات أو الأقوال المتقدمة ، والذي يسهل الخطب في ذلك عدم إيجاب التعرض في النية للأداء والقضاء ، ومن هنا ذكر بعض متأخري المتأخرين أنه ينبغي الاقتصار على نية القربة في الغسل بعد الزوال ، كما ظهر لك أيضا تمام حجة المختار ، وقد يستند له أيضا زيادة على ذلك بصحيح زرارة عن الباقر عليه‌السلام (٢) « لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة ، وشم الطيب ، ولبس

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٣.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٤٧ ـ من أبواب صلاة الجمعة ـ الحديث ٣.

١٢

صالح ثيابك ، وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال ، فإذا زالت فقم وعليك السكينة والوقار » الحديث. بناء على أن المراد بما قبل فيه القبلية المطلقة المتناول لما بين الطلوع والزوال ، لكن قد يقال : إن ذلك خلاف الظاهر ، لكون المنساق منها إرادة القريب من الزوال لا مطلق القبلية ، ولا ريب في أن الأمر بهذا الفرد بعينه للاستحباب فلا يمنع من التأخير كما لا يمنع من التعجيل ، اللهم إلا أن يقال ظاهره المنع منهما كما في سائر الأوامر التي تساق للشرائط ، وقيام الدليل بالنسبة للثاني لا ينافي بقاء الاحتجاج به على الأول ، فتأمل جيدا.

وكل ما قرب الغسل من الزوال في الجمعة كان أفضل كما نص عليه والد الصدوق في رسالته والشيخان وأكثر الأصحاب ، بل الظاهر دخوله في معقد إجماع الخلاف والتذكرة سيما الثاني ، ولعل ذلك ـ مع وجود عين العبارة في فقه الرضا عليه‌السلام (١) وإن الغرض منه الطهارة والنظافة عند الزوال ، فكل ما قرب منه كان أفضل والتسامح ـ كاف في إثباته ، وإلا فلم نقف على ما يدل عليه ، وقول الباقر عليه‌السلام في صحيح زرارة المتقدم آنفا « وليكن فراغك قبل الزوال » لا دلالة فيه على الكلية المذكورة ، كالصحيح السابق عن الرضا (ع) « كان أبي يغتسل عند الرواح » نعم يستفاد من الأول بل وكذا الثاني أن أفضل أوقاته القريب إلى الزوال كما عبر بنحو ذلك في الفقيه والذكرى وعن غيرهما. وهو وإن كان لازما للكلية السابقة أيضا لكن لا حكم فيه باستحباب القريب فالقريب ، واحتمال إرجاع ما في الفقيه والذكرى إلى الأصحاب بعيد لا داعي اليه ، مع معارضته باحتمال العكس ، وعلى كل حال فلا ريب في ثبوت الأفضلية للقريب من الزوال عند الجميع ، لكن قد ينافي ذلك ما دل

__________________

(١) المستدرك ـ الباب ـ ٧ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

١٣

من الأخبار الكثيرة (١) على استحباب التبكير للمسجد في يوم الجمعة ، بناء على اعتبار تقديم الغسل في حصول وظيفة التبكير كما يفيده بعض الأخبار (٢) بل كاد يكون صريح المرسل عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) المنقول عن رسالة الشهيد الثاني في أعمال الجمعة « من اغتسل يوم الجمعة ثم بكر وابتكر ومشى » إلى آخره. وعن أبي الصلاح التصريح به ، فلا جهة للجمع حينئذ بينهما بالتكبير وتأخير الغسل لقرب الزوال ، مع عدم تيسره غالبا ، وما فيه من التخطي لرقاب الناس ، والتفرقة بينهم ، ومن حكمة التبكير التجنب عنهما ، كالجمع بالغسل للتكبير ثم تكريره قرب الزوال ، لعدم الدليل على مشروعية ذلك.

نعم قد يجمع بينهما بتنزيل الأول على من لم يتيسر له التبكير كما هو الغالب ، والثاني على من تيسر له ، مع ما فيه من أن ذلك تحكيم لأدلة التبكير على إطلاق المعظم استحباب التأخير من غير استثناء ، ونمنع ندرة تيسر التبكير ، نعم لا يفعل لا أنه لا يتيسر ، وليس ذلك أولى من العكس بأن يخص استحباب البكور بعد الغسل بما إذا لم يتمكن منه في آخر الوقت ، وقد يقال : إنه لا تنافي بين استحباب نفس التبكير وتأخير الغسل بحيث يحتاج إلى الجمع ، بل ذلك من باب تعارض المستحبات على المكلف فيتخير أو يرجح ، وإلا فالغسل للتبكير باق على مرجوحيته بالنسبة إلى آخر الوقت ، وإن رجح التبكير على غيره من أنواع المجيء ، ولا غضاضة في مشروعية مثل ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والأوقات ، ولعل كثيرا من المستحبات من هذا القبيل ، فتأمل. وعن المفاتيح أنه خص استحباب تقديم الغسل بمريد البكور ، وفيه مع بعض ما ذكرنا أن الإرادة لا تقتضي الترجيح ، والله أعلم.

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٢٧ ـ من أبواب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة.

(٢) المستدرك ـ الباب ٢١ ـ من أبواب صلاة الجمعة ـ الحديث ٨ ـ ٧ من كتاب الصلاة.

(٣) المستدرك ـ الباب ٢١ ـ من أبواب صلاة الجمعة ـ الحديث ٨ ـ ٧ من كتاب الصلاة.

١٤

ويجوز تعجيله يوم الخميس لمن خاف إعواز الماء على المشهور بين الأصحاب ، بل لا أعرف فيه خلافا كما اعترف به في الحدائق ، بل في كشف اللثام نسبته إلى الأصحاب ، وفي المصابيح إلى الصدوق والشيخ وابن البراج وابن إدريس وابن سعيد والفاضلين والشهيدين وعامة المتأخرين ، قلت : والأصل فيه ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح (١) عن الحسين أو الحسن بن موسى بن جعفر عليهما‌السلام عن أمه وأم أحمد بن موسى قالتا : « كنا مع أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما‌السلام في البادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس : اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة ، فإن الماء بها غدا قليل ، قالتا :فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة » وما رواه الشيخ في الصحيح (٢) عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال لأصحابه : « إنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء ، فاغتسلوا اليوم لغد ، فاغتسلنا ليوم الجمعة » وما في السند مندفع بالانجبار بما عرفت مع التسامح ، ويؤيده مع ذلك ما في الفقه الرضوي (٣) « وإن كنت مسافرا وتخوفت عدم الماء يوم الجمعة فاغتسل يوم الخميس ».

ثم ان ظاهر المصنف والقواعد كالمحكي عن ظاهر جماعة من الأصحاب الاقتصار في هذا الحكم على خصوص الإعواز وقوفا على مورد النص ، وربما مال إليه جماعة من متأخري المتأخرين ، وقد يقوى إرادة المثال فيهما ، فيكتفى بمطلق الفوات كما يقتضيه تعليق الحكم عليه في كشف اللثام وعن النهاية والمبسوط والسرائر والتذكرة والدروس والبيان والنفلية والمعالم والروض والمسالك تنقيحا لمناط الحكم مع التسامح ، بل في الأخير ما يشعر بالقطع بإرادة المثال ، وانه انما خص المصنف لورود النص به في أصل المشروعية واختاره في المصابيح ، قال : « ويؤيده عدم الاختصاص بالسفر كما هو المشهور مع

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٩ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٢.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٩ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

(٣) المستدرك ـ الباب ـ ٥ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

١٥

بعد الإعواز في الحضر » انتهى.

ولعل الأقوى الاكتفاء كما أن الأقوى الاجتزاء بمجرد الخوف للإعواز على ما هو ظاهر المصنف وغيره ، بل قيل إنه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا ، لظاهر الخبر الأول المنجبر دلالة بما عرفت مع التسامح. والمؤيد بصريح الرضوي ، وبتعذر العلم به سابقا غالبا ، وبنظائره من الأبدال الاضطرارية والرخص ، ولا ينافي ذلك ما في الخبر الثاني ، كما أن ما في الخلاف « لم يجز التقديم إلا إذا كان آيسا » لا يريد به الحصر بالنسبة إلى ما نحن فيه ، وإلا كان ضعيفا وإن أيده الأصل ، كالمنتهى حيث علقه تارة على غلبة الظن وأخرى على خوف الإعواز ، فتأمل جيدا. ولعل المنساق من نحو المتن فضلا عمن علق الحكم على الفوات الاجتزاء في مشروعية التقديم خوف التعذر في وقت الأداء خاصة ، وهو ما قبل الزوال عندنا ، فلا عبرة بالتمكن في بقية يوم الجمعة فضلا عن السبت ، فله حينئذ التعجيل ولو علم التمكن فيهما كما عن البيان وروض الجنان التصريح به ، ونسبه بعض المحققين إلى الأكثر ، ولعله يرجع اليه ما عن الذكرى والموجز من تقديم التعجيل على القضاء عند التعارض ، والظاهر أنه المنساق من الأخبار (١) وإن كان المذكور فيها يوم الجمعة الظاهر منه الجميع ، لكن المراد منه هنا والذي ينصرف اليه انما هو الوقت المعهود المتعارف وقوع الغسل فيه ، وهو وقت الأداء منه ، ومثل هذه العبارة تقال في المقام من غير استنكار ، ولعله بهذا يرتفع استظهار الخلاف في المقام من الفقيه والنهاية والمهذب والمعتبر ولجامع والتلخيص والتحرير والمحرر والدروس من حيث ذكر اليوم فيها كالاخبار وإن كان يؤيده الأصل وغيره ، إلا أن الأقوى ما ذكرنا.

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٩ ـ من أبواب الأغسال المسنونة.

١٦

ومنه ينقدح حينئذ أفضلية التعجيل على القضاء لإطلاق الأمر به حينئذ الشامل لصورة التمكن من وقت القضاء كما ذكرناه. وعموم المسارعة ، واحتمال العكس كما في صلاة الليل بالنسبة للشاب ضعيف لا دليل عليه ، والقياس لا نقول به كالأمور الاعتبارية الخالية عن المدارك الشرعية وإن استحسنها العقل ، كاحتمال تقديم بعض صور القضاء على التعجيل ، كما لو كان بعد الزوال بلا فصل كثير للقرب من وقت الأداء ، وإمكان تعقيب الصلاة له حينئذ ، ووجود قول أو احتمال بأنه وقت الأداء ، إلى غير ذلك ، فتأمل جيدا.

والاقتصار على الخميس في العبارة وغيرها يقتضي بعدم الجواز في غيره من الأيام والليالي ، بل ولا في ليلته ، وهو كذلك لخروجه عن النصوص ، بل في المصابيح الإجماع عليه ، وأما ليلة الجمعة فعن ظاهر المعظم أنها كذلك ، ولعله لتعليق الحكم على الخميس الذي لا تدخل ليلة الجمعة فيه حتى لو قلنا بدخول الليالي في أيامها ، لكن قد يقال : إن المراد بذلك في عباراتهم التحديد لابتداء رخصة التقديم ، كما يكشف عن ذلك ما عن الموجز حيث قال : « ويعجل من أول الخميس لخائف العوز في الجمعة » وما عن الخلاف والتذكرة من الإجماع على لحوقها بالخميس ، ويؤيده مع ذلك ما قيل من الأولوية للقرب من الجمعة ، والاستصحاب الذي لا يعارضه ما دل على عدم الاجتزاء بالغسل المقدم على طلوع الفجر ، لحمله على المختار دون المضطر تقديما للخاص على العام ، كما يقدم استصحاب النجاسة أو الحرمة على عمومات الطهارة والحل.

قلت : وفي الجميع نظر ، إذا الاحتمال في عباراتهم لا يدفع الظهور ، كما أن ظاهر معقدي إجماع الخلاف والتذكرة على غير ذلك ، لا أقل من تساوي الاحتمالين ، فلاحظ. والأولوية ممنوعة ، إذ لعل للتماثل أو غيره مدخلية ، والاستصحاب يشكل التمسك به في مثل المقام مما علق الحكم به على زمان مخصوص ، بل ينبغي القطع بالعدم بناء على ثبوت

١٧

المفهوم فيه ، نعم قد يستدل عليه بالتعليل المصرح به في أحدهما والمفهوم في الآخر ، وهو الإعواز ، وعدم جريانه في السابق على الخميس للدليل لا يمنع من التمسك به في اللاحق ، سيما مع ظهور الفرق بينهما ، فلعل الأقوى حينئذ الإلحاق وفاقا لجماعة.

كما أن الأقوى أيضا أنه إذا تمكن من الماء قبل الزوال أعاد الغسل وفاقا للمنتهى والقواعد والذكرى والمدارك وكشف اللثام وعن الفقيه والتذكرة والتحرير ونهاية الأحكام والمعالم والموجز والذخيرة والبحار وشرح الدروس ، لسقوط حكم البدل بالتمكن من المبدل منه ، وإطلاق الأدلة الدالة على استحباب غسل الجمعة.

وقد يناقش في الأول بأن البدل وقع صحيحا لوجود شرطه خوف الإعواز ، فلا يبطل بالتمكن من الأصل ، إذ الأمر ولو ندبا يقتضي الإجزاء بالنسبة اليه ، والتكليف بالغسل ثانيا مع صحة البدل جمع بين البدل والمبدل ، ومناف لاقتضائه الاجزاء ، وفي الثاني بأن أوامر غسل الجمعة لا تقتضي إلا غسلا واحدا وقد حصل بالمتقدم ، فإنه غسل جمعة قدم يوم الخميس ، بل ربما ظهر من بعضهم أنه وقت للاضطراري منه ، فيكون أداء ، وربما يشهد له حصر القسمة عندهم في القضاء والأداء ، على أنه لو أعيد مثل هذا الغسل لأعيدت نظائره من صلاة الليل المقدمة ، والوقوف بالمشعر مع القدرة ، ولم ينقل عنهم القول به ، بل قيل وقد روي تقديم الأغسال الليلية في شهر رمضان على الغروب ، ولا مجال للقول بالإعادة في مثله.

وقد يدفع الأول بأن الذي يقتضيه التدبر في الخبرين الدالين على جواز التقديم في مثل المقام وما اشتملا عليه من التعليل وما دل على غسل الجمعة وغير ذلك هو اشتراط صحة الغسل المقدم بمطابقة خوف الإعواز أو القطع به للواقع ، وإلا فلا ، لظهور أن ذلك من الأعذار والطرق لحصول الواقع ، لا أنها مناط تكليف ، ولذلك لم يعلق في الخبرين الحكم على الخوف ونحوه ، ولا ينافي هذا ما تقدم لنا من الاكتفاء بالخوف ،

١٨

لأن المراد الاكتفاء في جواز إيقاعه ابتداء وإن اشترط صحته بشيء آخر ، ومن التأمل فيما ذكرنا يعرف الجواب عن الثاني كما هو واضح جدا ، هذا كله مع التمكن في وقت الأداء وأما القضاء فلا يعاد في السبت قطعا ، وكذا في غيره بناء على المختار سابقا ، بل وعلى أحد الوجهين في غيره ، لأن كلا منهما بدل عن الأداء ، فلا جهة للإعادة ، فتأمل جيدا.

وكذا يجوز قضاؤه يوم الجمعة بعد الزوال ويوم السبت أيضا بلا خلاف أجده فيه في أصل القضاء ، بل حكى الإجماع مكررا في المصابيح نصا عليه وظاهرا في غيره ، ومع ذلك فالأخبار (١) به مستفيضة ، فما في موثق ذريح عن الصادق عليه‌السلام (٢) « في الرجل هل يقضي غسل الجمعة؟ قال : لا » مطرح أو محمول على إرادة ما بعد السبت خصوصا إذا أشير بالرجل إلى معهود أو نفي الوجوب أو نفي ثبوت القضاء من غير تحديد ، أو على التقية ، فإن إثبات القضاء لهذا الغسل مما اختص به أصحابنا الإمامية كما في المصابيح ، ولا أجد فيه خلافا أيضا بالنسبة للوقتين المذكورين. وإن كان ربما استظهر من عبارة المتن كالتلخيص والنفلية الاختصاص بالثاني ، بل قيل انه كاد يكون صريح المهذب ، وكأنه لبعض ما سمعته من الأخبار (٣) المقتصرة على ذلك ، إلا أن الأجود حملها علىمن فاته الغسل يوم الجمعة قضاء وأداء جمعا بينها وبين غيرها ، بل وكذا أكثر هذه العبارات سيما مع النص منهم على ثبوت القضاء في الوقتين كما عن المصنف في المعتبر والشهيد في غير النفلية والعلامة في غير التلخيص ، أو يراد بذلك في كلامهم تحديد الآخر ، وعلى كل حال يرتفع الخلاف ، وكذا ظاهر الصدوقين الاختصاص بالنسبة إلى يوم الجمعة بما بعد العصر ، ولعله للمرسل في الهداية عن الصادق عليه‌السلام (٤) « إن نسيت الغسل أو فاتك لعلة فاغتسل بعد‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٥.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة.

(٤) الهداية ص ٢٣ المطبوعة بطهران سنة ١٣٧٧.

١٩

العصر أو يوم السبت » وما في فقه الرضا عليه‌السلام (١) « وإن نسيت الغسل ثم ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل » وكذا خبر سماعة (٢) « في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أول النهار ، قال : يقتضيه في آخر النهار ، فان لم يجد فليقضه يوم السبت ».

لكن الظاهر كما يرشد اليه عدم معروفية نسبة الخلاف إليهما في ذلك عدم إرادة التخصيص والتقييد في عبارتيهما ، بل ومستندهما حتى يحكم به على إطلاق موثقة ابن بكير (٣) « في رجل فاته الغسل يوم الجمعة قال : يغتسل ما بينه وبين الليل ، فان فاته اغتسل يوم السبت » بل وإطلاق غيره مما دل (٤) على طلب الغسل في يوم الجمعة بناء على إرادة القضاء والأداء منه ، إذ لا داعي إلى ارتكاب إرادة الثاني مع التأييد بأولوية القضاء في سابق العصر عليه ، وكون الحكم استحبابيا مع الموافقة لإطلاق الفتوى ، فلا جهة للإشكال في ذلك من ذلك ، نعم قد يحصل في جواز القضاء في غيرهما من ليلة السبت خاصة ، وإلا فغيرها من الليالي والأيام فلم أعرف أحدا نص على شيء منها ، بل ظاهر الجميع كالأدلة العدم ، إلا ما في الفقه الرضوي (٥) « فإن فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت أو بعده من أيام الجمعة » وفي البحار اني لم أر به قائلا ولا رواية.

قلت : فالأولى عدم العمل لظهور الاعراض عنه ، وأما ليلة السبت فظاهر بعضهم أنها كيومه في الاستحباب ، بل في البحار نسبته إلى ظاهر الأكثر ، وفي المجمع إلى الأصحاب كما عن الشيخ وبني إدريس وسعيد والبراج والعلامة في بعض كتبه

__________________

(١) المستدرك ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٣.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١٠ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ٤.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة.

(٥) المستدرك ـ الباب ـ ٦ ـ من أبواب الأغسال المسنونة ـ الحديث ١.

٢٠