🚘

دروس في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر

دروس في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد محمّد باقر الصدر


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٨٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد ، وعلى آله الانجبين الميامين سيما خاتم الاوصياء المنتظر الامام الثانى عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

لا يخفى على ذوى البصائر أن انفتاح باب الاجتهاد فى الفقه أعطى فرصة طيبة لنمو حركة الاجتهاد ونمو العلوم المرتبطة بهذه الحركة ، وعلى رأسها علم اصول الفقه فى الحوزات العلمية الامامية.

وهيأ الله تعالى لهذا العلم فى العصور الاخيرة أبطالا من فحول العلماء عمقوا أبحاث هذا العلم وأحكموا قواعده ووضعوا اصوله على اسس متينة وقوية ، واكتشفوا آفاقا جديدة من هذا العلم ، وذلك أمثال الوحيد البهبهانى وشريف العلماء والشيخ مرتضى الانصارى والمحقق الخراسانى صاحب الكفاية قدس الله أسرارهم ومن بعد اولئك المحققون الثلاث الشيخ محمد حسين الاصفهانى والميرزا النائينى والشيخ ضياءالدين العراقى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وفى عصر العلمين الاخيرين بلغ علم الاصول ذروته وكانا بحق مدرستين فى الفكر الاصولى المعاصر تخرج عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة الكثير من علمائنا المعاصرين ، ولذلك نرى تطور هذا العلم فى السنوات الاخيرة بشكل اختلف كمية وكيفية عما كان عليه فى الازمنة السالفة وظهرت بعض المصطلحات التى لم تكن فى تلك الاعصار ، كاد يصعب فهمها على كثير من بغاة هذا

٣

العلم وطالبيه.

ولاجل هذا قام سيدنا الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر أعلى الله مقامه لحل هذه العويصة بمحاولة رائعة بتأليفه القيم وهى الحلقات الثلاث فى علم الاصول ، حيث حافظ فيها على علمية المطالب الاصولية وظرافتها ودقتها وتسلسلها وطرحها باسلوب أنيق يسهل فهمها على المبتدئين فى هذا العلم ، والتوصل الى مباحثها الغامضة من دون مواجهة مشكلة وصعوبة فى دركها ٠ وفى الحقيقة أوجد رحمه الله الحلقة المفقودة التى لابد منها لربط مباحث علم الاصول بعضها مع بعض بحيث تتناسب وتتلاءم مع النهج الدراسى ، فانها وفى يومنا هذا تدرس فى كثير من المجالات الحوزوية. ولاجل الاستفادة أكثر فأكثر من هذا المجهود المقدس الذى بذله السيد الشهيد رضوان الله تعالى عليه قامت المؤسسة بطبع ونشر الحلقة الاولى والثانية من الدروس بصورة مصححة وممتازة وهو الجزء الاول الذى بين يديك عزيزنا القارىء الكريم ـ وسيتبعه إن شاء الله الجزء الثانى منه والذى يشمل الحلقة الثالثة بقسميها ، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الله مؤلفها الشهيد برحمته ويوفقنا لاحياء التراث الاسلامى وبثه خدمة لرواد العلم والفضيلة إنه سميع مجيب.

مؤسسة النشر الاسلامى

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

٤

نبذة مختصرة عن حياة الشهيد قدس‌سره

بسم الله الرحمن الرحيم

الاسرة الكريمة العريقة :

اسرة الشهيد الصدر معروفة بالفضل والتقى والعلم والعمل ومكارم الاخلاق. وقد كانت مشعلا للهداية والنور ، ومركزا للزعامة والمرجعية الدينية ، ومدارا للافادة والافاضة فى مختلف الاجيال. وقد انحدرت من شجرة الرسالة والسلالة العلوية من أهل بيت أراد الله ليذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا.

وها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيبة التى أنجبت أخيرا قائدا فذا ومرجعا عبقريا ، ألا وهو شهيدنا الغالى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه.

١ ـ السيد صدرالدين :

السيد صدرالدين محمد ابن السيد صالح ابن السيد محمد ابن السيد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين ابن السيد نورالدين الموسوى العاملى.

هو فخر من مفاخر الشيعة ، وعالم فذ من كبار علماء المسلمين ، ومن نوابغ العلم والادب ، قل من يضاهيه فى الفضيلة والتقوى.

ولد فى قرية « معركة » وهى من قرى جبل عامل فى ٢١ ذى القعدة من سنة ١١٩٣ هو نشأ ونما علميا فى النجف الاشرف ، ثم هاجر إلى الكاظمية ، ومنها إلى اصفهان ، ثم عاد إلى النجف الاشرف ، وتوفى ودفن فيها.

والده : السيد صالح من أكابر العلماء ، كان مرجعا للتقليد ، وزعيم الطائفة

٥

الامامية فى بلاد الشام ، هاجر من جبل عامل إلى النجف الاشرف فرارا من الحاكم الظالم فى جبل عامل وقتئذ ( أحمد الجزار ) ، وتوفى فى سنة ١٢١٧ هجرية.

والدته : بنت الشيخ على ابن الشيخ محى الدين من أسباط الشهيد الثانى.

اهتم بتحصيل العلوم الاسلامية والمعارف الالهية فى صغر سنه ، حتى أنه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى وهو ابن سبع سنين.

وقد قال هو : إنى حضرت بحث الاستاذ الوحيد البهبهانى فى سنة ١٢٠٥ هو كنت أبلغ من العمر اثنتى عشرة سنة ، وحضرت فى نفس السنة بحث العلامة الطباطبائى والسيد بحرالعلوم.

وقد قالوا إن السيد بحر العلوم كان ينظم آنئذ ما أسماه بالدرة ، وكان يعرضها على السيد صدرالدين لما لا حظ فيه من كماله فى فن الشعر والادب.

بلغ السيد صدرالدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سن التكليف ، وقد أجازه بالاجتهاد صاحب الرياض رحمه‌الله فى سنة ١٢١٠ هـ ، وصرح بأنه كان مجتهدا قبل أربع سنين. وهذا يعنى أنه قد بلغ الاجتهاد فى السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف. وهذا ما لم يسمع نظيره إلا بشأن العلامة الحلى والفاضل الهندى.

٢ ـ السيد إسماعيل الصدر :

رئيس الامة وزعيم الملة ، مربى الفقهاء وصدر العلماء ، استاذ المجتهدين والمحققين ، نائب الامام سيد الانام ، حامى الشريعة وفخر الشيعة ، حسنة دهره وجوهرة عصره ، الامام الزاهد الورع التقى ، آية الله العظمى والحجة الكبرى السيد إسماعيل الصدر الاصفهانى قدس‌سره.

سيد جليل ، وعالم كامل ، وخبير ماهر ، فقيه اصولى ، محقق عبقرى ، واحد زمانه فى الزهد ، ونادرة دهره فى التقوى. كان أحد مراجع الشيعة فى التقليد.

ولد فى اصفهان فى سنة ١٢٥٨ هـ.

والده السيد صدرالدين العاملى الاصفهانى.

حينما توفى والده فى سنة ١٢٦٤ هتربى فى كنف أخيه السيد محمد على

٦

المعروف بـ « آقا مجتهد » وكان متمتعا بالذكاء الخارق حتى عد فى أوائل بلوغه سن التكليف من الفضلاء والعلماء.

هاجر فى سنة ١٢٨٠ همن اصفهان إلى النجف الاشرف لغرض التتلمذ على يد الشيخ الانصارى رحمه‌الله ، ولكن حينما وصل إلى كربلاء توفى الشيخ قدس‌سره فلم ينثن السيد رحمه‌الله عن عزمه للهجرة إلى النجف الاشرف ، فسافر اليها فتتلمذ على يد الفقهاء والعلماء آنئذ ، كما واشتغل بالتدريس وتربية الطلاب أيضا.

وهو من خواص تلاميذ وأصحاب المجدد الشيرازى قدس‌سره.

ثم هاجر استاذه المجدد الشيرازى إلى سامراء وبقى السيد الصدر يمارس نشاطه العلمى فى النجف الاشرف.

وانتقلت المرجعية والزعامة للشيعة من بعد المجدد الشيرازى إلى السيد الصدر.

توفى رضوان الله عليه بتاريخ ١٢ جمادى الاولى ١٣٣٨ هـ ، ودفن بجوار جده موسى بن جعفر عليه‌السلام فى مقبرة عائلية لال الصدر.

أولاده :

خلف من بعده أولادا أربعة كانوا جميعا آية فى العلم ومحاسن الاخلاق والتقوى وهم :

١ حجة الاسلام والمسلمين آية الله السيد محمد مهدى الصدر.

٢ حجة الاسلام والمسلمين آية الله السيد صدرالدين الصدر.

٣ حجة الاسلام والمسلمين وعماد الاعلام السيد محمد جواد الصدر.

٤ حجة الاسلام والمسلمين آية الله السيد حيدر الصدر.

٣ ـ السيد حيدر الصدر :

سيد جليل القدر ، عظيم المنزلة ، حامل لواء التحقيق ، نابغة دهره ، ونادرة عصره ، عابد ، زاهد ، عالم ، عامل.

هاجر بصحبة والده الى كربلاء فى سنة ١٣١٤ هو درس المقدمات والعلوم العربية على يد عدة من الفضلاء ، ثم درس بحث الخارج على يد أبيه السيد

٧

اسماعيل الصدر وعلى يد السيد حسين الفشاركى والمرحوم آية الله الحائرى اليزدى فى كربلاء ، وأصبح فى عنفوان شبابه من العلماء المرموقين المشار اليهم بالبنان.

توفى رحمه‌الله فى الكاظمية فى ليلة الخميس ٢٧ جمادى الثانية ١٣٥٦ هـ ، ودفن فى مقبرة آل الصدر.

أولاده :

خلف السيد حيدر الصدر رحمه‌الله من بعده ابنين وبنتا ، يعتبر كل واحد منهم جوهرة ثمينة يقل نظيرها فى العلم والتقى ، وهم :

١ حجة الاسلام والمسلمين السيد اسماعيل الصدر رحمه‌الله ولد فى الكاظمية فى شهر رمضان المبارك فى سنة ١٣٤٠ هـ ، درس المقدمات والسطح العالى على يد علماء الكاظمية ، وهاجر الى النجف بتاريخ ١٣٦٥ هـ ، فأجازه فى الاجتهاد استاذه آية الله الشيرازى.

ثم عاد بطلب عدد من المؤمنين فى الكاظمية الى بلده واشتغل بالتدريس وترويج الدين ، وكان آية من الاخلاص والدفاع عن حقوق المظلومين وفخرا للشيعة.

ألف كتبا فى الفقه والاصول والتفسير والرجال لم يطبع منها عدا مجلد واحد فى التعليق على التشريع الجنائى الاسلامى ، كما طبعت له محاضرات فى التفسير الجزء الاول.

توفى فى ذى الحجة من سنة ١٣٨٨ هـ ، ودفن فى النجف الاشرف فى مقبرة المرحوم آية الله السيد عبدالحسين شرف الدين.

٢ آية الله العظمى مفجر الثورة الاسلامية فى العراق الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس‌سره.

٣ العلوية الفاضلة آمنة المعروفة بـ « بنت الهدى » ، كانت رحمها الله تعالى سيدة جليلة ، عالمة فاضلة ، عارفة عابدة ، مهذبة تقية. ولدت فى الكاظمية فى سنة ١٣٥٦ هـ ، ونمت فى كنف العلم والتقى والفضيلة. درست علوم العربية ومبادى علم

٨

الكلام والفقه والاصول على يد أخيها الشهيد إلى أن أصبحت من مفاخر الكاتبات الاسلامبات.

وقد اعتقلها حزب البعث الغاشم العميل بعيد آخر اعتقال لاخيها الشهيد ، واغتالوها بأيد خبيثة خائنة.

والدة الشهيد الصدر :

أما والدته المحترمة فهى السيدة العابدة الصالحة التقية الزاهدة بنت المرحوم آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين ، وكان أبوها وإخوتها جميعا من الايات العظام ومن أكابر العلماء الاعلام رضوان الله عليهم أجمعين.

آية الله العظمى الشهيد الصدر

هو العلم العلامة ، مفخرة عصره واعجوبة دهره حامى بيضة الدين وما حى آثار المفسدين ، فقيه اصولى وفيلسوف إسلامى ، كان مرجعا من مراجع المسلمين فى النجف الاشرف ، فجر الثورة الاسلامية فى العراق وقادها حتى استشهد.

ولد فى ٢٥ ذى العقدة ١٣٥٣ هفى الكاظمية ، وتربى من بعد وفاة والده فى كنف والدته وأخيه السيد إسماعيل الصدر.

كانت تبدو عليه من أوائل الصبا علائم النبوغ وآثار الذكاء.

قرأ رحمه الله فى الحادية عشرة من عمره المنطق وكتب رسالة فى المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقية.

وقد قرأ أكثر الابحاث المسماة بالسطح العالى بلا استاذ.

وفى أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الاصول على يد أخيه المرحوم السيد إسماعيل فى الكاظمية وكان من شدة ذكائه يعترض على صاحب المعالم بايرادات وردت فى الكفاية.

ثم هاجر السيد الشهيد فى سنة ١٣٦٥ همن الكاظمية إلى النجف الاشرف وتتلمذ على يدى علمين من أعلامها وهما :

٩

١ ـ آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين رضوان الله عليه.

٢ ـ آية الله العظمى السيد أبوالقاسم الخوئى مد ظله.

قال أخوه المرحوم السيد إسماعيل الصدر رحمه‌الله : سيدنا الاخ بلغ ما بلغ فى أوان بلوغه.

وقد حضر شهيدنا الغالى من سنة ١٣٦٥ هدرس استاذه آية الله العظمى الخوئى فقها واصولا ، وأنهى تحصيلاته الاصولية فى سنة ١٣٧٨ هو الفقهية فى سنة ١٣٧٩ هـ.

وكانت مدة تحصيلاته العلمية من البداية إلى النهاية حوالى سبع عشرة سنة أو ثمانى عشرة سنة. ولكن هذه المدة رغم قصرها زمنا كانت فى واقعها مدة واسعة ، حيث إن شهيدنا الصدر كان يستثمر من كل يوم ١٦ ساعة لتحصيل العلم ، فمن حين استيقاظه من النوم فى اليوم السابق إلى ساعة النوم فى اليوم اللاحق كان يلاحق المطالعة والتفكير عند قيامه وقعوده ومشيه.

بدأ شهيدنا الصدر بتدريس خارج الاصول فى سنة ١٣٧٨ هفى يوم الثلاثاء ١٢ جمادى الثانية وأنهى الدورة الاولى فى يوم الثلاثاء ١٢ ربيع الثانى ١٣٩١ هـ وكانت آخر كلماته فى البحث مايلى :

« وبهذا انتهى الكلام فى هذا التنبيه ، وبه انتهى الكلام فى مبحث التعادل والتراجيح ، وبه انتهت هذه الدورة من علم الاصول ».

وبدأ الشهيد بتدريس خارج الفقه على نهج العروة الوثقى فى سنة ١٣٨١ هـ.

المقام العلمى الشامخ لسيدنا الشهيد :

تتميز الابحاث العلمية لسيدنا الشهيد بالدقة الفائقة والعمق الذى يقل نظيره من ناحية ، وبالسعة والشمول لكل جوانب المسألة المبحوث عنها من ناحية اخرى. إضافة إلى كل هذا نرى من مميزات سيدنا العلمية أن أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلما فى النجف الاشرف حينئذ من الفقه والاصول ، بل شملت سائر المرافق الفكرية كالفلسفة الاسلامية والاقتصاد والمنطق والاخلاق والتفسير والتاريخ ، وفى كل مجال من هذه المجالات نرى بحثه مشتملا على العمق والشمول.

١٠

ففى علم الاصول نستطيع أن نعتبر المرحلة التى وصل إليها مستوى البحث الاصولى على يد السيد الشهيد عصرا رابعا من أعصر العلم وتطوراته التى مربها علم الاصول على حد مصطلحاته فى كتاب « المعالم الجديدة للاصول » حيث قسم رضوان الله عليه الاعصر التى مربها علم الاصول من المراحل التى بلغ التمايز النوعى فيما بينها إلى ما ينبغى جعله حدا فاصلا بين عصرين.

وفى علم الفقه ترى إبداعاته رضوان الله عليه لا تقل عن إبداعاته فى علم الاصول ، وقد طبع من أبحاثه الفقهية أربعة مجلدات باسم « بحوث فى شرح العروة الوثقى » فيها من التحقيقات الرشيقة ، وهكذا فى بقية العلوم كالفلسفة والمنطق والاقتصاد والاخلاق ، فكان بارعا مدققا فى كثير من جوانبها.

مؤلفاته :

١ ـ فدك فى التاريخ ، طبع فى سنة ١٣٧٤ هـ.

٢ ـ غاية الفكر فى علم الاصول ، طبع منها جزء واحد فى سنة ١٣٧٤ هـ. وقد ذكر السيد الشهيد رحمه‌الله فى أول هذا الجزء أنه شرع فى تأليف هذا الكتاب قبل ثلاث سنين تقريبا.

٣ ـ فلسفتنا ، طبع فى سنة ١٣٧٩ هـ.

٤ ـ اقتصادنا ، طبع فى سنة ١٣٨١ هفى مجلدين.

٥ ـ المعالم الجديدة للاصول ، طبعت فى سنة ١٣٨٥ هلكلية اصول الدين.

٦ ـ الاسس المنطقية للاستقراء ، طبعت بتاريخ ١٣٩١ هـ.

٧ ـ البنك اللاربوى فى الاسلام ، طبع قبل الاسس المنطقية للاستقراء.

٨ ـ المدرسة الاسلامية ، ألف منها جزءين :

أ ـ الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية.

ب ـ ماذا تعرف عن الاقتصاد الاسلامى؟

٩ ـ بحوث فى شرح العروة الوثقى ، ألف منها أربعة أجزاء ، وكان تاريخ الطبعة

١١

الاولى لاول جزء منها سنة ١٣٩١ هـ.

١٠ ـ دروس فى علم الاصول ، فى ثلاث حلقات ، وهذه التى بين يديك عزيزنا الطالب هى الحلقة الاولى والثانية ، والحلقة الثالثة منها فى مجلدين طبعت فى سنة ١٣٩٧ هـ.

١١ ـ بحث حول المهدى.

١٢ ـ بحث حول الولاية.

١٣ ـ الاسلام يقود الحياة ، ألف منه ست حلقات فى سنة ١٣٩٩ هبمناسبة نجاح الثورة الاسلامية فى إيران :

أ ـ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية فى إيران.

ب ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامى.

ج ـ خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الاسلامى.

د ـ خلافة الانسان وشهادة الانبياء.

هـ ـ منابع القدرة فى الدولة الاسلامية.

و ـ الاسس العامة للبنك فى المجتمع الاسلامى.

١٤ ـ بحث فى المرجعية الصالحة والمرجعية الموضوعية.

١٥ ـ الفتاوى الواضحة ، رسالة عملية ألف منها جزء واحدا ، ثم أضاف إليها فى الطبعة الثانية مقدمة بعنوان « موجز فى اصول الدين » بحث فيها بحثا مختصرا رائعا عن المرسل ، والرسول ، والرسالة ، كما يوجد فى آخر الكتاب بحث بديع وممتع بعنوان نظرة عامة فى العبادات.

١٦ ـ تعليقة على رسالة عملية لاية الله العظمى الامام الحكيم ، وهى الرسالة المسماة بـ « منهاج الصالحين ».

١٧ ـ تعليقة على صلاة الجمعة من الشرائع ، ما زالت غير مطبوعة.

١٨ ـ تعليقة على الرسالة العملية للمرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة بـ « بلغة الراغبين » علق رحمه الله عليها فى وقت كان عمره الشريف حوالى سبع عشرة سنة ، وما زالت التعليقة غير مطبوعة.

١٢

١٩ ـ تعليقة على مناسك الحج لاستاذه آية الله العظمى السيد الخوئى ، وهى غير مطبوعة ، كتبها رحمه الله عندما أراد التشرف إلى الحج.

٢٠ ـ موجز أحكام الحج وهو رسالة عملية فى الحج.

وأخير فان سيدنا الشهيد لم يكن من اولئك المفكرين التقليديين الذين لا يفكرون إلا فى ما تعارف بحثه فى الازمنة السالفة ، بل كان عالما بزمانه ، طبيبا روحيا يعالج فى كتبه أمراض المجتمع الحاضر ، مواكبا لمشاكل الامة الاسلامية وآلامها وآمالها ، يقارع الفلسفات المادية الحديثة بكتاب « فلسفتنا » ، ويثبت التلازم بين الايمان بالعلم الحديث والتجربة وبين الايمان بالله تعالى ، بماله من منطق رصين فى كتاب « الاسس المنطقية للاستقراء » ، ويعارض الاصول الاقتصادية الكافرة الحديثة مع إعطاء البديل الاسلامى فى كتاب « اقتصادنا » وفى كتيبات اقتصادية ، وحينما يستفتى من قبل بعض المؤمنين فى الكويت عن طريقة تأسيس البنك بلا ربا يؤلف فى الجواب كتابا فى البنك اللاربوى ، وحينما يتحقق انتصار الاسلام فى إيران يكتب ست حلقات لتغطية الحاجات الفكرية الاسلامية المستجدة فى إيران على أساس الانتصار ، وما إلى ذلك مما يدل على مواكبته رضوان الله عليه للحياة ولحاجات المسلمين بحكمة وحنكة فائقتين.

اعتقالاته :

اعتقل سيدنا الشهيد أعلا الله مقامه أربع مرات بسبب ظلم البعث الكافر الحاقد على الذين :

أولا : اعتقل فى سنة ١٣٩٢ هـ ، وكان ذلك فى الظن الغالب فى شهر رجب ، أو فى أواخر جمادى الثانية.

ثانيا : اعتقل فى سنة ١٣٩٧ هفى شهر صفر ، فى أعقاب انتفاضة الاربعين.

ثالثا : اعتقل فى سنة ١٣٩٩ هفى السادس عشر أو السابع عشر من رجب حسب الاختلاف الواقع فى الهلال آنذاك واطلق سراحه فى نفس اليوم.

وأخيرا : اعتقل رحمه الله فى الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر يوم السبت

١٣

١٩ ـ جمادى الاولى ١٤٠٠ هـ.

شهادته :

وقد قدرالله عز شأنه لهذا النجم أن يأفل افولا دمويا فى مطامير الظالمين وسجون الجبارين ليبقى شمسا مشرقة فى آفاق العلم والتعليم ، فكانت نتيجة المواجهة المحتدمة بينه قدس‌سره وبين السلطة الجائرة الحاكمة فى العراق دفاعا عن المذهب وإعلاء لكلمة الله ودعما لدولة الحق التى أشرق نورها من رباع إيران ، حيث قام بمبادلة الرسائل والبرقيات بينه وبين قائد الثورة الراحل الامام الخمينى قدس الله نفسه الزكية أن تهيج الذئاب الحاكمة فى العراق لتنهش لحمه المقدس ، اعتقله الاعتقال الاخير بعد احتجازه لمدة طويلة واخضاعه للمراقبة الشديدة ، ولم يدم كثيرا هذا الاعتقال ، فبعد أيام ارجعت جنازته من بغداد إلى النجف الاشرف وهى تحمل معها شعار الحزن والكابة ، فعلم الناس أنها فقدت السيد الصدر شهيدا مظلوما غريبا ، سائرا على نهج جده الحسين سيد الشهداء ليبقى عبرة فى قلوب المؤمنين ، فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا (١)

__________________

(١) هذه نبذة من حياة سيدنا الشهيد أعلى الله مقامه اقتبسناها من كتاب « مباحث الاصول » لسماحة الحجة السيد كاظم الحائرى دام ظله مع بعض التصرفات منا.

١٤

« نداء »

وقد أصدر الشهيد رضوان الله تعالى عليه قبيل اعتقاله الاخير نداء الى الشعب العراقى المسلم المظلوم حثهم فيه على العمل والجهاد لازالة هذا النظام الكافر المتعطش لسفك دماء المسلمين ، وفيمايلى النص الكامل لهذا النداء التاريخى :

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين.

يا شعبى العراقى العزيز!

يا جماهير العراق المسلمة التى غضبت لدينها وكرامتها ، ولحريتها وعزتها ، ولكل ما آمنت به من قيم ومثل!

أيها الشعب العظيم!

إنك تتعرض اليوم لمحنة هائلة ، على يد السفاكين والجزارين ، الذين هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير ، بعد أن قيدوها بسلاسل من الحديد ، ومن الرعب والارهاب ، وخيل للسفاكين أنهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزة والكرامة ، وجردوها من صلتها بعقيدتها وبدينها وبمحمدها العظيم ، لكى يحولوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من أبناء العراق الابى إلى دمى وآلات ، يحركونها كيف يشاؤون ، ويزقونها ولاء ( عفلق ) وأمثاله من عملاء التبشير والاستعمار ، بدلا عن ولاء محمد وعلى صلوات الله عليهما.

ولكن الجماهير دائما هى أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة ، وقد تصبر ولكنها لا تستسلم ، وهكذا فوجى الطغاة بأن الشعب لا يزال ينبض بالحياة ، ولا تزال لديه

١٥

القدرة على أن يقول كلمته ، وهذا هو الذى جعلهم يبادرون إلى القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الالاف من المؤمنين والشرفاء من أبناء هذا البلد الكريم ، حملات السجن والاعتقال والتعذيب والاعدام ، وفى طليعتهم العلماء المجاهدون ، الذين يبلغنى أنهم يستشهدون الواحد بعد الاخر تحت سياط التعذيب.

وإنى فى الوقت الذى ادرك فيه عمق هذه المحنة التى تمر بك يا شعبى ، يا شعب آبائى وأجدادى ، اؤمن بأن استشهاد هؤلاء العلماء ، واستشهاد خيرة شبابك الطاهرين وأبنائك الغيارى تحت سياط العفالقة لن يزيدك إلا صمودا وتصميما على المضى فى هذا الطريق حتى الشهادة أو النصر.

وأنا اعلن لكم يا أبنائى أنى صممت على الشهادة ، ولعل هذا آخر ما تسمعونه منى ، وأن أبواب الجنة قد فتحت لتستقبل قوافل الشهداء ، حتى يكتب الله لكم النصر ، وما ألذ الشهادة التى قال عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنها حسنة لا تضر معها سيئة. والشهيد بشهادته يغسل كل ذنوبه مهما بلغت.

فعلى كل مسلم فى العراق ، وعلى كل عراقى فى خارج العراق ، أن يعمل كل ما بوسعه ولو كلفه ذلك حياته من أجل إدامة الجهاد والنضال لازالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب ، وتحريره من العصابة اللا إنسانية ، وتوفير حكم صالح فذ شريف ، يقوم على أساس الاسلام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

١٠ شعبان

محمد باقر الصدر

١٦

[ مقدمة المؤلف ]

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين.

وبعد : فإنّ الدراسات العلميّة لعلم اصول الفقه تمرّ في مناهج الحوزة عادةً بمرحلتين : إحداهما تمهيديّة ، وهي ما تسمّى بمرحلة السطح. والاخرى المرحلة العالية ، وهي ما تسمّى بمرحلة الخارج. وتتّخذ هذه الدراسة في مرحلتها التمهيديّة اسلوب البحث في كتبٍ معيّنةٍ مؤلَّفةٍ في ذلك العلم ؛ يدرسها الطالب على يد الأساتذة الأكفّاء ؛ ليتهيّأ من خلال ذلك لحضور أبحاث الخارج. وقد جرى العرف العامّ في حوزاتنا جميعاً على اختيار « المعالم » و « القوانين » و « الرسائل » و « الكفاية » كتباً دراسيّةً للمرحلة المذكورة ، وهذا عرف جرت عليه مناهج الحوزة منذ أكثر من نصف قرن ، ولم يطرأ تغيير ملحوظ باستثناء تضاؤل دور كتاب « القوانين » من بين هذه الكتب الأربعة ككتابٍ دراسيٍّ بالتدريج ، وانصراف عددٍ كبيرٍ من الطلبة في الفترة الأخيرة عن دراسته ، واستبداله بكتاب « اصول الفقه » كحلقةٍ وسيطةٍ بين « المعالم » وكتابي « الرسائل » و « الكفاية ».

والحقيقة أنّ الكتب الأربعة المتقدّمة الذكر لها مقامها العلمي ، وهي ـ على العموم ـ تعتبر حسب مراحلها التأريخية كتباً تجديديةً ساهمت إلى درجةٍ كبيرةٍ في تطوير الفكر العلميّ الاصوليّ على اختلاف درجاتها في هذه المساهمة ، وقد يكون اختيار هذه الكتب الأربعة كتباً دراسيةً نتيجة عاملٍ مشترك ، وهو ما أثاره كلّ

١٧

واحدٍ منها عند صدوره من شعورٍ عميقٍ لدى العلماء بأهمّيته العلمية ، وما اشتمل عليه من أفكارٍ ونكات ، هذا ، إضافةً إلى ما تميَّزت به بعض تلك الكتب من إيجازٍ للمطالب ، وضغطٍ في العبارة ، كالكفاية مثلاً.

وقد أدّت هذه الكتب الأربعة ـ مشكورةً ـ د وراً جليلاً في هذا المضمار ، وتخرَّج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرنٍ الآلاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سُلَّمهم إلى أبحاث الخارج. ولا يسعنا في هذا المجال إلاّأن نستشعر بعمقٍ بما لأصحاب هذه الكتب الأبرار ـ قدّس الله أسرارهم الزكية ـ من فضلٍ عظيمٍ على الحوزة ومسيرتها العلمية ، ومن جميلٍ لا يمكن أن ينساه أيّ شخصٍ عاش على موائد تلك الأفكار الحافلة ونهل من نمير علومها ، ونحن ـ إذ نقول هذا ـ نبتهل إلى المولى سبحانه أن يتغمَّد مؤلّفي هذه الكتب من علمائنا الأعلام بعظيم رحمته ، ويثيبهم بأفضل ثواب المحسنين.

غير أنّ هذا لايحول دون أن نحاول تطويرا لكتب الدراسيّة وتحسينها إذا وجدت مبرِّرات تدعو إلى ذلك ، وأمكن وضع كتبٍ دراسيّةٍ أكثر قدرةً على أداء دورها العلميّ في تنمية الطالب وإعداده للمرحلة العليا.

وقد كنّا منذ زمنٍ نجد أكثر من سببٍ يدعو إلى التفكير في استبدال هذه الكتب بكتبٍ اخرى في مجال التدريس ، لها مناهج الكتب الدراسية بحقّ ، وأساليبها في التعبير وشرائطها. ومبرّرات التفكير في هذا الاستبدال وإن كانت عديدةً ولكن يمكن اختصارها في مبرِّراتٍ أساسيةٍ محدّدة ، كما يلي :

المبرِّرالأوّل : أنّ هذه الكتب الأربعة تمثّل مراحل مختلفةً من الفكر الاصولي ، فالمعالم تعبّر عن مرحلةٍ قديمةٍ تأريخياً من علم الاصول ، والقوانين تمثّل مرحلةً خطاها علم الاصول واجتازها إلى مرحلةٍ أعلى على يد الشيخ الأنصاريِّ وغيره من الأعلام ، والرسائل والكفاية نفسهما نتاج اصوليّ يعود لما قبل مائة سنةٍ تقريباً ، وقد حصل علم الاصول بعد الرسائل والكفاية على خبرة مائة سنةٍ تقريباً من البحث والتحقيق على يد أجيالٍ متعاقبةٍ من العلماء المجدِّدين ، وخبرة ما يقارب مائة سنةٍ من البحث العلميّ الاصولي جديرة بأن تأتي بأفكارٍ جديدةٍ كثيرةٍ وتطوّر طريقة

١٨

البحث في جملةٍ من المسائل ، وتستحدث مصطلحاتٍ لم تكن ، تبعاً لما تتكوّن من مسالك ومبانٍ ، ومن الضروريّ أن تنال الكتب الدراسية حظّاً مناسباً لها من هذه الأفكار والتطوّرات والمصطلحات ؛ لئلاّ يفاجَأ بها الطالب في بحث الخارج دون سابق إعداد.

وهكذا يوجد الآن فاصل معنويّ كبير بين محتويات الكتب الدراسية الأربعة وبين أبحاث الخارج ، فبينما بحث الخارج يمثّل حصيلة المائة عام الأخيرة من التفكير والتحقيق ، ويعبّر بقدر ما يُتاحُ للُاستاذ من قدرةٍ عن ذروة تلك الحصيلة نجد أنّ كتب السطح تمثّل في أقربها عهداً الصورة العامّة لعلم الاصول قبل قرابة مائة عام ، ساكتةً عن كلّ ما استجدّ خلال هذه الفترة من أفكارٍ ومصطلحات. ونذكر على سبيل المثال لما استجدّ من مطالب : أفكار باب التزاحم ، وما أشاده الميرزا من مسلك جعل الطريقية بتعميقاته وتفريعاته في مسائل قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي ، وحكومة الأمارات على الاصول ، ورفع قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ بجعل الحجيّة ، وفكرة جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية بآثارها الممتدّة في كثيرٍ من أبحاث علم الاصول ، كبحث الواجب المشروط والشرط المتأخّر ، والواجب المعلّق ، وأخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم ، والوجه الجديد لبحث المعاني الحرفية الذي يختلف اختلافاً أساسياً عن الصورة الغريبة التي تخلقها آراء صاحب الكفاية في ذهن الطالب.

فإنّ هذه المطالب وغيرها ممّا أصبحت تشكّل محاور للفكر الاصوليّ الحديث هي نتاج الفترة المتأخّرة الذي يظلّ طالب السطوح جاهلاً به تماماً ، إلى أن يواجه أبحاث الخارج وهو لا يملك تصوّراتٍ ابتدائية أو وسطى عن تلك المطالب.

فالطالب لكي يتسلّل من كتب السطح إلى درس الخارج كأ نّه يكلّف بطفرة ، وبأن يقطع في لحظةٍ مسافةً لم يقطعها علم الاصول خلال تطوّره التدريجيّ إلاّفي مائة عام.

وكأنّ اختيار الكتب الدراسية من مراحل مختلفةٍ للفكر الاصوليّ نشأ من الشعور بلزوم التدرّج في الكتب الدراسية من الأبسط إلى الأعمق ، ولمّا كان علم

١٩

الاصول في وضعه على عهد صاحب المعالم أبسط منه في عهد صاحب القوانين ، وفي هذا العهد أبسط منه في عهد الرسائل والكفاية فقد لوحظ أنّ هذا يحقّق التدرّج المطلوب إذا جعل الكتاب الدراسيّ الأوّل نتاج مرحلةٍ قديمةٍ من علم الاصول ، وما يتلوه نتاج مرحلةٍ متأخّرة ، وهكذا.

وهذا الشعور يشتمل على حقيقةٍ وعلى خطأ :

أمّا الحقيقة فهي لزوم التدرّج في الكتب الدراسية من الأبسط إلى الأعمق ، وأمّا الخطأ فهو أنّ هذا التدرّج لا ينبغي أن يكون منتزعاً من تأريخ علم الاصول ومعبّراً عمّا مرّ به هذا العلم نفسه من تدرّجٍ خلال نموِّه ؛ لأنّ هذا يكلِّف الطالب أن يصرف وقتاً كثيراً في مطالب وأفكارٍ لم يعد لها موضع في العلم بحسب وضعه الفعلي. وإنّما الوضع الصحيح في الكتب الدراسية الذي يشتمل على التدرّج المطلوب هو : أن تتّجه هذه الكتب جميعاً على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل إليه العلم من أفكارٍ وتحقيقاتٍ ومصطلحات ، ولكن بدرجاتٍ من العرض تختلف من ناحية الكمّ أو الكيف ، أو من الناحيتين معاً ، والاختلاف في الكمِّ يعني التفاوت في المقدار المُعطى من الأفكار ، فبدلاً عن استعراض خمسة اعتراضاتٍ على الاستدلال بآية النبأ ـ مثلاً ـ يبدأ في الحلقة الاولى باعتراضٍ أو اعتراضين ، ثمّ يُستعرض عدد أكبر من الاعتراضات في حلقةٍ تالية ، والاختلاف في الكيف يعني التفاوت في درجة عمق ما يطرح من فكرة ، فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل الطريقية ـ مثلاً ـ يعرض في حلقةٍ ابتدائية عرضاً ساذجاً بدون تعميق ، ثمّ يعمَّق في حلقةٍ لاحقة ، فيعرض على نحوٍ يميَّز فيه بين التنزيل والاعتبار ، وقد يعرض في حلقةٍ اخرى حينئذٍ على نحو المقارنة بين هذين النحوين في النتائج والآثار.

المبرِّر الثاني : أنّ الكتب الأربعة السالفة الذكر ـ على الرغم من أنّها استعملت ككتبٍ دراسيةٍ منذ أكثر من خمسين عاماً ـ لم تؤلَّف من قبل أصحابها لهذا الهدف ، وإنّما الِّفت لكي تعبّر عن آراء المؤلّف وأفكاره في المسائل الاصولية المختلفة ، وفرق كبير بين كتابٍ يضعه مؤلِّفه لكي يكون كتاباً دراسياً وكتاب يؤلّفه ليعبِّر فيه عن

٢٠