🚘

فوائد الأصول

الشيخ محمّد علي الكاظمي الخراساني

فوائد الأصول

المؤلف:

الشيخ محمّد علي الكاظمي الخراساني


المحقق: الشيخ رحمة الله رحمتي الأراكي
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٧٠
🚘 الجزء ١ - ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأولين والآخرين محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد ، فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الموسوم ب‍ ( فوائد الأصول ) وهو يشتمل على مهمات مباحث القطع والظن وبعض الأصول العملية ، وهي نتيجة ما تلقيته من بحث شيخنا الأستاذ ، الإمام الفقيه ، علم العلم وبدر سمائه ومشكاة نوره ، مفصل الصواب وفصل الخطاب ، من قد استبطن أسرار العلوم واستجلى غوامضها ومحص حقائقها وأحصى مسائلها وأحاط بفروعها وأصولها ومعقولها وومنقولها ، صدر العلماء وعين الفقهاء ، قبلة المشتغلين وخاتمة المجتهدين ، آية الله في العالمين ، من قد ألقت إليه الرياسة الدينية أزمتها في أواسط القرن الرابع عشر ، حضرة « الميرزا محمد حسين الغروي النائيني » متع الله الاسلام بشريف وجوده.

وقد جعل ( مد ظله ) عنوان بحثه كتاب « فرائد الأصول » تأليف أستاذ الأساتيذ الشيخ الأنصاري ( قده ) لمكان أنه أحسن كتاب صنف في المباحث العقلية من حيث الترتيب وتبويب المباحث وتمييز الطرق والأمارات عن الأصول العملية ، فان المتقدمين لم يميزوا المباحث بعضها عن بعض وأدرجوا كثيرا من الأدلة الاجتهادية في الأدلة الفقاهية.

قال قدس‌سره : « اعلم أنّ المكلف إذا التفت الخ » والمراد من المكلف هو خصوص المجتهد ، إذ المراد من الالتفات هو الالتفات التفصيلي الحاصل للمجتهد

٣

بحسب اطلاعه على مدارك الأحكام. ولا عبرة بظن المقلد وشكه. وكون بعض مباحث القطع تعم المقلد لا يوجب أن يكون المراد من المكلف الأعم من المقلد والمجتهد ، إذ البحث عن تلك المباحث وقع استطرادا وليست من مسائل علم الأصول ، ومسائله تختص بالمجتهد ولا حظ للمقلد فيها. ولا سبيل إلى دعوى شمول أدلة اعتبار الطرق والأصول للمقلد ، غايته أن المقلد عاجز عن تشخيص مواردها وومجاريها ويكون المجتهد نائبا عنه في ذلك ، فإنه كيف يمكن القول بشمول خطاب مثل « لا تنقض اليقين بالشك » في الشبهات الحكمية للمقلد ، مع أنه لا يكاد يحصل له الشك واليقين ، بل لو فرض حصول الشك واليقين له فلا عبرة بهما ما لم يكن مجتهدا في مسألة حجية الاستصحاب.

ثم إنه لا وجه للاشكال على تثليث الأقسام : بأن الظن إن قام دليل على اعتباره فهو ملحق بالعلم وإلا فملحق بالشك فلا يصح تثليث الأقسام ، فان عقد البحث في الظن إنما هو لأجل تميز الظن المعتبر الملحق بالعلم عن الظن الغير المعتبر الملحق بالشك ، فلابد أولا من تثليث الأقسام ثم البحث عن حكم الظن من حيث الاعتبار وعدمه. نعم : لازم اعتباره هو أن يكون كالعلم ، كما أن لازم عدم اعتباره هو أن يكون كالشك. ثم إنه قد اختلفت كلمات الشيخ ( قده ) في تشخيص مجاري الأصول ، ولا تخلو بعضها أو جميعها عن اشكال عدم الاطراد والانعكاس.

والأحسن ، أن يقال : إن الشك ، إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا ، وعلى الثاني : فاما أن لا يعلم بالتكليف أصلا ولو بجنسه وإما أن يعلم ، وعلى الثاني : فإما أن يمكن فيه الاحتياط وإما أن لا يمكن ، فالأول مجرى الاستصحاب ، والثاني مجرى البراءة ، والثالث مجرى الاحتياط ، والرابع مجرى التخيير (١) وإنما

________________________

(١) أقول : ولا يخفى ان جعل التخيير قبالة البراءة انما يتم في الأصول العقلية التي موضوعها اللابيان أو البيان ، لأن سقوط العلم في المحذورين لا يسقط عن البيانية إلا بالترخيص الناشئ عن الطرفين بمناط عدم المرجح ولا يعقل أن يكون بمناط اللابيان. وأما في الأصول الشرعية فلا بأس بجريانها في طرفي العلم مع فرض عدم استلزامه مخالفة عملية ، لأن موضوعها عدم العلم وهو في كل واحد من الطرفين حاصل ، وحينئذ لا يبقى تخيير في قبال البراءة الشرعية ، فتدبر.

٤

قيّدنا مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة ولم نكتف بمجرد وجودها ، فان مجرد وجودها بلا لحاظها لا يكفي في كونها مجرى الاستصحاب ، إذ هناك من ينكر اعتبار الاستصحاب كلية ، أو في خصوص الأحكام الكلية ، أو في خصوص الشك في المقتضى ـ على اختلاف الأقوال فيه ـ فالمنكر يدعى أن وجود الحالة السابقة كعدمها لا تكون مجرى الاستصحاب. وهذا بخلاف ما إذا لوحظت فيه الحالة السابقة ، فان لحاظها انما يكون لأجل جريان الاستصحاب ويكون الشك الملحوظ فيه الحالة السابقة مجرى للاستصحاب على جميع الأقوال فيه.

ولا يخفى أنّ الحصر في مجاري الأصول إنما يكون عقليا لدورانه بين النفي والإثبات. وأما حصر الأصول في الأربع فليس بعقلي ، لامكان أن يكون هناك أصل آخر وراء هذه الأصول الأربعة. ولكن هذا بالنسبة إلى خصوص الاستصحاب حيث إن اعتباره شرعي.

وأما بالنسبة إلى الأصول العقلية : من البراءة والتخيير والاحتياط ، فالحصر فيها عقلي ، لأنه في صورة الشك : إما أن يراعى جهة التكليف وإما أن لا يراعى ، وفي صورة المراعاة : إما أن يراعى من كل وجه وإما أن يراعى في الجملة ، فالأول عبارة عن البراءة ، والثاني الاحتياط ، والثالث التخيير. ولا يعقل أن يكون هناك أصل عقلي آخر وراء هذه الأصول الثلاثة.

ثم إن الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية لا تختص بهذه الأصول الأربعة ، بل هناك أصول أخرى تجرى في الشبهات الحكمية ـ كأصالة الطهارة والحل ـ وإنما وقع البحث عن خصوص هذه الأصول الأربعة ، لمكان أن كل شك في كل باب من أبواب الفقه لابد وأن ينتهى إلى أحدها ، بخلاف الأصول الاخر فإنها تختص ببعض الأبواب ، مع أن بعضها لا كلام في اعتبارها ، كأصالة الطهارة.

وعلى كل حال : بعدما عرفت من أن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي ، فإما أن يحصل له القطع ، أو الظن ، أو الشك ، فالبحث يقع في مقامات ثلاث.

٥

المقام الأول

في القطع

وفيه مباحث :

المبحث الأول

في وجوب متابعة القطع

والمراد من وجوب متابعة القطع (١) وجوب متابعة المقطوع من الواقع المرئي بالقطع ولزوم العمل بما أدى إليه قطعه والجري على وفق علمه. وهذا الوجوب ليس وجوبا شرعيا ، لأن طريقية القطع ذاتية له لا تنالها يد التشريع ، إذ لا معنى لتشريع ما هو حاصل بذاته ومنجعل بنفسه ، فان الجعل التشريعي إنما يتعلق بما يكون تكوينه عين تشريعه لا ما يكون متكونا بنفسه ، وطريقية القطع تكون كذلك. وهذا من غير فرق ، بين أن نقول بصحة جعل الحجية والطريقية ـ كما هو المختار ـ وبين أن نقول بعدم الصحة وأن المجعول هو منشأ الانتزاع ـ كما هو مختار الشيخ ( قده ) فان الطريقية التي نقول بصحة جعلها إنما هي في غير الطريقية التكوينية ـ كطريقية القطع ـ فإنها من لوازم ذات القطع كزوجية الأربعة ، بل بوجه

________________________

(١) أقول : لا شبهة في أن الأعمال المترتبة على القطع ليس من لوازم المرئي بوجوده الواقعي ، بل إنما هي من لوازم وجوده الزعمي الملحوظ في ظرف لحاظه طريقا إلى الواقع بلا التفات إلى زعميته. وحينئذ لا بأس بإضافة مثلها إلى نفس القطع ، بل لا يضاف بالنظر الآخر الثانوي إلا إليه ، كما لا يخفى.

٦

يصحّ أن يقال : إنها عين القطع ، وما يكون شأنه ذلك كيف يصح أن تناله يد الجعل التشريعي!.

وبعبارة أخرى : طريقية كل شيء لابد وأن تنتهي إلى العلم وطريقية العلم لابد وأن تكون ذاتية له ، لأن كل ما بالغير لابد وأن ينتهى إلى ما بالذات وإلا لزم التسلسل.

ومما ذكرنا يعلم : أن نفي الطريقية والحجية عن القطع أيضا لا يعقل ، إذ لا يمكن شرعا سلب ما هو من لوازم الذات ، مضافا إلى لزوم التناقض. وذلك كله واضح لا يحتاج إلى أزيد من تصور حقيقة القطع.

ولا يصح إطلاق الحجة عليه ، فان الحجة باصطلاح المنطقي عبارة عن « الوسط الذي يكون بينه وبين الأكبر الذي يراد إثباته للأصغر علقة وربط ثبوتي » إما علقة التلازم وإما علقة العلية والمعلولية ، سواء كان الوسط علة لثبوت الأكبر الذي هو البرهان اللمي ، أو كان معلولا له الذي هو البرهان الإني ، وأمثلة الكل واضحة. ومن المعلوم : أن القطع لا يكون حجة بهذا المعنى ، إذ لا يصح أن يقع وسطا في القياس ، فلا يقال « هذا معلوم الخمرية وكل معلوم الخمرية خمر أو يجب الاجتناب عنه » لأن الكبرى كاذبة ، إذ معلوم الخمرية يمكن أن يكون خمرا ويمكن أن لا يكون ، ووجوب الاجتناب لم يترتب شرعا على معلوم الخمرية بل على الخمر الواقعي ، لأن الكلام في القطع الطريقي ، فلا يكون هناك علقه ثبوتية بين العلم وبين الأكبر ، لا علقة التلازم ولا علقة العلية والمعلولية ، وما لم يكن علقة لا يصح جعله وسطا فلا يكون حجة باصطلاح المنطقي ، كما لا يكون حجة باصطلاح الأصولي أيضا ، فان الحجة باصطلاح الأصولي عبارة عن الأدلة الشرعية من الطرق والأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي من دون أن يكون بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه ، فان متعلقاتها إن كانت من الموضوعات الخارجية فعدم ثبوت العلقة بينهما واضح ، إذ لا علقة بين الظن بخمرية شيء وبين نفس الخمر ـ لا علقة التلازم ولا علقة العلية والمعلولية ـ وإن

٧

كانت من الأحكام الشرعية ، فلأن الأحكام الشرعية (١) مترتبة على موضوعاتها الواقعية لا على ما أدى إليه الطريق ، إلا بناء على التصويب الذي لا نقول به.

ومن هنا يظهر : انه لا يصح تأليف القياس الحقيقي من الأدلة الشرعية ، بل صورة قياس أشبه بالمغالطة ، فقولك « هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه » قياس صوري لا واقع له ، إذ الذي يجب الاجتناب عنه هو الخمر الواقعي لا مظنون الخمرية وإنما كان الظن طريقا شرعيا إلى الخمر ، فالظن يكون من قبيل المعرف والواسطة في الاثبات فقط من دون أن يكون واسطة في الثبوت ، ومعه لا يصح تأليف القياس الحقيقي منه إلا بنحو من التأويل بعناية جعل الشارع الظن طريقا إلى الخمر ومثبتا له في الظاهر. وهذا بخلاف القطع فإنه لا يصح جعله وسطا بوجه من الوجوه ولا يمكن تأليف القياس منه ولو قياس صوري ، إذ تلك العناية التي كانت في الظن لم تكن في العلم ، لعدم جعل الشارع العلم طريقا إلى إثبات متعلقه ، لما تقدم من أن طريقية القطع غير قابلة لأن تنالها يد

________________________

(١) أقول : بعد ما كان روح الحكم وحقيقته الذي هو موضوع حكم العقل بالإطاعة والعصيان ومدار استحقاق الثواب والعقاب هي الإرادة المبرزة بالخطاب ، لا نفسه بعنوان الأولى ، بل هو حكم حقيقي بعنوانه الثانوي من المبرزية التي هو عنوان توليدي له ، فلا شبهة في أن هذه الحقيقة له مادة عبارة عن الإرادة الحقيقية وصورة هي عبارة عن بروزه بالخطاب ووصوله إلى المكلف ، وهذا الوصول تارة : يكون بالخطاب الواقعي ، وأخرى : لا يكون الا بالخطاب المتوجه إليه في ظرف الجهل بالخطاب الواقعي ، وحينئذ ففي ظرف بروزه بالخطاب الثانوي صح أن يقال : إن الخطاب الثاني المتعلق بالظن أو الشك مبرز لنفس الإرادة الواقعية التي هي مضمون الخطاب الأولى ، ومثل هذه الإرادة المبرزة بمادته واقعي وبصورته من تبعات الظن بالواقع والشك. وبهذه الملاحظة صح كون الظن وسطا لحكم متعلقه ، لأن روح الحكم ومادته هي الإرادة التي من لوازم متعلقه وإن كان بروزه بالخطاب المتعلق بالظن ، فمن حيث قيام بروزه به صح نسبة الوسطية إلى الظن ، ومن حيث إن المبرز هو عين إرادة الواقعية القائمة بنفس المتعلق صح أن يضاف الحكم بروحه إلى المتعلق بلا مغالطة في القياس ، نعم : لو كان الخطاب الثانوي مبرزا لإرادة أخرى في قبال الواقع لا يصح ذلك إلا بنحو المغالطة ، ولكن هذا المعنى أجنبي عن الأحكام الطرقية بأي لسان كان ، سواء كان بلسان تتميم الكشف أو جعل المؤدى بمنزلة الواقع ، فتدبر.

٨

الجعل التشريعي ، وما لم يكن هناك جعل شرعي لا يكون حجة باصطلاح الأصولي.

ومن هنا ظهر : أن مسألة حجية القطع لا تكون من مسائل علم الأصول ، فان الضابط في كون المسألة أصولية هو أن تقع نتيجتها كبرى لقياس الاستنباط ـ على ما بيناه في محله ـ ومسألة حجية القطع ليست كذلك ، فظهر : أنه لا يصح إطلاق الحجة على القطع باصطلاح أهل الميزان ولا باصطلاح الأصولي. ولكن هذا في القطع الطريقي الذي لم يؤخذ شرعا في موضوع حكم.

وأما القطع الموضوعي : فيطلق عليه الحجة ويتألف منه القياس حقيقة ، ويكون أشبه بالحجة باصطلاح المنطقي ، فان موضوع الحكم يكون بمنزلة العلة لثبوت ذلك الحكم ، حيث إن نسبة الموضوعات إلى الأحكام نسبة العلل إلى معلولاتها وان لم تكن من العلل الحقيقية الا أنه لمكان عدم تخلف الحكم عن موضوعه صار بمنزلة العلة ، فالقطع الموضوعي يقع وسطا للقياس ، ويقال مثلا « هذا معلوم الخمرية وكل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه » إذا فرض أن وجوب الاجتناب رتب على معلوم الخمرية لا على الخمر الواقعي. وهذا من غير فرق بين أن يكون القطع تمام الموضوع أو جزئه ـ على ما سيأتي من الفرق بينهما ـ فإنه على كل تقدير يقع وسطا ، غايته انه لو كان تمام الموضوع يكون تمام الوسط للقياس ، ولو كان جزء الموضوع يكون جزء الوسط وجزئه الآخر هو الواقع المنكشف به ، وذلك كله واضح.

المبحث الثاني

في أقسام القطع

اعلم : أن القطع إما أن يتعلق بموضوع خارجي ، وإما أن يتعلق بحكم شرعي. فان تعلق بموضوع خارجي : إما أن يكون ذلك الموضوع ذا حكم شرعي مع قطع النظر عن تعلق القطع به ، وإما أن يكون لتعلق القطع به دخل في ثبوت

٩

الحكم الشرعي ؛ ولا إشكال في أن القطع بالنسبة إلى الموضوع الخارجي يكون طريقا محضا لا يعقل أن يكون له دخل في عنوان ذلك الموضوع ، بل عنوان الموضوع أمر واقعي يدور مدار واقعه ، وكذا يكون طريقا محضا بالنسبة إلى الحكم الشرعي المترتب على ذلك الموضوع ، كما لو فرض أن وجوب الاجتناب رتب شرعا على نفس الخمر الواقعي ، فان العلم بالنسبة إليه يكون طريقا محضا ، ويكون العلم بالموضوع علما بالحكم بعد العلم بالكبرى الكلية المجعولة شرعا من وجوب الاجتناب عن الخمر.

وأما إذا لم يكن الموضوع الذي تعلق به العلم ذا حكم شرعي بل كان للعلم دخل في الحكم ، فهذا يتصور على وجوه : فإنه يمكن أن يكون العلم تمام الموضوع بحيث يدور الحكم مدار العلم وجودا وعدما صادف الواقع أو خالف ، كما لو فرض أن وجوب الاجتناب رتب شرعا على العلم بخمرية الشيء سواء صادف العلم الواقع أو خالف.

ويمكن أن يكون العلم جزء الموضوع بحيث يكون للواقع المنكشف بالعلم دخل في ثبوت الحكم أيضا ويكون الموضوع مركبا من العلم والواقع وينتفى الحكم قهرا بانتفاء أحدهما ، وعلى كلا التقديرين : يمكن أن يؤخذ العلم موضوعا على وجه الصفتية ، ويمكن أن يؤخذ على وجه الطريقية.

بيان ذلك : هو أن العلم لما كان ظاهرا بنفسه مظهرا لغيره وكان من الصفات الحقيقية ذي الإضافة وتكون جهة الحقيقية قائمة بنفس العالم من حيث قيام الصورة بنفسه التي هي المعلوم بالذات ـ على ما سيأتي الإشارة إلى بيانه ـ وجهة الإضافة قائمة بذى الصورة التي تكون معلومة بالعرض وبالغير من حيث كونه كاشفا ومظهرا لها ، فيمكن أن يؤخذ العلم من الجهة الأولى موضوعا لحكم وهو المراد من أخذه على نحو الصفتية ، ويمكن أخذه موضوعا من الجهة الثانية وهو المراد من أخذه على نحو الطريقية والكاشفية ، فتكون أقسام القطع المأخوذ في الموضوع أربعة : اخذه تمام الموضوع ، أو جزئه ، وعلى كلا التقديرين : أخذه على وجه الصفتية ، أو الطريقية.

١٠

نعم : في إمكان أخذه تمام الموضوع (١) على وجه الطريقية إشكال ، بل الظاهر أنه لا يمكن ، من جهة أن أخذه تمام الموضوع يستدعى عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه ، وأخذه على وجه الطريقية يستدعى لحاظ ذي الطريق وذي الصورة ويكون النظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم ، كما هو الشأن في كل طريق ، حيث إن لحاظه طريقا يكون في الحقيقة لحاظا لذي الطريق ، ولحاظ العلم كذلك ينافي أخذه تمام الموضوع. فالانصاف أن أخذه تمام الموضوع لا يمكن إلا بأخذه على وجه الصفتية. وربما يأتي مزيد توضيح لهذه الأقسام الأربعة في المبحث الآتي. هذا كله إذا تعلق العلم بموضوع خارجي.

وأما إذا تعلق بحكم شرعي : فيمكن أيضا أخذه موضوعا لحكم آخر غير ما تعلق العلم به ، كما لو رتب وجوب التصدق على العالم بوجوب الصلاة ، ويأتي فيه الأقسام الأربعة : من كونه تمام الموضوع ، أو جزئه ، على وجه الطريقية ، أو الصفتية.

وأما أخذه موضوعا بالنسبة إلى نفس الحكم الذي تعلق العلم به فهو مما لا يمكن إلا بنتيجة التقييد. وتوضيح ذلك : هو أن العلم بالحكم لما كان من الانقسامات الحقة للحكم ، فلا يمكن فيه الاطلاق والتقييد اللحاظي لاستلزامه الدور ، كما أوضحناه ( في مبحث التعبدي والتوصلي ) وقلنا : إن أخذ العلم قيدا جزء أو شرطا أو مانعا مما لا يمكن في مرتبة الجعل والتشريع ـ كما هو الشأن في

________________________

(١) أقول : توضيح المقام أن القطع بل جميع الصفات الوجدانية من الظن وغيره ـ بل الإرادة والتمني والترجي وأمثال ذلك من الصفات القائمة بالنفس ـ ذات إضافة إلى الصور الحاكية عن الخارج بنحو لا يلتفت إلى ذهنيتها في ظرف وجودها مع فرض عدم تعديها من الصورة إلى الخارج وأن الخارج ظرف اتصافها بها وأن ظرف عروضها الذهن ، وحينئذ في ظرف وجودها وإن لا يتصور ولا يلتفت إلى تفكيكها عن الخارج ، ولكن مع ذلك يلتفت إلى تعلقه إليه وأن الخارج متعلقه وغيره لا نفسه وانه منكشف لا عينه ، كما أن في مقام تصور مفاهيمها لا بأس بتصور تفكيكها عن متعلقاتها أيضا مع فرض تصور جهة عروضها على الصور الحاكية عن الخارج ، وهذه الجهة يرجع إلى تصور جهة كاشفيتها ومبرزيتها عن الخارج قبال حيث قيامها بنفس القاطع بما هو صفة من الصفات ، وحينئذ لا بأس للجاعل أن يلاحظ هذه الجهة ويجعله تمام الموضوع ، كما أنه يجعله جزئه ، كيف! ولو فرض عدم التفات الجاعل إلى هذه الجهة من القطع بل تصوره من حيث المبرزية كان موجبا للغفلة عن نفسه ، قلا يعقل أن يجعله أيضا جزء الموضوع ، فتدبر.

١١

الإنقسامات اللاحقة للمتعلق باعتبار تعلق الحكم به كقصد التعبد والتقرب في العبادات ـ وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضا ، لان التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة ، ولكن الإهمال الثبوتي أيضا لا يعقل ، بل لا بد إما من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد ، فان الملاك الذي اقتضى تشريع الحكم ، إما أن يكون محفوظا في كلتي حالتي الجهل والعلم فلابد من نتيجة الاطلاق (١) وإما أن يكون محفوظا في حالة العلم فقط فلابد من نتيجة التقييد ، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأولى متكفلا لبيان ذلك فلابد من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق أو التقييد ، وهو المصطلح عليه بمتمم الجعل ، فاستكشاف كل من نتيجة الإطلاق والتقييد يكون من دليل آخر.

وقد ادعي تواتر الأدلة على اشتراك الإحكام في حق العالم والجاهل ؛ ونحن وإن لم نعثر على تلك الأدلة سوى بعض أخبار الآحاد التي ذكرها « صاحب الحدائق » في مقدمات كتابه ، إلا أن الظاهر قيام الاجماع بل الضرورة على ذلك ، ومن هنا كان الجاهل المقصر معاقبا إجماعا. ومن تلك الأدلة والإجماع والضرورة يستفاد نتيجة الإطلاق وأن الحكم مطلق في حق العالم والجاهل. ولكن تلك

__________________

(١) أقول : لا شبهة في استحالة تقييد الحكم أو موضوعه بالعلم بنفس الحكم ، لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه ، كما أنه لا يعقل سعة الحكم أو موضوعه بنحو يشمل هذه المرتبة المعبر عنه باطلاقه ، ولكن لا بأس في جعل الحكم لنفس الذات في المرتبة السابقة عن العلم به ، بنحو يشمل إطلاقه في رتبة نفسه للحالتين مع فرض ملاحظة الحالتين من لوازمه في الرتبة المتأخرة ، وفي هذا المقدار لا يحتاج إلى متمم جعل ، بل يتحقق بنفس الجعل الأولى ، كما أنه لا قصور أيضا في جعل الحكم للذات في الرتبة السابقة التوئم مع خصوص العلم بحكمه لا مقيدا به ولا مطلقا ، كما هو الشأن في كل معروض بالنسبة إلى عارضه الملحوظ في الرتبة المتأخرة ، من دون اقتضاء التوئمية اتحاد الرتبة ، كما في ملازمة كل علة مع معلوله. هذا كله أيضا في فرض ملاحظة العلم بهذا الجعل في الرتبة المتأخرة. ولئن لوحظ فيه العلم بانشائه الملازم مع العلم بحقيقة حكمه فلا بأس بتقييد موضوع الحكم المنشأ بهذا الانشاء بالعلم بانشائه المحفوظ في الرتبة السابقة الملازمة مع العلم بنفسه في الرتبة اللاحقة أيضا ، بلا احتياج في ذلك المقدار أيضا إلى متمم الجعل. نعم : لو كانت المصلحة قائمة بالذات المقيدة بالعلم بنفسه لا محيص من الاحتياج إلى متمم الجعل ـ كما هو الشأن في دعوة الأمر في العبادات ـ ولكن أنى لنا باثباته! خصوصا في ظرف الإطلاق بمقتضى أدلة الاشتراك ، كما لا يخفى.

١٢

الأدلة قابلة للتخصيص وقد خصصت في غير مورد (١) كما في مورد الجهر والإخفات والقصر والإتمام ، حيث قام الدليل على اختصاص الحكم في حق العالم ، فقد اخذ العلم شرطا في ثبوت الحكم واقعا.

وكما يصح أخذ العلم بالحكم شرطا في ثبوت الحكم كذلك يصح أخذ العلم بالحكم من وجه خاص وسبب خاص مانعا عن ثبوت الحكم واقعا ، بحيث لا حكم مع العلم به من ذلك السبب. كما في باب القياس ، حيث إنه قام الدليل على أنه لا عبرة بالعلم بالحكم الحاصل من طريق القياس ، كما في رواية « أبان » في مسألة دية أصابع المرأة (٢) حيث نهى (ع) عن العمل بالقياس ، مع أن « أبان » كان عالما بأن في قطع أربعة من أصابع المرأة يثبت أربعين من الإبل من طريق القياس ، ومن هنا تعجب من حكم الإمام عليه‌السلام بأنه يثبت ثلاثين من الإبل ، ومع ذلك نهى الإمام (ع) عن العمل بعلمه ، فقد أخذ العلم بالحكم من طريق القياس مانعا. وليس هذا في الحقيقة نهيا عن العمل بالعلم حتى يقال : إن ذلك لا يعقل من جهة أن طريقية العلم وكاشفيته ذاتية لا يمكن نفيها في عالم التشريع ولا يعقل التصرف في ناحية العلم بوجه من الوجوه ، بل مرجع ذلك إلى التصرف في المعلوم والواقع الذي أمره بيد الشارع ، فالتصرف يرجع إلى ناحية المتعلق لا إلى ناحية العلم ، وبعد الالتفات إلى هذا التصرف لا يمكن أن يحصل للمكلف علم بالحكم من طريق القياس ، إذ الحكم الواقعي قيد بغير ما أدى إليه القياس ، فكيف يمكن أن يحصل له العلم بالواقع من ذلك الطريق. نعم : لو لم يلتفت إلى هذا التصرف يحصل له العلم ، كما حصل ل‍ « أبان » العلم بالحكم قبل نهى الإمام (ع).

__________________

(١) أقول : لا شبهة في أن التقيد في أصل الغرض ولو بمتمم الجعل يقتضي عدم العقاب في الجاهل المقصر في الفرعين ، لعدم تصور التقصير في حق الجاهل حينئذ ، مع أنه خلاف ظاهر الأصحاب ، كما حكاه في « مصباح الفقيه » وحينئذ فلا محيص من جعل المقام من باب جعل البدل المفوت لبقية المصلحة ، كما لا يخفى.

(٢) الوسائل : الباب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء الحديث ١.

١٣

وبذلك يمكن أن توجه مقالة الأخباريين « من أنه لا عبرة بالعلم الحاصل من الكتاب والسنة » بأن يقال : إن الأحكام الواقعية قيدت بنتيجة التقييد بما أدى إليها الكتاب والسنة ولا عبرة بغير ذلك. فلا يرد عليهم : ان ذلك غير معقول ، بل شيخنا الأستاذ ( مد ظله ) نفي البعد عن كون الأحكام مقيدة بما إذا لم يكون المؤدى إليها مثل الجفر والرمل والمنام وغير ذلك من الطرق الغير المتعارفة.

وبما ذكرنا يرتفع ما ربما يستشكل (١) في عبارة الشيخ ( قده ) من جعله مقالة الأخباريين من أمثله العلم المأخوذ موضوعا ، مع أنه لا يمكن أخذ العلم موضوعا بالنسبة إلى نفس متعلقه ، فإنه بالبيان الذي ذكرنا ظهر أنه لا مانع من أخذ العلم موضوعا بالنسبة إلى نفس متعلقه إذا كان حكما شرعيا بنتيجة التقييد.

فتحصل من جميع ما ذكرناه : أن العلم إذا تعلق بموضوع خارجي فالعلم بالنسبة إلى ذلك الموضوع يكون طريقا محضا ، وبالنسبة إلى أحكام ذلك الموضوع يمكن أن يكون طريقا ، ويمكن أن يكون موضوعا ، وإذا تعلق بحكم شرعي فيمكن أن يكون بالنسبة إلى حكم آخر موضوعا ، كما أنه يمكن أن يكون موضوعا بالنسبة إلى نفس ذلك الحكم لكن بنتيجة التقييد ، فتأمل في أطراف ما ذكرناه حتى لا تبادر بالإشكال ، هذا كله إذا تعلق العلم بالحكم الشرعي.

وأما الأحكام العقلية : فالعلم فيها دائما يكون موضوعا ، من غير فرق بين الإرشاديات العقلية أو مستقلاتها ، فان حكم العقل بحسن شيء أو قبحه لا يكون إلا بعد العلم والالتفات إلى الموضوع العقلي ، فلا يحكم العقل بقبح التصرف في مال الناس إلا بعد الالتفات إلى كونه مال الناس ، على اختلاف الأحكام

__________________

(١) أقول : يا لله! لو كان الأخباري نظره في ما اختاره إلى متمم الجعل يلزمه أن لا يحصل له علم من غير الكتاب والسنة ، مع أن كلماتهم مشحونة بأنه لو حصل العلم من غيره يطرح ولا يصلح للمعارضة مع العلم الحاصل من الكتاب والسنة ، كما أن « شيخنا العلامة » في ردهم ينادى بأعلى صوته الاستيحاش عن هذه المعارضة وعن أنه بعد حصول العلم كيف يعقل ردعه! فلو كان نظر « الشيخ » في المقام إلى التقييد بمتمم الجعل فلا يبقى وقع لما أورد عليهم ، فتأمل في أطراف كلماتك كي لا تغلط ما أورد عليك!!

١٤

العقلية ، من حيث إن للعقل حكم واحد أو حكمين ، على ما سيأتي توضيحه في محله ( إنشاء الله تعالى ).

المبحث الثالث

في قيام الطرق والأمارات والأصول بنفس أدلة اعتبارها مقام القطع بأقسامه.

وتفصيل ذلك يستدعى تقديم أمور :

الأمر الأول : المراد من الأصول المبحوث عنها في المقام من حيث قيامها مع القطع ليس مطلق الأصول ، بل خصوص الأصول التنزيلية ـ أي المتكفلة لتنزيل المؤدى منزلة الواقع ـ بحيث يكون المجعول فيها البناء العملي (١)

________________________

(١) أقول : هل يرجع البناء العملي على أحد الطرفين على أنه الواقع إلى غير البناء على أن مؤدى أحد الطرفين في مقام العمل هو الواقع؟ ومرجع هذا البناء هل إلى غير تنزيل المؤدى منزلة الواقع في مقام العمل؟ وحينئذ أين يبقى مجال الانكار لتنزيل المودى منزلة الواقع على من يقول به في الطرق أيضا برميه على الاستحالة ، إذ مثله أيضا لا يريد من التنزيل المزبور أزيد من ذلك.

ثم إن نتيجة هذا البناء العملي في ظرف الشك بالواقع هل من الشارع الجاعل أو الممضي لبنائهم إلى غير ابراز إرادته للعمل المزبور بهذا العنوان؟ ولا نعنى من الحكم الظاهري غير هذا ، فكيف ينكر الحكم الظاهري في قبال الواقع حتى في الأصول!.

نعم : الغرض من الحكم الظاهري المجعول ان كان إرادة مستقلة أخرى فنحن أيضا ننكره ، بل الذي يلتزم بالحكم الظاهري مطلقا يقول بأن شأن الخطابات الظاهرية كونها مبرزة للإرادة الواقعية التي هي مضمون الخطابات الواقعية في مرتبة الشك فيها ، فهي من حيث المبرزية الذي به قوام حكميه في طول الواقع ومن حيث مادة الحكم ولبه من الإرادة عين الخطاب الواقعي ، وبهذا المعنى قلنا بصحة وقوع الظن وسطا لحكم متعلقه بالقياس المنطقي بلا مغالطة في صورة القياس كما تقدم ، كما أن بنفس هذا الخطاب والأمر الظاهري يتنجز الواقع لا بشيء آخر ، كما سنبين لك بأحسن بيان ( إن شاء الله تعالى ).

وبالجملة نقول : ان الشارع جاعل لاحراز الواقع ، لكن بهذا المعنى الجاري في الأصول المثبتة حتى غير التنزيلية ـ كايجاب الاحتياط ـ بمعنى تتميم الكشف المختص بالأمارة. وأظن أن الصادر من مؤسس الأساس هو

١٥

على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع وإلقاء الطرف الآخر كالاستصحاب ، وأصالة الصحة ، وقاعدة التجاوز ، وأمثال ذلك من الأصول المحرزة ـ كما يأتي تفصيله إنشاء الله تعالى في محله ـ فمثل أصالة الطهارة والبرائة والاشتغال ليس داخلا في محل الكلام في المقام ، ولذا قيد الشيخ ( قده ) ببعض الأصول (١).

الأمر الثاني : قد عرفت أن القطع من الصفات الحقيقية ذات إضافة ، ولأجل ذلك يجتمع في القطع جهات ثلاث :

الجهة الأولى : جهة كونه صفة قائمة بنفس العالم من حيث إنشاء النفس في صقعها الداخلي صورة على طبق ذي الصورة ، وتلك الصورة هي المعلومة بالذات ، ولمكان انطباقها على ذي الصورة ، يكون ذيها معلوما بتوسط تلك الصورة ، فالمعلوم أولا وبالذات هي الصورة ، وتلك الصورة هي حقيقة العلم والمعلوم ، وهذا من غير فرق بين أن نقول : إن العلم من مقولة الكيف ، أو من مقولة الفعل ، أو من مقولة الانفعال ، أو من مقولة الإضافة ـ على اختلاف الوجوه والأقوال ـ فإنه على جميع التقادير تكون هناك صفة قائمة في نفس العالم ، فهذه أول جهات العلم.

الجهة الثانية : جهة إضافة الصورة لذي الصورة ، وهي جهة كشفه عن المعلوم ومحرزيته له وإرائته للواقع المنكشف ، وهذه الجهة مترتبة على الجهة الأولى ، لما عرفت من أن إحراز الواقع وكشفه إنما يكون بتوسط الصورة.

__________________

ذلك وبتوارد الأفكار وقع الخلط في جعل الكاشف والإحراز إلى تتميم كشف الناقص الذي هو مفاد دليل الأمارة بنحو من العناية محضا ، بلا جريان مثله في مفاد أدلة الأصول.

(١) ذكرنا في مبحث الاستصحاب أنه يمكن فرض قيام الأصول الغير المحرزة مقام القطع على بعض الوجوه ، فراجع ـ منه

١٦

الجهة الثالثة : جهة البناء والجري العملي على وفق العلم ، حيث إن العلم بوجود الأسد مثلا في الطريق يقتضي الفرار عنه ، وبوجود الماء يوجب التوجه إليه إذا كان العالم عطشانا ، ولعله لذلك سمى العلم اعتقادا ، لما فيه من عقد القلب على وفق المعتقد والبناء العملي عليه.

فهذه الجهات الثلاث كلها مجتمعة في العلم وتكون من لوازم ذات العلم ، حيث إن حصول الصورة عبارة عن حقيقة العلم ومحرزيته وجداني والبناء العملي عليه قهري.

ثم إن المجعول في باب الطرق والأمارات هي الجهة الثانية من جهات العلم ، وفي باب الأصول المحرزة هي الجهة الثالثة ، وتوضيح ذلك هو أن المجعول في باب الأمارات نفس الطريقية والمحرزية والكاشفية ، بناء على ما هو الحق عندنا : من تعلق الجعل بنفس الطريقية ، لا بمنشأ انتزاعها ، كما هو مختار الشيخ ( قده ) ـ وسيأتي إنشاء الله تفصيله في مبحث الظن ـ وأن تصوير ما يكون منشأ لانتزاع الطريقية في غاية الإشكال بل كاد أن يكون من المحالات. وليس المجعول في باب الأمارات هو المؤدى بحيث يتعلق حكم بالمؤدى غير ما للمؤدى من الحكم الواقعي ، فان ذلك غير معقول كما سيأتي ، بل المجعول هو الطريقية والوسطية في الإثبات والكاشفية عن الواقع ، أي تتميم الكاشفية بعد ما كان في الطرق والأمارات جهة كشف في حد أنفسها ، غايته أن كشفها ناقص وليس ككاشفية العلم.

ومن هنا اعتبرنا في كون الشيء أمارة من أن يكون له في حد ذاته جهة كشف ، والشارع في مقام الشارعية تمم كشفه وجعله محرزا للواقع ووسطا لاثباته ، فكأن الشارع في عالم التشريع جعل الظن علما من حيث الكاشفية والمحرزية بلا تصرف في الواقع ولا في المؤدى ، بل المؤدى بعد باق على ما هو عليه من الحكم الواقعي صادفت الأمارة للواقع أو خالفت ، لأنه يكون من مصادفة الطريق أو مخالفة الطريق لذي الطريق من دون توسعة في

١٧

الواقع وتنزيل شيء آخر منزلة الواقع ، فان كل ذلك لم يكن ، بل المجعول هو نفس الطريقية والكاشفية والمحرزية (١) التي كان القطع واجدا لها بذاته والظن يكون واجدا لها بالتعبد والجعل الشرعي ، فهذا هو المجعول في باب الطرق والأمارات.

________________________

(١) أقول لا يخفى أن نتيجة الجعل والتشريع تارة إحداث حقيقة الشيء الذي هو منشأ انتزاع مفهومه وكان بنحو يطبق العقل هذا العنوان على المجعول بنحو الحقيقة والوجدان ـ نظير جعل المسجدية والملكية وأمثالها ، بناء على أن حقايقها أمور جعلية ـ وتارة ليس إحداث هذه الحقيقة بالوجدان ، فلا محيص إلا ان يكون تطبيق عنوان المجعول عليه بالعناية والادعاء ، لا يتصور ثالث لهذين المعنيين ، لدورانه بين النفي والإثبات. وليس الغرض من تطبيق العنوان وجدانا على الشيء كون العنوان ذاتيا له ، بل الغرض كون هذه الحقيقة عارضا للشئ بالجعل أو غيره من سائر الأمور الاختيارية ، كجعل الجسم أبيضا أو أسودا ، ففي الأمور الاعتبارية كالمسجدية والوقفية ـ جعلها التشريعي عين تكوينه بانشاء قولي أو بفعل خارجي ، قبال ذاتي الشيء الغير القابل للجعل ولو تكوينا ، ولذا « ما جعل الله المشمشة مشمشة » بل أوجد الذات الواجد لهذه الحيثية بذاته. إذا عرفت هذه المقدمة نقول :

إن الغرض من تشريع الإحراز وإلقاء احتمال الخلاف المساوق لتمامية الكشف : إن كان بنحو يحكم العقل بتطبيق هذه العناوين على المجعول بنحو الحقيقة والوجدان ، ففساده أوضح من أن يخفى على أحد ، وإن كان الغرض أن نتيجة التشريع تطبيق العقل هذه العناوين على المجعول بالعناية والادعاء ـ كجعل الحياة والممات لزيد ـ فهو في غاية المتانة ولا يتصور في البين الثالث ، لما عرفت من دورانه بين النفي والإثبات.

وإذا كان كذلك فلا شبهة في أن ادعاء شيء لشئ يحتاج إلى النظر إلى جهة أخرى مصحح لهذا الإدعاء ، فربما يكون الغرض من ادعاء العالمية احترام الناس له ، ففي هذه الصورة لا يترتب عليه عمل لعلمه هذا ، فلا محيص في ترتب هذا الأثر من كون النظر في هذا الإدعاء إلى لزوم عمله عليه على وفق علمه الوجداني ، فبالأخرة ينتهى إلى الأمر بالمعاملة ، فتشترك الأمارة مع الأصول في ذلك وفي قيامها مقام القطع في الجهة الثالثة.

نعم : الفارق بينهما هو أن الأمر بالمعاملة في الأصول مجعول بدوا ، وفي الأمارة مستكشف من جعل الإحراز بدوا بانشائه أو إمضائه. وحينئذ فالغرض من قيام الظن مقام العلم إن كان هذا المقدار فلا بأس به ، لكن معلوم أن هذا المقدار لا يكون ملزما للعمل لولا استكشاف الأمر بالمعاملة منه ـ كما أشرنا إليه ـ فالذي يوجب قيام الظن مقام العلم الطريقي في هذه الجهة هو الأمر بالمعاملة لا تتميم الكشف محضا ، كما هو الشأن لو قلنا بتنزيل المؤدى منزلة الواقع ، إذ المقصود أيضا الأمر بالمعاملة مع ما أدى إليه الظن معاملة الواقع ، ومرجع هذا الأمر والعناية المزبورة أيضا إلى إبراز الإرادة الواقعية بهذا الإنشاء ، كما هو الشأن في لسان تتميم الكشف ، بل ومثل ايجاب الاحتياط الذي لا عناية فيه أصلا ، فمبرزية هذه الخطابات عن الواقع إنما هو بهذا المعنى ، لا بمعنى تتميم الكشف أو التعبد بالمؤدى الذي هو مفاد الخطاب.

١٨

وأمّا المجعول في باب الأصول التنزيلية فهي الجهة الثالثة من العلم ، وهو الجري والبناء العملي على الواقع من دون أن يكون هناك جهة كشف وطريقية ، إذ ليس للشك الذي اخذ موضوعا في الأصول جهة كشف عن الواقع كما كان في الظن ـ فلا يمكن أن يكون المجعول في باب الأصول الطريقية والكاشفية ، بل المجعول فيها هو الجري العملي والبناء على ثبوت الواقع عملا الذي كان ذلك في العلم قهريا وفي الأصول تعبديا.

ومما ذكرنا ظهر : أن حكومة الطرق والأمارات والأصول على الأحكام الواقعية ليست الحكومة الواقعية ، مثل قوله « الطواف بالبيت صلاة » (١) وقوله « لا شك لكثير الشك » (٢) بل الحكومة الظاهرية.

والفرق بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية ، هو أن الحكومة الواقعية توجب التوسعة والتضيق في الموضوع الواقعي ، بحيث يتحقق هناك موضوع آخر واقعي في عرض الموضوع الأولى كما في قوله « الطواف بالبيت صلاة » وهذا بخلاف الحكومة الظاهرية مع ما لها من العرض العريض : من حكومة الأمارات بعضها على بعض ، وحكومتها على الأصول ، وحكومة الأصول بعضها على بعض ، وحكومة الجميع على الأحكام الواقعية ، فإنه ليس في الحكومة الظاهرية توسعة وتضييق واقعي ، إلا بناء على بعض وجوه جعل المؤدى الذي يرجع إلى التصويب. وأما بناء على المختار : من عدم جعل المؤدى وأن المجعول فيها هو الوسطية في الإثبات والكاشفية والمحرزية ، فليس هناك توسعة وتضييق واقعي ، وحكومتها إنما تكون باعتبار وقوعها في طريق إحراز

__________________

(١) المستدرك : الباب ٣٨ من أبواب الطواف الحديث ٢.

(٢) لم نجد حديثا بهذه العبارة ـ على ما تفحصنا ـ في روايات الباب ، وإليك نص ما أورده في الوسائل « إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك » و « لا سهو على من أقر على نفسه بسهو » راجع الوسائل الباب ١٦ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة. ( المصحح )

١٩

الواقع في رتبة الجهل به ، فيكون المجعول في باب الطريق والأمارات والأصول في طول الواقع لا في عرضه. وليس للشارع حكمان : حكم واقعي وحكم ظاهري ، بأن يكون تكليفان مجعولان شرعيان : أحدهما تكليف واقعي ، والآخر تكليف ظاهري ، فان التكليف الظاهري بهذا المعنى مما لا نعقله.

والمراد من كون مؤديات الطرق والأصول أحكاما ظاهرية هو كونها مثبتة للواقع عند الجهل والحكم بأن مؤدياتها هو الواقع لمكان كونها محرزة له ، وليس هناك حكم آخر وراء الواقع يسمى بالحكم الظاهري ، كما ربما يتخيل.

فظهر : أن ما بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية بون بعيد ، وأن حكومة الأمارات إنما تكون حكومة ظاهرية واقعة في طول الواقع وفي طريق إحرازه ، ويكون المجعول فيها نفس المحرزية ، والتنجيز والعذر من اللوازم العقلية المترتبة على ما هو المجعول ، لوضوح أن التنجز لا يكون إلا بالوصول إلى الواقع وإحرازه ، إما بنفسه ( كما في العلم والطرق والأمارات والأصول المتكفلة للتنزيل ) وإما بطريقه ( كما في موارد جريان أصالة الاحتياط ) على ما سيأتي توضيحه في محله. وعلى كل حال : نفس التنجيز والعذر غير قابل للجعل ، كما ربما يوهمه بعض الكلمات ، وإنما الذي يكون قابلا للجعل هو المحرزية والوسطية في الإثبات ليكون الواقع واصلا إلى المكلف ، ويلزمه عقلا تنجيز الواقع.

الأمر الثالث : قد ظهر مما ذكرنا : أنه ليس لنا واقع حقيقي وواقع جعلي ، وعلم بالواقع الحقيقي وعلم بالواقع الجعلي ، بأن يكون للواقع فردان : فرد حقيقي وفرد جعلي ، وللعلم فردان : علم بالواقع الحقيقي وعلم بالواقع الجعلي ، فان ذلك كله مبنى على جعل المؤدى ، فيصح أن يقال ـ بنحو من المسامحة ـ إن للخمر مثلا فردان : خمر واقعي وخمر جعلي تعبدي ، وكذا للعلم فردان : علم بالخمر وعلم بالخمر التعبدي. وأما بناء على عدم جعل المؤدى فليس للخمر إلا فرد واحد ، وهو الخمر الواقعي ، والإحراز إنما يتعلق به. نعم : هناك علم

٢٠